“شبهة رشوة” في مجلس شورى الدولة: المفكرة تطالب النيابة العامة بالتحقيق


2018-07-14    |   


بتاريخ 13/7/2018، قدمت المفكرة القانونية إخباراً للنيابة العامة التمييزية داعيةً إياها إلى وضع يدها على ملف القاضي المستقيل نديم غزال. وقد أسندت المفكرة إخبارها على ما نشرته بعض وسائل الإعلام في الأيام الأخيرة حول هذه الحادثة، والتي يستشفّ منها أن القاضي استقال بعدما تمت مواجهته بأدلة على حصوله على رشوة في قضية قضائية أو أكثر. ويعتقد أن إحدى القضايا المذكورة هي قضية الإيدن باي.

وقد عبرت المفكرة في إخبارها أن إصلاح الضرر الناشئ من ارتشاء قاضٍ (في حال ثبوته) لا يحصل من خلال دفعه إلى الاستقالة وحسب، بل يقتضي مباشرة ملاحقة جزائية بحق القاضي المرتشي (المستقبل) والراشي طبعا. وهذا الأمر واجب للأسباب الآتية:

أولا، أن الاكتفاء باستقالة القاضي المشتبه بارتكابه رشوة من دون محاسبته لا يشكل إجابة متناسبة مع خطورة الفعل المشتبه بارتكابه. فعدم التحقيق يبقي الشبهة قائمة، مما يضر بالقاضي البريء فيما يضر بالمجتمع في حال ثبوت الارتشاء. ففيما أن من شأن محاسبة قاض مرتشٍ أن تؤدي مبدئيا إلى عزله وحرمانه من تعويضاته كاملة، وإنزال عقوبات حرمان من الحرية ومالية بحقه وألهم مصادرة الرشى، يُمكّنه الاكتفاء باستقالته من دون محاسبة على العكس من ذلك تماما من مواصلة تمتعه بما قبضه من رشى، علاوة على قبض أموال عامة إضافية تتمثل في تعويضات نهاية خدمته. وعليه، فإن من شأن تدبير مماثل أن يطمئن القضاة الذين قد تسولهم نفسهم الارتشاء بدل ردعهم. فكأنما يقال لكم أن بإمكانكم أن تحصّلوا بما أعطيتم من سلطان، ما شئتم من رشى تعادل أضعاف أضعاف سنوات من أجوركم، فإذا كُشف أمركم (وهو أمر نادر حصوله)، بإمكانكم حفظ كل ما جنيتموه ودرء أي محاسبة بالاستقالة. هذا فضلا عن أن من شأن تمييع الحقائق أن يمنع الكشف عن احتمال تورط قضاة آخرين في الرشوة المشتبه بها، وخصوصا أن قرارات مجلس شورى الدولة تتخذ ضمن هيئات مكونة من ثلاثة قضاة وأن غزال هو مجرد مستشار في هذه الهيئات.

ثانيا، أن الاكتفاء باستقالة القاضي المشتبه بارتشائه من دون تحقيق أو محاسبة، يؤدي أيضا إلى إبقاء الجهة الراشية (والتي غالبا ما تكون جهة نافذة) بمنأى عن أي محاسبة. وخطورة هذه الممارسة هي أنها تبقي ممارسات التأثير والتدخل في القضاء، بما فيها الرشوة، قائمة من دون أي رادع. ومن شأن ذلك أن يؤدي، ليس فقط إلى تشجيع الجهات النافذة والقادرة على المضي في هذا الاتجاه، إنما أيضا إلى إبقاء القاضي، الطرف الأضعف في المعادلة. وتحصل الأمور هنا تماما كما يحصل في العلاقة بين عاملة الجنس والزبون، حيث تكون الأولى وحدها معرضة للملاحقة وبإمكان الثاني أن يستغلها ويبتزها كما يشاء من دون مجال لمحاسبته. بمعنى أنه يكفي النافذ أن يرشي القاضي مرة واحدة، ليكون بمستطاعه تسييره في كل مرة، تحت طائلة فضح أمره. فلا يكون هنالك أي مجال لصحوة الضمير أو للتوبة.

ثالثا، أن الإحجام عن التحقيق في شبعة الارتشاء يحول أيضا دون ضمان حقوق المتضررين من الرشوة بالتعويض أو بتصويب مسار قضاياهم. ففي حال حجب الحقائق، كيف يكون للمتقاضي الذي تكبد خسائر بفعل تواطؤ القاضي مع الجهة الراشية أن يسترجع حقوقه المهدورة أو أن يستحصل على تعويض تبعا لضياعها؟

 ختاما، يجدر التذكير أن عددا من القضاة كانوا بادروا بالتعاون مع المفكرة وناشطين آخرين في 2012 إلى توقيع عريضة للمطالبة بجلاء الحقيقة في شبهة تورط قاض عدلي كبير (عضو في مجلس القضاء الأعلى سابقا) في استجداء رشوة، صونا لحقوق المتقاضين واستقلال القضاء ونزاهته. وإذ تم توقيع عريضة من عشرات الأشخاص، تم صرف القاضي آنذاك من الخدمة بقرار تأديبي من دون أن تصل الأمور إلى حرمانه من تعويضاته أو إلى محاسبة الجهة المتورطة بالرشوة من خارج القضاء. قد يكون من المهم في هذه القضية القيام بمبادرات أكثر فعالية، أملا باستنهاض الرأي العام والمؤسسات حول ضرورة إرساء ممارسات جديدة في قضايا مماثلة. وهذا ما ستعمل “المفكرة” عليه، بخطوات تصاعدية نأمل أن تقود هذه القضية إلى خواتيمها.

مقالات ذات صلة:

  • الفساد القضائيّ: وجهٌ آخر لفساد النظام السياسيّ
  • أزمة أخلاقية على رأس الهرم القضائي (2/3): العريضة التي كتبها قضاة ولم توقع: من يبادر الى كسر الصمت؟
  • ازمة اخلاقية على اعلى الهرم القضائي” القضاء كقضية عامة: حان لنا الدفاع عن استقلالية القضاء ونزاهته
  • المفكرة تقدم اخبارا للتحقيق في جريمة التدخل في القضاء: أين الفيلم؟
  • الإخبار الذي كتبه قضاة ولم يوقع

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *