شادي حبش ضحية جديدة للتوقيف التعسّفي في مصر: الفن الساخر بطعم الموت


2020-05-14    |   

شادي حبش ضحية جديدة للتوقيف التعسّفي في مصر: الفن الساخر بطعم الموت

مات محبوسا مريضا.. شادي حبش، مصوّر فوتوغرافي ومخرج فيديو كليبات غنائية موهوب. أوقعه حظه العاثر في سياق قضية أهين فيها رئيس جمهورية محافظ، معروف بكرهه الشديد للسخرية. أيا كان السياق سواء نقد أو تعبير عن الرأي أو الإبداع، تم القبض على شادي بسبب إخراجه لفيديو كليب غنائي ساخر[1] للمغني المصري “رامي عصام”، وحُبس لمدة عامين وجاءت الصدمة الأخيرة بخبر وفاته وهو لما يبلغ الخامسة والعشرون ربيعا في 2 مايو 2020. لا تزال التحقيقات مفتوحة بشأن وفاته وكذلك أسئلة تشكك في سير هذه التحقيقات ومدى شفافيتها. فهل ستقدم الدولة مسؤولا حقيقيًا عن وفاة شادي؟ أم ستعتمد على الوقت مرة أخرى لننسى؟

كيف تحول الحبس الاحتياطي من إجراء للتحقيق إلى عقوبة؟

يوم 26 فبراير2018 نشر المغني المصري رامي عصام فيديو كليب بإسم “بلحة”، وعلى الرغم من أن الأغنية لم تصرح بسب لشخص رئيس الجمهورية إلا أنها حملت سخرية لاذعة وإسقاطا سياسيا واضحا، تزامنت مع تقدم الرئيس حينها بالترشح لفترة رئاسية ثانية. وتم القبض على شادي وعدد ممن شاركوا في الفيديو كليب بتهمة الإنضمام إلى جماعة إرهابية واستخدام شبكات التواصل الإجتماعي للترويج لأفكار تلك الجماعة ونشر أخبار كاذبة، وليس بتهمة إهانة الرئيس[2]. وتم إحالة القضية لنيابة أمن الدولة العليا،[3] والتي انعقد اختصاصها في هذه القضية بناءً على قرار وزير العدل[4]، بإختصاص نيابة أمن الدولة بالتصرف في القضايا التي تقع عن طريق النشر إذا كان المجني عليه موظفًا عامًا، وهو ما ينطبق على الاتهامات الموجهة للمشاركين في صنع ونشر الفيديو كليب الساخر. وبما أن التهم الموجهة لشادي تصل عقوبتها إلى السجن المؤبد[5]، فإنه حسب تعديل المادة 143 الذي تم في 2013، يمكن لمحكمة جنح مستأنف منعقدة في غرفة المشورة أن تجدد حبسه الاحتياطي بحد أقصى عامين، بعد طلب قاضي التحقيق، وحينها يكون الإفراج عن المحبوس احتياطيا واجبا[6]. بحلول مارس الماضي كان قد مر عامان لشادي في الحبس الإحتياطي وكان من المفترض إخلاء سبيله لمرور الحدّ الأقصى لمدة الحبس الإحتياطي، ولكن ذلك لم يتم. وفي أول مارس 2020، أي بعد انتهاء مدة الحبس الاحتياطي، تقدم المحامي أحمد الخواجة، محامي شادي، بطلب للسلطات المعنية للإفراج عنه ولكن من دون جدوى[7]، حتى مات شادي بعد عامين، دون أن يُحال إلى المحاكمة.

كيف يعمل الخوف؟

في رسالة منشورة لشادي من داخل محبسه[8] يقول:

“عارف أن ليا صحاب كتير بيحبوني وخايفين يكتبوا عني أو فاكرين أني هخرج من غير دعمهم ليا”

الوقت الذي كتب فيه شادي هذه الكلمات تزامن مع أحداث سبتمبر 2019 بالقاهرة[9]، والتي لحقها حملات تفتيش عشوائية طالت منازل المئات من شباب وسط المدينة وحملات أخرى ممنهجة للقبض على عدد كبير من النشطاء السياسيين، وصل إلى حد غير مسبوق في أعداد المقبوض عليهم في تلك الأيام، وتفتيش التليفونات المحمولة بالشارع بشكل عشوائي واقتياد أصحابها لأماكن غير معلومة. وسط هذه الأجواء المليئة بالخوف، كتب شادي على إستحياء يذكر أصدقاءه بوحدته، في نفس الوقت الذي انشغلت فيه طاقات الدولة في مراقبة وإتهام كل من فكر في المشاركة ولو بتعليق على مواقع التواصل الاجتماعي تخص أحداث سبتمبر. مرت الأحداث وأغلب من قبض عليهم تم إخلاء سبيلهم، ولكن خوف المواطنين استمر. فمن الصعب أن نتخيل أن شخصا عاديا لمجرد سيره بوسط المدينة أو الميادين المجاورة أصبح عرضة بشكل جاد للقبض عليه دون أسباب أو ضمانات بإطلاق السراح، وبالتالي أصبح الكلام عن المعتقلين أمراً صعباً، قد يُعرض فاعله للحبس.

النيابة العامة ووفاة شادي

بعد مرور أكثر من يومين على تداول خبر وفاة شادي وظهور روايات غير رسمية تشير إلى انتحاره[10]، نشرت النيابة العامة على موقعها الرسمي بموقع التواصل الاجتماعي فيس بوك ملابسات وفاة شادي بسجن طرة.

جاء بيان النيابة العامة موضحا تفاصيل التحقيقات التي تمت مع شهود عيان[11]، أوضح فيها طبيب السجن أن شادي قبل يومين من وفاته شعر بآلام شديدة في البطن وقيء وأن كل الشواهد كانت توضح أنه تسمم من الكحول. ولكن الطبيب اكتفى بإعطائه مضادا للقيء، ثم حقنه بمضاد للتقلصات. فمن الواضح أن تشخيص الحالة لم يكن التسمم من الكحول، على غير الظاهر لكل من يسمع تفاصيل الحالة. أهم جزء في بيان النيابة العامة هو الجزء المتعلق بأقوال الشاهد الأخير والتي كانت الأكثر تحديدًا في ألفاظها ومدلولاتها في تحقيقات النيابة العامة. فقد أوضح نزيل بالسجن أنه شاهد شادي بصحبة مجموعة أخرى في اليوم السابق على وفاته، حين عرض عليه الشرب من زجاجة مياه غازية، ولما سأل النزيل عن محتوى الزجاجة ضحك شادي وأخبره أنها مياه غازية مخلوطة بالكحول المستخدم لتطهير الأيدي. ثم أصاب شادي لاحقا القيء والصداع. المربك في هذه الرواية أنها تتعارض مع رواية انتحار شادي وتنهيها من الأساس. فإذا حللنا شهادة زملاء شادي، وعلى افتراض صحتها، إذًا فشادي كان يعلم بوجود نوع من الكحول بهذه الزجاجة وكونه ممسكا بها وهو يضحك ويدعو زملاءه لمشاركته يعني بلا شك أنه يريد الاستمتاع بذلك لا أن يموت. كما لم ترد أي شهادة في التحقيقات توضح أنه مقدم على الانتحار. رواية انتحار شادي تهدف لإلقاء اللوم عليه دون أي طرح أي تساؤل حول المسؤول عن موته. فجاء بيان النيابة العامة خاليا من التحقيق في حدود مسؤولية المشرف الطبي بالسجن أو تعيين خبير للتأكد من سلامة الإجراءات التي اتخذها، مما أثار شكوكا حول التعامل بإستراتيجية النفس الطويل والاعتماد على هدوء سخط الجماهير بالنسيان، والرضا بكفاية اعتبار شادي مدمنا على الكحول وكونه سببا كافيا لإهمال طبيب السجن.

في 10 مايو 2020 أصدرت النيابة العامة البيان الثاني حول التحقيق في وفاة شادي حبش[12]. أوضح شهادة جديدة لأحد المحبوسين، بأنه رأى شادي حبشي ظهر اليوم السابق على وفاته وهو يمزج كمية من الكحول في داخل عبوة للمياه الغازية – أعطاها له كما طلب منه – ليكون لها تأثير مُسكر، وأنه شاركه في شربها، فأصيب بدوره بإعياء مماثل لما أصاب المتوفي نُقل على إثره لتلقي العلاج، مؤكدًا على سلامة الصحة النفسية والبدنية للمتوفي قبل تلك الواقعة.

في كل الأحوال ستنتهي قضية موت شادي، ولكن قضية الفيديو كليب الساخر لا تزال مفتوحة وقوانين حماية الرئيس من الإهانة لاتزال تطبق على المزيد من الفنانين.

شادي ليس الأخير

فيما يخص هذه القضية، فإنه حسب محامي شادي حبش، فإن مصطفى الجمال المسؤول عن توثيق الصفحة التي نشرت الفيديو كليب على مواقع التواصل الاجتماعيّ ما زال محبوساً على ذمتها، بخلاف 5 تم إخلاء سبيلهم على ذمة نفس القضية.

كما أن السجون المصرية مليئة بالمحبوسين على ذمة قضايا تتعلق بحرية التعبير أو الإبداع، فعلى سبيل المثال نذكر الفنان الساخر ومذيع برنامج أبلة فاهيتا شادي أبو زيد، تم القبض عليه بسبب فيديو كليب نشره في ذكرى ثورة يناير، يسخر فيه من عساكر الشرطة المسؤولين عن تأمين ميدان التحرير وقتها، قُبض عليه في مايو 2018، أكثر من عام محبوس احتياطيًا دون محاكمة[13].

إلى جانب ذلك، تمت إحالة بعض المبدعين إلى القضاء العسكري. فنذكر على سبيل المقال الناشر خالد لطفي، مدير ومؤسس مكتبة ودار نشر تنمية، الذي أيدت المحكمة العسكرية حكمًا بسجنه لمدة 5 سنوات لإعادة نشر كتاب “الملاك، الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل” عن أشرف مروان صهر الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر. صدر ضد لطفي حكمًا درجة أولى بالحبس 5 سنوات في أكتوبر 2018، وفي 24 ديسمبر صدر الحكم برفض النقض وتأييد حكم الحبس لمدة 5 سنوات ليصبح حكم نهائي.

لطفي ليس الوحيد الذي تمت محاكمته أمام القضاء العسكري لنشر كتاب، ففي منتصف العام 2018، أصدرت المحكمة العسكرية حكمًا بسجن مالك دار نشر “ضاد” لطباعته ديوان “خير نسوان الأرض”،  والشاعر جلال البحيري صاحب الديوان، لمدة 3 سنوات مع تغريمهما 10 آلاف جنيه، سبقهم الفنان أحمد الجارحي ، لإتهامه بإهانة المؤسسة العسكرية في عرضه المسرحيسليمان خاطر. قضية الجارحي كانت ضد مسرحية يتم عرضها في نادي الصيد، ونال استحسان الجماهير بحيث طلب منه عمل المسرحية لأربعين ليلة عرض بدل 3 ليالي وهي المدة المتفق عليها، وفوجئ بعدها بالقبض عليه يوم 1 مارس 2018 وتم احتجازه في مكان غير معلوم مع أعضاء الفرقة الخمسة الآخرين لمدة 4 أيام حتى ظهر بالمحكمة العسكرية وحكم عليهم في 25 يوليو بحبسهم شهرين مع إيقاف التنفيذ[14].


[1]  رامي عصام، ا     غنية بلحه، 26 فبراير 2018

[2]  قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937

المادة 179:

“يعاقب بغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على ثلاثين ألف جنيه كل من أهان رئيس الجمهورية بإحدى الطرق المتقدم ذكرها.”

[3]   القضية رقم 480 لسنة 2018 حصر أمن الدولة العليا

[4]  قرار وزير العدل لسنة 1957 الصادر بتاريخ 1 يونيه 1957 بشأن تعديل اختصاص نيابة أمن الدولة.

المادة رقم 1:

تختص نيابة أمن الدولة بالتصرف فيما يقع بجميع أنحاء الجمهورية من الجرائم الآتية:-
(أ) …

(ب) الجرائم التي تقع بواسطة الصحف أو غيرها من طرق النشر إذا كان المجني عليه موظفا عاما أو شخصا ذا صفة نيابية عامة أو مكلفا بخدمة عامة.

[5] قانون رقم 94 لسنة 2015 بشأن مكافحة الإرهاب، المادة 12:

“يُعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد كل من أنشأ أو أسس أو نظم أو أدار جماعة إرهابية، أو تولى زعامة أو قيادة فيها.

ويُعاقب بالسجن المشدد كل من انضم إلى جماعة إرهابية أو شارك فيها بأية صورة مع علمه بأغراضها، وتكون العقوبة السجن المشدد الذي لا تقل مدته عن عشر سنوات إذا تلقى الجاني تدريبات عسكرية أو أمنية أو تقنية لدى الجماعة الإرهابية لتحقيق أغراضها، أو كان الجاني من أفراد القوات المسلحة أو الشرطة.

ويُعاقب بالسجن المؤبد كل من أكره شخصاً أو حمله على الانضمام إلى الجماعة الإرهابية، أو منعه من الانفصال عنها.

وتكون العقوبة الإعدام إذا ترتب على الإكراه أو الحمل أو المنع وفاته.”

[6]  قانون الاجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950:

المادة 143:

“…

وفي جميع الأحوال لا يجوز أن تجاوز مدة الحبس الاحتياطي في مرحلة التحقيق الابتدائي وسائر مراحل الدعوى الجنائية ثلث الحد الأقصى للعقوبة السالبة للحرية، بحيث لا يتجاوز ستة أشهر في الجنح وثمانية عشر شهراً في الجنايات، وسنتين إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي السجن المؤبد أو الإعدام.
…”

[9]  مونت كارلو العربية،      عمرو الشوبكي: مظاهرات 20 سبتمبر 2019 في مصر فاجأت النظام وتسببت في إرباكه، 21 سبتمبر 2019

[10]  هدير المهدوي، مدى مصر،      وقائع موت بطئ .. أن تكون شادي حبش، 6 مايو 2020

انشر المقال

متوفر خلال:

محاكمة عادلة وتعذيب ، مصر ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *