سياسة الجريمة الإسرائيلية: في استعادة مقتضبة للتحقيقات الأممية


2023-11-01    |   

سياسة الجريمة الإسرائيلية: في استعادة مقتضبة للتحقيقات الأممية
مصدر الصورة: وكالة أ ف ب

“نفرض حصارًا كاملًا على غزة. لا كهرباء ولا طعام ولا ماء ولا وقود. كل شيء مغلق. نحن نحارب حيوانات بشرية ونتصرف وفقا لذلك.”

بهذا صرّح يوآف غالانت، وزير الدفاع الإسرائيلي، بينما كانت طائرات جيشه تدكّ قطاع غزّة فلا تبقي حجرًا على حجر، ولا تبقي عائلة إلا وتثكلها، أو تمحو أثرها كلِّه. وبهذا التصريح، نزع الوزير صفة الإنسانية عن شعبٍ كامل، مستبيحًا إبادته. وعندما تنزع الصفة الإنسانية عن جماعة من البشر، فأنت تعتبر بأنّك تستبعد أيّ فعلٍ ترتكبه بحقّهم من نطاق الجرائم ضد الإنسانية.

وعملًا بهذه المقاربة، تحوّلت الحرب إلى مسرح مفتوح لجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية، وسط مساعٍ لتبريرها بسبب أو آخر مثل تبرير قصف مخيم جباليا بـ 6 أطنان من المتفجّرات مع قتل مئات المدنيين بتواجد قائد عسكري لـ “حماس” فيه. كما نفتْ إسرائيل مسؤوليتها عن قصف مستشفى المعمداني في 17 تشرين الأول والذي سقط فيه أكثر من 500 شهيد بحسب وزارة الصحة في قطاع غزة. وبشكل عام، ترافق إنكار المسؤولية هذا مع تخبّط للقوى الكبرى الداعمة لإسرائيل والأهم تخبّط إعلامي بشأن الوقائع الحاصلة فعليًا[1].

وإذ علت بعد كلّ مجزرة أصواتٌ فلسطينيّة رسمية وأخرى دولية للمطالبة بإجراء تحقيق دولي فيها وبخاصة في الحالات التي أنكرت إسرائيل مسؤوليتها فيها كما هي حال مجزرة مستشفى المعمداني، أكّد مكتب المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية كريم خان عن وجود تحقيق مفتوح عن الوضع  في دولة فلسطين، وطلب من الذين لديهم معلومات ذات صلة بالأحداث الجارية في فلسطين أن يقدموها للمكتب.

على المقلب الآخر، لم تبدِ إسرائيل أي استعداد للتعاون في أي تحقيق دولي، وهو ما انعكس في تصريح المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي في إحدى المقابلات من خلال الامتناع عن الإجابة عن السؤال حول ما إذا كانت إسرائيل مستعدة للتعاون في هذا الشأن.

لا يخرج الموقف الإسرائيلي هذا عن السياق العام والتاريخي للعلاقة بين الكيان الإسرائيلي ولجان التحقيق الدولية وبعثات تقصّي الحقائق في ما يتعلّق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب الفلسطيني، بحيث يدلّنا التاريخ على السجلّ الحافل للسلوك الإسرائيلي السلبي تجاهها والقائم على تعطيل جزء من هذه اللجان والبعثات، ورفض النتائج التي توصّل إليها الجزء الآخر للإفلات من العقاب. وعليه، رأينا من المفيد استعادة أهم المحطات التي جرت فيها تحقيقات أمميّة في الأعمال الحربية المرتكبة من إسرائيل  الشواهد كما أهمّ الخلاصات التي وصلت إليها.

2021 – التحقيق المفتوح

“لن يحقق أحد مع جنود جيش الدفاع الإسرائيلي ولن يعظِنا أحد بشأن الأخلاق في الحرب”

– يائير لابيد، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق2022

آخر لجان التحقيق الدوّلية التي تناولت الأوضاع في فلسطين المحتلة، كانت “لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلّة، بما في ذلك القدس الشرقية، وإسرائيل”، وهي لجنة أنشأها مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة سنة 2021 في أعقاب العملية العسكرية الإسرائيلية في القدس (الشيخ جرّاح) وخلال العدوان على قطاع غزة، أي العملية التي سمّتها إسرائيل “حارس الأسوار”. ويلاحظ  أنّ إسرائيل غالبًا ما تستخدم تسميات ذات مدلول ديني ورمزية توراتية لعملياتها العسكرية، لإضفاء شرعية دينية على أعمالها ولغايات التعبئة والدعاية، إذ يظهر أصل اسم “حارس الأسوار” في نبوءة إشعيا الشهيرة.

تكمن مهمة اللجنة في التحقيق “في جميع الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي الإنساني وجميع الانتهاكات والتجاوزات المزعومة للقانون الدولي لحقوق الإنسان التي سبقت 13 نيسان 2021 ووقعت منذ هذا التاريخ”، وفي “جميع الأسباب الجذرية الكامنة وراء التوترات المتكررة وعدم الاستقرار وإطالة أمد النزاع، بما في ذلك التمييز والقمع المنهجيين على أساس الهوية الوطنية أو الإثنية أو العرقية أو الدينية”.

وقد أصدرت هذه اللجنة حتى الآن ثلاثة تقارير تدين فيها ممارسات الاحتلال وتوثّق عددًا من جرائم الحرب التي ارتكبها، آخرها صدر أثناء العدوان الإسرائيلي القائم على قطاع غزة. جاء في مضمون التقارير إعلان واضح عن عدم قانونية الاحتلال وإدانة صريحة لإسرائيل بارتكاب عددٍ من جرائم الحرب، وانتهاكات للقانون الدولي الإنساني. فقد اعتبرت اللجنة أنّ “الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية أصبح الآن غير قانوني بموجب القانون الدولي، بسبب ديمومته وبسبب الإجراءات التي تتخذها إسرائيل لضمّ أجزاء من الأرض بحكم الواقع والقانون”، وأنّ “إسرائيل لا تنوي إنهاء الإحتلال، ولديها سياسات واضحة لضمان السيطرة الكاملة على الأرض الفلسطينية المحتلّة، وأنها تعمل على تغيير التركيبة السكانية من خلال الحفاظ على بيئة قمعية للفلسطينيين وبيئة مؤاتية للمستوطنين الإسرائيليين.”

وجدت اللجنة أنّ الأضرار والإصابات الناجمة عن الهجمات الإسرائيلية كانت غير متناسبة مع الفائدة العسكرية، وبالتالي تشكّل جريمة حرب. وأشارت إلى أنّ منع دخول المواد الغذائية والإمدادات الطبية إلى غزة يشكل انتهاكًا للقانون الإنساني الدولي. وذكر التقرير أنّ تاريخ إسرائيل في التوغّلات العسكرية والهجمات الجوية على غزة يجب أن ينظر إليه في السياق الأوسع للاحتلال الإسرائيلي الذي لا تنوي إسرائيل إنهاءه، وأنّها تهدف إلى إضعاف مقاومة الاحتلال وتقويض التماسك السياسيّ الفلسطينيّ وفي نهاية المطاف منع إقامة وعمل دول فلسطينيّة حرّة. وقال التقرير إنّ قوّات الأمن الإسرائيلية استخدمت القوّة المفرطة والوسائل العشوائية لتفريق المتظاهرين في إسرائيل والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، ما أدى إلى إلحاق أضرار جسيمة للمتظاهرين، بما في ذلك الوفاة والإصابات الدائمة.

ومن ضمن ما تناولته اللجنة في تقريرها الأخير، جريمة قتل الصحافية شيرين أبو عاقلة، إذ خلصت إلى أن “قوات الأمن الإسرائيلية استخدمت القوة الفتّاكة دون وجود مبرر بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان وانتهكت عمدًا أو بتهوّر حق شيرين أبو عاقلة في الحياة”. واللافت في هذه القضية، أنّ إسرائيل اعتمدت المنهجيّة الإعلامية نفسها في التعامل مع مجزرة المستشفى، فروّجت بدايةً ومن الحساب الرسمي للخارجية الإسرائيلية إلى أنّ الصحافيّة قتلت برصاص مسلّحين فلسطينيين، لتنشر بعد ذلك نتائج تحقيق أوّلي إسرائيلي خلص إلى أنه لم يكن من الممكن تحديد مصدر إطلاق النار الذي أصاب أبو عاقلة وأرداها قتيلة بشكل لا لبس فيه. وكما عبّرت اليوم عن رفضها لإجراء تحقيق دولي في مجزرة مستشفى المعمداني، سبق في قضية أبو عاقلة أن انتهجت السلوك نفسه، حيث صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك يائير لابيد ردًّا على طلب قدمته قناة “الجزيرة” إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في قتل أبو عاقلة قائلًا: “لن يحقق أحد مع جنود جيش الدفاع الإسرائيلي ولن يعظنا أحد بشأن الأخلاق في الحرب”

يُذكر أنّ إسرائيل رفضت التعاون مع لجنة التحقيق هذه، ورفضت أن تستقبل رئيستها نافي بيلاي وبقية أعضاء اللجنة أو عبورها إلى قطاع غزة، متهمة إيّاها أنّها معادية للسامية وبأنّ لديها أجندة معادية لإسرائيل[2]. ويأتي هذا الموقف منسجمًا مع الموقف التاريخي لإسرائيل من مجلس حقوق الإنسان، الذي لطالما رفضت تقاريره التي تدين أفعالها وتصنّفها كجرائم حرب.

لجنة 2014 – التحقيق في “الجرف الصامد”

“من يريد أن يواصل إلقاء اللوم على دولة إسرائيل بلا أساس فليهدر الوقت في قراءة تقرير لجنة الأمم المتحدة. بالنسبة لنا سنستمر في حماية جنودنا. سيواصلون حمايتنا.”

    رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو – 2015

لم يكن موقف إسرائيل من “لجنة الأمم المتحدة المستقلة للتحقيق بشأن النزاع في غزة في عام 2014” مختلفا عن مواقفها السابقة أو اللاحقة. يشار إلى هذه اللجنة أيضا أنشأها مجلس حقوق الإنسان للنظر في انتهاكات القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان في قطاع غزة في سياق العمليات العسكرية التي بدأت في 13 حزيران 2014، والتي أطلقت عليها إسرائيل تسمية “الجرف الصامد”. وقد لاقى تشكيلها اعتراضًا واسعًا من الجانب الإسرائيلي. فاعترضت إسرائيل على أساس فكرة التحقيق في عدوانها، واتهمت رئيس اللجنة ويليام شاباس (أستاذ قانون دولي كندي) بتحيّزه ضد إسرائيل، فمارست ضغوطات كبيرة دفعته إلى الاستقالة، ولم تكتفِ بذلك بل منعت أعضاء اللجنة من الدخول إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة وقطاع غزة لإجراء تحقيقاتها، كما امتنعت عن حضور الجلسة التي عرض فيها تقرير اللجنة في جنيف أمام أعضاء مجلس حقوق الإنسان.

هذه اللجنة التي عادتْ وترأستْها القاضية الأميركية ماري ماكغوان ديفيس خلصت في تقريرها النهائي في حزيران 2015 إلى أنّ إسرائيل في عدوانها على قطاع غزة الذي تسبب باستشهاد 1462 مدنيًّا فلسطينيًّا، ثلثهم من الأطفال، ارتكبت أفعالًا “ترقى إلى مستوى جريمة حرب”، منها قتل المدنيين باستخدام أسلحة متفجّرة ذات آثار واسعة النطاق، وربما ذات أثر عشوائي، في الأحياء المأهولة بالسكان في غزة. وبالرغم من اعتبار التقرير نفسه أنّ ما قامت به فصائل المقاومة الفلسطينية من استهداف لـ “مناطق مدنية إسرائيلية” بصواريخ أدّت إلى مقتل 6 مدنيين من الجانب الإسرائيلي، يرقى أيضًا إلى مستوى جرائم حرب، إلّا أنّ إسرائيل رفضت مضمون التقرير الذي قال رئيس الوزراء نتنياهو بأنّ قراءته “مضيعة للوقت”.

2009 – تقرير غولدستون حول “الرصاص المصبوب”

لن نوافق على وضع يعرض فيه قادة الجيش الاسرائيلي وجنود الجيش الاسرائيلي على أنهم مجرمو حرب. إن حكومة إسرائيل وكنيست إسرائيل وشعب إسرائيل يرفضون هذا رفضًا باتًا”.

      رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو- 2009

1417 فلسطينيًّا، قتلتهم إسرائيل في إطار عملية “الرصاص المصبوب” (التسمية الإسرائيلية لعدوانها على غزة 2008-2009)، بحسب التقرير الصادر عن “بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن النزاع في غزة” التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان أو ما اشتهر بـ “تقرير غولدستون” إشارةً إلى اسم رئيس البعثة القاضي الجنوب أفريقي ريتشارد غولدستون.

تناول التقرير عددًا من الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل من خلال الهجمات التي شنّتها على الأفراد والمباني في غزة وما ترافق معها من أعمال عنف قامت بها إسرائيل في الضفة الغربية في سياق العملية العسكرية. ورأت البعثة أن إسرائيل قد قصفت مستشفييْ القدس والوفاء عمدًا باستخدام قذائف مدفعية شديدة الانفجار وقنابل الفوسفور الأبيض داخل المستشفى وفي محيطه. كما وجدت أمثلة عديدة على هجمات متعمّدة على مدنيين وأعيان مدنيـة (أفـراد وأسـر بأكملها ومساكن ومساجد) وعلى انتهاك لمبدأ التمييز الذي يعدّ من مبادئ القانون الإنساني الدولي الأساسية.

وعلى عكس المزاعم التي اعتاد الاحتلال الإسرائيلي أن يسوّقها، خلص التقرير إلى أن اللجنة لم تجد دليلًا على أن المقاتلين الفلسطينيين قد استخدموا المدنيين دروعًا بشريّة أو أنهم شنوا هجمات من المستشفيات أو اتخذوا من سيارات الإسعاف وسائل لنقل المقاتلين، في حين تثبّتت من قيام جيش الاحتلال الإسرائيلي بذلك من خلال التحقيق في عدة حوادث استعملت فيها القوات المسلحة الإسرائيلية السكان الفلسطينيين المحليين للدخول إلى البيوت التي يمكن أن تكون ملغمة أو تأوي مقاتلين أعداء (وهذه الممارسة التي تعرف في الضفة الغربية باسم “إجراء الجار”).

المثير للاهتمام في تقرير البعثة أنه تطرّق إلى مسألة الحصار المطبق الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة معتبرًا بأنّ “سلسلة الأعمال التي تحرم الفلسطينيين في قطاع غزة مـن سـبل عيـشهم ووظائفهم ومساكنهم ومياههم، وتحرمهم من حرية تنقلهم ومن حقهم في العيش والدخول إلى وطنهم، وتقيّد حقوقهم في اللجوء إلى المحاكم وفي الحصول على تعويض فعال، يمكن أن تحدو بمحكمة مختصة إلى الاسـتنتاج بأن جريمة الاضطهاد، وهي جريمة ضد الإنسانية، قد ارتُكبت”.

خلصت البعثة، من الوقائع التي جمعتها، إلى أنّ القوّات المسلحة الإسرائيلية ارتكبت في غزة الخروق الجسيمة التالية لاتفاقية جنيف الرابعة: القتل العمد، والتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، والتسبب عمـداً في معاناة شديدة أو أضرار بليغة بالأبدان أو بالصحة، والتدمير الهائل للممتلكات، دون أن تكون هذه الأعمال مبررة بضرورة عسكرية كما أنها نُفذّت بشكل غير مشروع وبشكل مفرط. وباعتبار هذه الأفعال خروقـاً خطيرة، فإنه تنشأ عنها مسؤولية جنائية فردية. ولاحظت البعثة أن استخدام الدروع البشرية من قبل إسرائيل يشكّل هو الآخر جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

بطبيعة الحال، وعلى جري العادة، رفضت إسرائيل التعاون مع البعثة ومنعت أعضاءها من دخول الأراضي المحتلة، ما اضطرها إلى العبور إلى غزة عبر مصر. كما رفضت إسرائيل مضمون التقرير، ورفضت توصيتها بتأليف لجنة تحقيق، واعتبرت أن التقرير “يحيي معاداة السامية، ويدعم الذين ينفون حصول المحرقة”، علمًا أنّ رئيس البعثة يهودي وقد زار إسرائيل التي تقيم فيها ابنته أكثر من مرة، وقد مورس عليه ضغط اجتماعي وسياسيّ كبير بعد صدور التقرير.

والمثير للسخرية أن إسرائيل احتجّت على عمل اللجنة بذريعة إجراء تحقيق داخلي تولّته النيابة العامة العسكرية العامة الإسرائيلية، وقد خلُص التحقيق إلى الاكتفاء بتوجيه تهمة السرقة إلى بعض الجنود لسرقتهم “فيزا كارت”[2].

2002 – مذبحة مخيم جنين

ينبغي ضرب الفلسطينيين، وينبغي لهذا الضرب أن يكون بالغ الإيلام. ويجب علينا أن نسبب لهم خسائر وضحايا حتى يشعروا بالثمن الباهظ”.

– “آرييل شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق – 2002.

مذبحة مخيم جنين هي إحدى حوادث العملية التي سمّتها إسرائيل “الدرع الواقي”، أثناء الانتفاضة الفلسطينية الثانية سنة 2002، حيث قامت القوات الإسرائيلية بارتكاب مذبحة في مخيّم جنين قتلت فيها 52 من أبنائه.  وبالتزامن مع انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي، دخلت إلى المخيم بعثة أممية يرأسها الممثّل الخاصّ للأمين العام للأمم المتحدة تيري رود لارسن، الذي وصف في تصريح صحفي الدمار في المخيم بأنه “مروّعٌ بدرجة تفوق الخيال” واصفًا منع إسرائيل لعناصر الطوارئ بدخول المخيم بأنه “أمرٌ بغيضٌ أخلاقيًّا”.

بعد انتهاء الحملة، انتشرت المطالبات من جهات مختلفة بإجراء تحقيق دولي في الجرائم التي وقعت في المخيم، كان أبرزها السلطة الفلسطينية ومنظمة هيومن رايتس ووتش التي وضعت تقريرًا  في أعقاب تحقيقات أجرتها حول الحادثة وأظهرت دلائل تشير إلى ارتكاب إسرائيل جرائم حرب في المخيم، إلّا أنّ الولايات المتحدة حذّرت مجلس الأمن من أنها ستستخدم حق النقض في حال طرح للتصويت مشروع قرار يطلب إجراء تحقيق. 

تلا ذلك صدور القرار 1405 لعام 2002 عن مجلس الأمن الذي تضمّن الترحيب باعتزام الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك كوفي عنان إرسال بعثة لتقصّي الحقائق (وهي تختلف عن لجنة التحقيق الدولية وفقًا للقانون الدولي العام) لجمع معلومات حول الأحداث التي وقعت في مخيم جنين خلال العملية الإسرائيلية. في البداية، وافقت إسرائيل على البعثة على مضض، ليعود المسؤولون الإسرائيليون ويعترضون على تشكيلة البعثة وعلى عدم استشارتهم في تعيين أعضائها، معلنين رفضهم لثلاثة أعضاء هم تيري رود لارسن (الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة)، وماري روبنسون (مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان) وبيتر هانسن (رئيس وكالة الأونروا)، وهؤلاء الثلاثة كانوا يشكلون البعثة المشار إليها في الفقرة السابقة وأوّل الشهود الذين دخلوا مخيم جنين ووصفوا ما شاهدوه من جرائم ارتكبها الجيش الإسرائيلي[3].

 وبالرغم من الاستجابة للطلبات الإسرائيلية واستبدال الأعضاء المعترض عليهم، ورضوخ الأمم المتحدة للمطلب الإسرائيلي في إدخال عناصر عسكريين خبراء بالإرهاب، إلا أن إسرائيل عادت وتراجعت عن موقفها المتعاون، وأعلنت عن تحفّظها على البعثة وطلبت تأخير وصولها، لترفض بعد ذلك التعاون مطلقًا معها وتعلن رفض إخضاع أي من الجنود الإسرائيليين إلى التحقيق، وصرّح رئيس الوزراء آنذاك آرييل شارون بمنع أعضائها من الدخول إلى جنين.

في نهاية المطاف، أصدرت البعثة تقريرها في العام نفسه، الذي أشار إلى استخدام الجيش الإسرائيلي للمدنيين الفلسطينيين في جنين ومدن فلسطينية أخرى كدروع بشرية، من خلال إلزامهم على مرافقته أثناء تفتيش المنازل والوقوف في مرمى النيران. كما تناول تدمير الممتلاك الفلسطينية العامة والخاصة بشكل عشوائي واستخدام القوة بشكل غير مناسب والاعتقال التعسفي والتعذيب، إلّا أنّ التقرير لم يأتِ على ذكر حصول مذبحة في المخيم بالرغم من تأكيده قتل الجيش الإسرائيلي لـ 52 فلسطينيًا بينهم 23 مدنيًّا، وخلص إلى أن نتائج التقرير هي محدودة للغاية نظرًا لعدم التعاون الكامل مع البعثة وعدم التمكّن من زيارة المنطقة.

1996 – مجزرة قانا و”عناقيد الغضب”

“إنها الحرب، وفي الحرب تحصل مثل هذه الأمور… إنهم مجرد مجموعة من العرب. فما بالك متأثرًا إلى هذا الحد؟”

      الرقيب “ي” في الجيش الإسرائيلي، الذي قصفت بطارية مدفعيته النازحين في قانا، كما نقلت عنه أسبوعية “كول هاإير” الإسرائيلية في 10 أيار 1996[4]

في 18 نيسان 1996، عند الثانية ظهرًا، وفي خضم العملية التي كانت تقوم بها إسرائيل على لبنان وأسمتها “عناقيد الغضب”، قصفت المدفعية الإسرائيلية مجمع مقرّ الكتيبة الفيجية التابعة لقوة الأمم المتحدة في بلدة قانا في لبنان، حيث كان يحتمي من نيران العدوان الإسرائيلي أكثر من 800 مدني فرّوا من منازلهم في هذه البلدة والقرى المجاورة. كانت نتيجة القصف استشهاد 106 شخصًا تناثروا أشلاءً في أطراف المكان، وجرح 129، فكانت مشاهد المجزرة الدموية أكثر الصور تعبيرًا عن الوحشية الإسرائيلية في القرن العشرين، تاركةً العالم كلّه مذهولًا لهولها.

ولكون المقرّ الذي استهدفته النيران الإسرائيلية تابعًا للأمم المتحدة، أخذت المجزرة اهتمامًا كبيرًا على الصعيد الدولي، ووجدتْ إسرائيل نفسها مضطرة لتبرئة نفسها من ارتكابها. ولمّا لم يكن هناك من مجال للشك في تحديد موقع إطلاق النيران، قام اللواء أمنون شحاك، رئيس الأركان الإسرائيلي، بالدفاع عن القصف وتجاهل القوانين المعترف بها دوليًا والتي تنظم الحروب، حيث صرّح: “لا أرى أي خطأ في الحكم… قاتلنا حزب الله هناك في قانا، وعندما يطلقون النار علينا، سنرد عليهم للدفاع عن أنفسنا… لا أعرف أي قواعد أخرى للعبة، سواء بالنسبة للجيش أو بالنسبة للمدنيين”. وعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك شمعون بيريز ليبرّر المجزرة بأنهم لم يكونوا على علمٍ بتواجد مئات الأشخاص وأنها كانت بالنسبة إليهم مفاجأة مريرة، ليستدرك – بتناقض فاضح – بأن حزب الله كان يستخدم المدنيين المحتمين في الملجأ كدروعٍ بشرية[5].

في نفس اليوم الذي ارتكبت فيه المجزرة، شكّل الأمين العام للأمم المتحدة حينها بطرس غالي لجنة للتحقيق برئاسة الجنرال الهولندي فرانك فان كابن، الذي قام بزيارة الموقع واستمع إلى الجانبين، وانتهى في تقريره إلى نقض الرواية الإسرائيلية وإنكار إسرائيل المتكرر للمسؤولية، بحيث اعتبر أنه من غير المحتمل أن يكون قصف قاعدة الأمم المتحدة ناتجًا عن أخطاء تقنية.

رفضت إسرائيل التقرير ووصفته وزارة الخارجية الإسرائيلية بأنه غير دقيق ومنحاز ومضلّل، وأكّدت أنّها ترفض نتائجه رفضًا قاطعًا[6]. وجاء في بيان صادر عن البعثة الإسرائيلية في الأمم المتحدة أن إسرائيل ترى أن ما جاء في التقرير يتّسم بالسخف.

خلاصة

لعلّ أفضح تجلّيات الموقف الإسرائيلي من التحقيقات الدوليّة كان في مشهدٍ استعراضي غزيرٍ في رمزيته ويعبّر بصورة سافرة عن منتهى الاستخفاف الإسرائيلي بالتقارير الدولية وشراسة ردّة الفعل تجاه مضمونها، عندما قام السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة في العام 2021 بتمزيق نسخة عن تقرير مجلس حقوق الإنسان لإدانته إسرائيل بانتهاكات ضد الفلسطينيين، وذلك على منصّة الجمعية العامة أثناء اجتماعها، قائلًا بأن المكان الوحيد الذي يستحقه هذا التقرير هو سلّة المهملات. وكانت آخر تجلّيات هذه العدوانية الإسرائيلية، بتصريح السفير نفسه إبّان العدوان القائم على غزة بأنّ الأمم المتحدة تسقط، وأنّ الأمين العام خسر كل أخلاقه وحياده، داعيًّا إياه إلى الاعتذار وإلا الاستقالة، وذلك ردًّا على تصريح الأخير بأنّ هجمات حماس في 7 تشرين الأوّل 2023 لم تأتِ من العدم وأنّ الشعب الفلسطيني يتعرّض ل 56 عامًا من الاحتلال الخانق.

تتّبع إسرائيل منهجية قائمة على سياسة التنصّل فالإنكار، لامتصاص النقمة العارمة وردة الفعل السلبية تجاهها التي تتسبّب بها الأفعال الوحشية، ثم الإيحاء بالتجاوب مع المطالب بالتحقيق الدولي أو تجاهلها، وذلك بحسب الضغط الدولي عليها، ويتدرّج ذلك الموقف إلى التحفظ ويتخلل استخدام الحجج ضد الأشخاص (ad hominem) وأبرزها معاداة السامية، قبل أن تعلن رفض الموضوع برمته، وذلك لتبرير رفض النتائج التي سيسفر عنها لاحقًا، كون أثر الرفض أهون عليها من إضفاء شرعية على التحقيق الذي يُرجّح بأنّه سيدينها.

وتجدر الإشارة إلى تكتيك آخر تتّبعه إسرائيل في سياستها للإفلات من العقاب، وهو إجراء تحقيقات داخلية في جرائمها المرتكبة، تكون نتيجتها تقارير هزلية، هدفها الرئيسي امتصاص النقمة الدولية والأممية، وقطع الطريق على المحكمة الجنائية الدولية ومنع أي إجراء قضائي دولي في الحالات التي تتنازع فيها الاختصاصات القضائية.

ولكن، بعد أن ارتكبت إسرائيل جميع هذه الجرائم والمجازر، أضف إليها مجازر أخرى لم يجرِ أي تحقيق دولي فيها (مثل الجرائم المرتكبة في كفر قاسم ودير ياسين وحولا وصبرا وشاتيلا ومدرسة بحر البقر في مصر…) وبقيت في منأى عن المحاسبة والقصاص،  وفي ظلّ الإبادة المفتوحة في غزة منذ خمسة وعشرين يومًا، والتي راح ضحيتها أكثر من 8500 شهيدٍ حتى الآن، ودمّرت فيها المنازل والمنشآت والبنى التحتية، تبدو إسرائيل غير عابئة  حتّى بتبرير أفعالها الهمجية، في حين يقف العالم متفرّجًا أو مصفّقًا أو متواطأً أمام حمّام الدم المسفوك.

أمام مشاهد الإبادة التي تحصل في غزة، والحصار المطبق الذي وصف بأنه الأطول في التاريخ الذي يمارسه الاحتلال عليها، والتطهير العرقي المتمادي الذي يتعرّض له الشعب الفلسطيني، يتبادر إلى الذهن مجموعة من الأسئلة بشأن التناقضات التي يعيشها العالم والمجتمع الدولي: هل يجب أن يقع القتل بالجملة لكي يهتزّ ضمير العالم، والمؤسسّات الدولية؟ ألا تحلّق الطائرات وتقصف المدنيين على رؤوس الأشهاد كل يوم؟ ألا تتباهى إسرائيل بذلك؟ هل يحتاج هذا المونولوج الحربي الإسرائيلي إلى حكم مبرم – مع كل ما يتخلّله ذلك من بيروقراطية وإجراءات – لكي يتوقّف؟ أيُستثنى إرهاب الدول من مكافحة الإرهاب؟ ألا يجب على العالم، إن كان صادقًا ومنسجمًا مع قيمه التي يعلن تبنّيها، أن يجد آليات أكثر فعالية وسرعةٍ لردع المجرمين عن ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية؟

أثناء كتابة هذا المقال قصفت إسرائيل محيط مستشفيات الشفاء وناصر والقدس والأمل والإندونيسي في قطاع غزة، وارتكبت مجزرة في حيّ سكنيّ بمخيّم جباليا كما سبق بيانه، وهي لا تزال بكل وقاحة تنذر بإخلاء المستشفيات. فكيف تمنع إسرائيل من التمادي في عدوانها، ومن الإفلات من العقاب؟

والأهم: كيف يحمي الفلسطينيون أنفسهم؟



[1] بسرعةٍ انبرى المسؤولون السياسيّون والعسكريّون الإسرائيليّون لإنكار مسؤولية جيش الاحتلال عن المجزرة، وبالمقابل حملوا المسؤولية إلى حركة الجهاد الإسلامي. كما حمّل رئيس الولايات الأمريكية المتحدّة جو بايدن الذي زار الأراضي المحتلّة في اليوم التالي لوقوع المجزرة في أن الجانب الفلسطينيّ مسؤولية المجزرة بقوله أن ما تسبب بها كان صاروخًا أطلق من “الفريق الآخر.”.

كما برز لدى الجانب الإسرائيلي والإعلام المنحاز له تخبّط في الرواية المعتمدة. فبعد أن نقلت عدّة وسائل إعلامية خبر استهداف جيش الاحتلال الإسرائيلي للمستشفى بغارة، عادت لتتبنى الرواية الرسمية الإسرائيلية، أو لتجهيل الفاعل، بعد نفي الإسرائيليين مسؤوليتهم. برز هذا التخبط في الاستناد إلى حجج مختلفة مثل مقاطع فيديو قديمة، لتعود فتحذف لاحقًا، ثم إلى مقاطع أخرى لا تشكّل أي قرينة تدعم وجهة النظر الإسرائيلية، وبعد ذلك في نشر تسجيل صوتي أشبه بأن يكون تسجيلًا هزليًّا من قبل المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي وهو عبارة عن مكالمة هاتفية بين رجلين يزعم أنهما عنصران من حماس يتحدثان به عن مسؤولية حركة الجهاد الإسلامي عن إطلاق الصواريخ.

في المقابل، كان هناك معطيات أخرى ثابتة تشير إلى مسؤولية إسرائيل عن المجزرة، ومنها أن جيش الاحتلال كان قد طلب قبل أيام من المجزرة إخلاء المستشفيات في القطاع، الأمر الذي أدانته منظمة الصحة العالمية، فضلًا عن تصريح مدير المستشفى بأن جيش الاحتلال قد أخطره بوجوب إخلاء المستشفى قبل ساعات من وقوع المجزرة. هذه الوقائع، بالإضافة إلى التاريخ الدموي للاحتلال وسياسته الحافلة بالإنكار، واستمراره بالتهديد بقصف المستشفيات والمنشآت المدنية وانتهاكه الواضح والفاحش للقانون الدولي الإنساني، جعلت من الحجة الإسرائيلية والدعاية الإعلامية المبنية عليها ضعيفة وغير قابلة للتصديق.

[2] https://www.palestine-studies.org/ar/node/1652897

[3] د. كمال حمّاد، مجازر جنين وغزة: انتهاك فاضح للقانون الدولي، مجلة باحث للدراسات، العدد صفر، صيف 2002، الصفحة 133.

[4] روبرت فيسك، ويلات وطن، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، الطبعة السابعة عشرة 2005، الصفحة 728

[5] Human Rights Watch, Laws of Violations and the Use of Weapons on the Israel-Lebanon Border, 1996, p. 28,29,32

[6] خالد عايد وآخرون، مجلة الدراسات الفلسطينية، المجلد ،٧ العدد ٢٧ (صيف ١٩٩٦)، ص ١٧٤.

انشر المقال

متوفر من خلال:

فلسطين ، قضاء ، المرصد القضائي ، منظمات دولية ، الحق في الحياة ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية