“سورة كورونا” تحيل آمنة الشرقي إلى السجن


2020-07-17    |   

“سورة كورونا” تحيل آمنة الشرقي إلى السجن
المدوّنة 'آمنة الشرقي' | الصورة منقولة عن موقع France 24

على خلفية إعادة نشرها لصورة على مواقع التواصل الإجتماعي تحاكي آيات قرآنية بطريقة كاريكاتورية عبر نص ساخر بعنوان “سورة كورونا”، تم إدانة المدوّنة ‘آمنة الشرقي’ بتهمة “الدعوة إلى الكراهية بين الأديان والأجناس والسكان و ذلك بالتحريض على التمييز و استعمال الوسائل العدائية”. حصلت الإدانة بموجب حكم إبتدائي بالسجن لمدة ستة أشهر وخطية مالية تقدر بـ 2000 دينار لإدانتها “من أجل النيل من إحدى الشعائر الدينية المرخص فيها”.

حكم لئن كان في طوره الإبتدائي إلا أنه لقي موجة واسعة من الرفض والإستهجان من قبل عدد كبير من النشطاء الحقوقيين الذين اعتبروا أن المثول أمام القضاء بسبب تدوينة كتلك، يعدّ انتهاكا صارخا للحريات الفردية وللحق في التعبير والنشر، علاوة على ما قد يتأتى عنه من تبعات لهذا الحكم من تضييق على الرأي وحريّة التعبير مستقبلا.

قضية رأي تهدد مسار الحقوق والحريات

رغم أن تونس ظلّت محافظة على صدارة الدول العربية على مستوى مؤشرات الحرية، إلا أن استمرار التضييق على حرية المدونين في النشر لا تزال قائمة. وأبرز مثال على ذلك قضية المدونة آمنة الشرقي التي تسببت تدوينة عادية لها في المثول أمام القضاء وتهديدها بالسجن.

ترجع أطوار القضية إلى شهر ماي الماضي حين نشرت المدونة صورة على مواقع التواصل الاجتماعي تحت عنوان ‘سورة الكورونا’ تحاكي النص القرآني، وتتضمن سخرية من الوضع الذي يمر به العالم في فترة انتشار الوباء.

تدوينة كلفتها في البداية هجوما واسعا على حسابها في موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك،  والذي بلغ حدّ تلقّيها تهديدات بالقتل واتهامها بالهرطقة والكفر، لتتدخل فيما بعد وبسرعة السلطة الرسمية بموجب بحث أمني ويوجه لها استدعاء للمثول أمام النيابة العمومية يوم 5 ماي 2020 بالمحكمة الابتدائية بالعاصمة بتهمة الدعوة إلى الكراهية بين الأديان والأجناس والسكان.

فيما بعد، مثلت المدونة آمنة الشرقي مرة أخرى يوم 2 جويلية الجاري أمام الدائرة الجنائية بالمحكمة الإبتدائية، ليصدر الحكم الإبتدائي يوم 14 جويلية الجاري القاضي بسجنها لمدة ستة أشهر وخطية مالية قدرها ألفي دينار. وذلك بناء على الفصل عدد 52 من المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر، والذي ينص على توجيه عقوبةبالسجنمنعامإلىثلاثةأعواموبخطيةمنألفإلىألفيدينارلكلمن «يدعو مباشرة … إلىالكراهيةبينالأجناسأوالأديانأوالسكانوذلكبالتحريضعلىالتمييزواستعمالالوسائلالعدائيةأوالعنفأونشرأفكارقائمةعلىالتمييزالعنصري».

ما أن صدر الحكم الإبتدائي حتى أعلنت هيئة الدفاع عن المتهمة آمنة الشرقي توجّهها للطعن فيه لدى محكمة الاستئناف. وفي هذا السياق، اعتبرت هالة بن سالم محامية المتهمة في تصريحها للمفكرة القانونية، أن هذا القرار يعتبر بداية انتهاكا صارخا للحريات التي نسعى إلى ترسيخها منذ سنوات وللحق في النشر، فهو مخالف للقانون وللمواثيق الدولية التي صادقت عليها تونس. ناهيك أن القضية في شكلها العام قد اتسمت بعديد الخروقات الواضحة سواء على مستوى الشكل أو الأصل أو الإجراءات، ونحن عازمون على مواصلة التقاضي لأننا متأكدون أولا من غياب الدعائم والحجج اللازمة لسجن المتهمة إضافة إلى أن مثل هذه الممارسات تشرّع لانتهاك الحريات الفكرية والعقائدية في المستقبل.

قرار المحكمة الابتدائية الصادر يوم 14 جويلية الجاري يفتح باب نقاش مُستحقّ حول جواز إعتبار تدوينة تحاكي النص القرآني وسيلة عدائية أو فكرة قائمة على التمييز العنصري، ومدى صحّة تصنيف التدوين على وسائل التواصل الاجتماعي ضمن مجال مرسوم حرية الصحافة، وهل أن “فايسبوك” يمكن اعتباره وسيلة إعلام إلكتروني على معنى الفصل 50؟ ثم أن الفصلين 52 و53 جاآ في قسم «التحريض على ارتكاب الجنح»، فكيف يمكن اعتبار ما قامت به الشرفي تحريضا على ارتكاب جنحة؟

كما أنّ غرابة الحكم تتواصل بعد النطق به، حيث أنه لم يقع إعلام هيئة الدفاع به ولم يصدر لا في دفاتر المحكمة ولا في إعلاميتها، إنما قام الناطق الرسمي للمحكمة الابتدائية بتونس بتسريبه إلى وسائل الإعلام وللرأي العام وهو ما اعتبرته بن سالم محامية المتهمة، أمرا غير واضح الأسباب وبحاجة إلى مزيد من التفسير والإيضاح.

54 منظّمة وجمعية تعلن مساندتها لآمنة الشرقي

أمام تمادي الانتهاكات التي تطال حقوق وحريات المواطنين في النشر بتعلّة المس من المقدسات والتحريض على الكراهية، والتي كانت قضيّة آمنة الشرقي آخرها، تحرّكت المنظمات الحقوقية بسرعة تزامنا مع استدعاء المدونة للمثول أمام النيابة العمومية.

ففي بيان مشترك نشر يوم 7 ماي 2020 وقعت عليه ثماني منظّمات من بينها النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين والهيئة العليا لحقوق الانسان والحريات الأساسية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات والمنظمة التونسية لمناهضة التعذيب، ندّد الموقعون بإحالةالمدونةآمنةالشرقيإلىالقضاءوالهرسلةالقضائيةالتيتتعرض لها كما عبر نص البيان عن رفضكلمحاولاتتقييدالحرياتالمكفولةبالدستور وأكد على وجود مخاوفشديدةمناستغلالمثلهذهالقضايالتكميمالأفواهوالسيطرةعلىالفضاءالافتراضيوالتحكمفيهبتعلّةحمايةالمقدّساتمايعيدللأذهانتجاربمحاكمالتفتيش.

جبهة المساندة توسعت بعد صدور الحكم، حيث أصدر مرصد الدفاع عن الحق في الاختلاف والائتلاف المدني من أجل الحريات الفردية وعدد من المنظمات والجمعيات التي بلغ عددها 54، بيانا مشتركا يوم 16 جويلية 2020، لإدانة هذا الحكم القضائي ضد آمنة الشرقي معتبرين أن نص ما عُرف ب “سورة الكورونا” لا يمثلّ بأي شكل من الاشكال تعديا على الشعائر الدينية ولا يتضمّن أيّ تمييز أو تحريض أو الحثّ على الكراهية.

كما أشار الموقعون على البيان المذكور، إلى تعارض الفصلين 52 و53 تعارضا صارخا مع أحكام الدستور الذي يضمن الحق في حرية الرأي والفكر والتعبير وفقا للمادّة 31. كما يضمن حرية الضمير والمعتقد في فصله السادس ومع المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المصادق عليه من قبل تونس.

في هذا الإطار اعتبر كاتب عام الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بشير العبيدي في تصريحه للمفكرة القانونية أن قضية آمنة الشرقي ليست الأولى ولكن آن الأوان لتكون الأخيرة، فإلى جانب رفضنا لمثل هذه الممارسات التي تذكرنا بالعهد البائد نحن على اتصال دائم بمحامية المدونة آمنة الشرقي وسنعمل بكل جهدنا على إنهاء مهازل محاكمات الرأي التي باتت تمثل خطرا جديّا على الديمقراطية، وعلى ضوء الحكم النهائي البات سنحدد تحركاتنا والخطوات اللاحقة.

وإن كانت قضية آمنة الشرقي تدقّ ناقوس الخطر حول مسار ترسيخ الحريات الفردية في تونس في ظل محاكمات الرأي والمعتقد، إلا أنها كشفت في جانب آخر عن حجم الإقصاء ورفض قبول الآخر من قبل فئة من المجتمع التونسي وحالة تطبيع مع العنف اللفظي أو المادي الذي يتفاقم تجاه الآخر المختلف جندريا أو عقائديا أو فكريّا. وضع يمثل تهديدا حقيقيا لمختلف الأقليات، وهو ما يطرح على الدولة وعلى المجتمع المدني تحديا كبيرا تتم معالجته بقوة القانون وببناء وعي مجتمعي أساسه القبول والتعايش واحترام خيارات الآخرين.

انشر المقال

متوفر من خلال:

تحقيقات ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، حرية التعبير ، قرارات قضائية ، لبنان ، محاكم مدنية



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *