سنة بعد انعطافة 17 تشرين: مسؤولية الدفاع عن المجتمع في مواجهة “زعمائه”


2020-10-19    |   

سنة بعد انعطافة 17 تشرين: مسؤولية الدفاع عن المجتمع في مواجهة “زعمائه”
تصوير ماهر الخشن

سنة مرّت منذ اجتمع المجتمع مع ذاته في ساحات 17 تشرين، رفضا لنظام القلة المهيمنة، نظام الزعماء أو الأوليغارشيا. ضخامة الحدث الذي شارك فيه مئات آلاف المواطنين أرغم الجميع على الحديث عن ثورة، وإن تراجع البعض لاحقا عن هذه التسمية على خلفية أنها لم تنجحْ حتى الآن في قلب السلطة الحاكمة أو استعادة مؤسسات الدولة أو في التغيير من واقع الانهيار. وبالطبع، ومن دون الغرق في نقاش حول المفاهيم أو التقليل من صعوبة هذا الواقع بما فيه من انهيارات، ولا من المعاناة التي أغرقت كثيرين منا في مستنقعات التعب واليأس، يبقى من الضروري بعد سنة من هذه اللحظة أن نسلّم أن لحظة 17 تشرين لم تكن لحظة أو غيمة عابرة أو لحظة جميلة نستحضرها بشيء من النوستالجيا، بل هي شكلت انعطافة أو لحظة تأسيسية تركت آثارا بالغة على أسس النظام الحاكم الذي انبثق عن الحرب وانبنى على قيمها. انعطافة أفقدت هذا النظام مشروعيته، وإن لم تستكمل استدارتها بعد، انعطافة لن يكون بعدها أبدا كما كان من قبلها، وإن ما زال المجتمع ينتظر استرداد سيادته ودولته.

فما هو هذا التحوّل؟ وما هي أهم تجلياته؟ وما هي المسؤوليات المفروضة علينا للدفاع عن مجتمعنا وناسنا بوجه هذه السلطة المهيمنة؟ وما هي السبل المتاحة لتعزيز حظوظنا في استكمال الإستدارة التي بدأت في 17 تشرين في اتجاه استعادة الدولة؟ هذه هي الأسئلة التي يقتضي طرحها اليوم.

 

17 تشرين الانعطافة التي حطمت مشروعية نظام الزعامات: كلّن يعني كلّن

طوال 30 سنة، رزح لبنان تحت أثقال خلافات زعماء الطوائف واتفاقاتهم، تحت نظام المحاصصة وما استتبعه من وضع يد على الإدارة والقضاء وموارد الدولة، والأهم إفلات من العقاب طالما أن العقاب يتعارض أصلا مع مفهوم زعيم الطائفة حيث تتحوّل تلقائيا أيّ مساءلة له إلى مساءلة غير مقبولة لطائفة بأكملها. ولم يكتفِ هؤلاء بخصخصة المؤسسات والموارد العامة، بل نجحوا أيضا في خصخصة الخطاب العام، حيث طغت حاجاتهم ومطالبهم وقضاياهم على حاجات ومطالب وقضايا الناس كافة. وقد أبدعوا لهذه الغاية في استخدام العصبية الطائفية على نحو أدى إلى استقطاب الناس في ألوية تابعة لهم، فانقسم الناس حولهم بدل أن يتوحّدوا ضدهم، وهيمنت بذلك قضاياهم الفئوية على قضايا الناس كل الناس. وقد جاءت مجزرة المصارف ومن بعدها مجزرة بيروت لتعرّي الترهّل الإداري والقضائي الحاصلين بنتيجة هذا النظام، حيث كثيرون من أعيان النظام وأعوانهم كانوا يعلمون بقرب حصول الانهيار أو الإنفجار ولكن أحدا لم يحرّك ساكنا. وعليه، وفيما شكلت حرب 1975-1990 زمنا جرى فيه تسفيه الجريمة، شكلت عقود ما بعد الحرب زمنا تمّ فيه تسفيه المخاطر العامة ومعها حيويات الناس بالكامل: فلا همّ أن يخسر الناس مدّخراتهم وجنى عمرهم ومداخيلهم، لا همّ أن تموت الأنهار أو تفجّر الجبال بمقالع بين السكان، لا همّ أن يفقد اللبنانيون بحرهم ومروجهم وهواءهم، لا همّ أن ترتفع معدّلات السرطانات، لا همّ أن تتفجر أحياء واسعة من العاصمة، لا همّ أن تقوم مناطق موت هنا وهنالك وآخرها في المرفأ. المهم أن تبقى مصالح الزعيم وحصصه في الدولة وخارجها محمية ومحفوظة والأهم fresh. الخطر الأكبر ليس الخطر الذي يهدد حيوات الناس، كل الناس بل فقط الخطر الذي يهدد نفوذ الزعماء، أي منهم.

هذا هو تحديدا ما ثارت 17 تشرين ضده تحت شعار “كلن يعني كلن”، وهو شعار أبرزته القوى المعترضة للمرة الأولى في حراك صيف 2015 وتبنّته بالكامل قوى 17 تشرين، وهو الشعار الذي استدعى يوما بعد يوم العديد من محازبي الزعامات إلى التحرر من تبعيتهم السابقة. والتعميم الوارد في هذا الشعار هو جدّ معبّر فهو يعني أن رفض الزعماء لا يتصل بالضرورة بمواصفاتهم الشخصية، بما فعلوه أو لم يفعلوه، إنما هو ينبع أولا من رفض مفهوم الزعامة ونظامه لما يرتّبه من مخاطر اجتماعية مدمّرة. وعليه، شهدنا منذ أول أيام الثورة ما يشبه تكسير الأصنام التي طالما فُرض على الناس تبجيلها، وقد ازداد الميل إلى التكسير مع  تسارع وتيرة سقوط الأقنعة عن هذه الأصنام. وعليه، فيما ما يزل هذا التحوّل قاصرا عن تغيير السلطة أو استعادة المؤسسات العامة، فإنه نجح في كسر الهيمنة على الفضاء العام والأهم في قلب المعركة الاجتماعية والسياسية، من معركة بين زعامات طائفية ينقسم الناس فيها من حولهم، إلى معركة بين المجتمع والسلطة التي تهيمن عليه، وبكلام آخر بين المواطن (كل مواطن) والزعيم (كل زعيم). من معركة هي بطبيعتها فئوية وطائفية (لأي طائفة ولأي زعيم الغلبة؟) مآلها في كل الأحوال تقسيم المجتمع، إلى معركة توحيدية تهدف على العكس من ذلك تماما إلى استعادة كرامة المواطن وحريته وإعادة لمّ شمل المجتمع في مختلف مكوّناته، في مواجهة قلّة استغلّت انقساماته على أحسن وجه وعزّزت نفوذها من خلال تعميق هذه الإنقسامات وإبرازها على حساب أي معطى اجتماعي آخر.

 

أهم تجليات التحول الاجتماعي

هذا التحول عكسته العديد من الظواهر الاجتماعية التي كلنا نذكرها، وبعضنا يذكرها على أنها أجمل ما عشناه وخبرناه من تجارب اجتماعية. وهي الظواهر التي يشكل مجرّد حصولها باعث أمل لنجاحات مستقبلية.

فمع 17 تشرين، شهدنا توسيعا غير مسبوق لدوائر المهتمين بالشأن العام، والذي تجلى في أكبر تظاهرات شهدها لبنان في مختلف مناطقه، وفي إعادة إحياء الحركة الطلابية والحراكات المهنية، ولكن أيضا في ندوات ونقاشات الخيم والتي صنعت فضاء عاما لتكوين الوعي والرأي العامين في العديد من القضايا الاقتصادية والقانونية والاجتماعية بما يحقق المصلحة العامة بمعزل عن أي مصلحة فئوية، وهي تجارب ستبقى من دون ريب من أجمل تجاربنا الوطنية وأكثرها عمقا، بعدما أسّست لحالة ثقافية تشاركية فائقة الأهمية. وقد زاد من الإهتمام العام الإكتشاف المريع بأن فساد الدولة إنما كان يلتهم بمعية المصارف وبواسطة مصرف لبنان ودائع الناس، وأن لا حماية تاليا لأي حق خاص إلا في ظل دولة ديمقراطية وعادلة وقادرة.

ومع 17 تشرين، تلاقى لبنان مع نفسه في مجمل المناطق التي باتت تهتف لبعضها ضد زعمائها بعدما كانت تهتف لزعمائها في مواجهة مناطق أخرى. كما انتشرت خيم المعرفة والنقاش في مجمل هذه المناطق، لتوسع من دائرة التخاطب العام ومداه.

ومع 17 تشرين، شهدنا مظاهر التضامن الاجتماعي، والتي كانت مختلف الساحات مسرحا له وشكلت جوابا على مخططات سعتْ السلطة الحاكمة إلى تنفيذها بدءا من اقتراح قانون العفو المحاصصة وصولا إلى وقف سدود الفساد وحماية ما تبقى من مروج وجبال، من دون أن ننسى لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين التي نشطت للدفاع عن أي متظاهر في مواجهة عنف هذه السلطة واستبدادها. التضامن نفسه بلغ أوجه في مواساة ضحايا مجزرة بيروت، حيث تدفّق شبان وشابات ومهنيو ومهنيات لبنان إلى المناطق المتضررة، علّ التضامن يخفف من مشاعر الخسارة الشاملة.

ومع 17 تشرين، برزت جهود على أكثر من صعيد لاستعادة المؤسسات العامة ومعها الدولة وأموالها المنهوبة والمعتدى عليها هنا وهنالك. وقد تجلّى هذا الأمر من خلال إعلان “استقلال القضاء” ضمن أول أولويات الثوار والمنتفضين، بما يعيد العمل بمبدأ فصل السلطات ومبدأ المساواة أمام القانون ويحصّن بالنتيجة المجتمع حيال تعسف السلطة الحاكمة، أي سلطة حالية أو مستقبلية. كما تجلى في تحوّل كل منا إلى جندي في الدفاع عن المجتمع، في التنبيه إزاء المخاطر العامة الناجمة عن أعمال هذه السلطة أو التي اعتادت على تسفيهها. ولا ننسى الجهود لاستعادة النقابات المهنية أبرزها نقابة محامي بيروت والتي فازت الثورة في انتخاباتها، قبلما يتحرك البرلمان لتجميد انتخابات هذه النقابات وتمديد مجالسها، تحسّبا لمزيد من الهزائم.

ومع 17 تشرين، وهذا ربما هو الأهم، نشأت بنى اجتماعية جديدة في موازاة تطوير وتعزيز ما كان موجودا منها، على أمل أن تعزز هذه البنى قدرات المجتمع في الدفاع عن نفسه في وجه أي سلطة مستبدة، وتكون بمثابة صمام أمان للدفاع عنه في كل ظرف. وهذا ما بدأ يعكسه نمو أحزابنا الديمقراطية والتغييرية وتعاظم أدوارها.

طبعا، خلال السنة الماضية، كان الزخم الاجتماعي في مجمل هذه الميادين يزداد مع ازدياد الشعور بالقدرة على الفعل والتغيير ويتراجع مع انتشار الوباء واشتداد وطأة الأزمات. وهي أزمات باتت شرائح واسعة من شعبنا تئن تحت وطأتها وتؤدي إلى إغراق الآمال الكبرى في التغيير في مستنقعات الخوف والعوز واليأس والقلق فضلا عن جعل المعركة أكثر تعقيدا وتشعّبا ومؤكدا أكثر قسوة وصعوبة. إلا أن خفوت الحراك أو تراجع زخمه لا ينقص أبدا من أن النظام السياسي بزعاماته قد فقد في الآن نفسه وبفعل نفس العوامل أساس مشروعيته ومعها أقنعته وإن ما يزال محتفظا بأدواته. كما لا ينقص أبدا من أن 17 تشرين حققت الإنعطافة الاجتماعية الكبرى وحددت طبيعة المعركة الجديدة ومسارها (معركة الزعيم والمواطن)، معركة لاستعادة حرية المواطن وكرامته ولكن أيضا وحدة المجتمع. وهي معركة مبدئية نخوضها ليس بدافع ظرف بعينه، ليس فقط بحافز الأمل وتحت تأثيرات صعوده أو أفوله لكن قبل كل شيء بدافع الحسّ بالمسؤولية. هذا الحسّ هو قلب ما يجمعنا اليوم ويضمن إستمرار انعطافة أو تحوّلات 17 تشرين، إلى حين وصول القطار إلى محطته الأخيرة. فلنتكاتف حتى تحقيق ذلك.

 

ألقيت هذه الكلمة أمام مرفأ بيروت في الذكرى الأولى لثورة 17 تشرين.

انشر المقال

متوفر من خلال:

انتفاضة 17 تشرين ، حراكات اجتماعية ، حركات اجتماعية ، لبنان ، مجزرة المرفأ ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *