سقوط التدقيق الجنائي: السرية خاتم سحري للإفلات من العقاب


2020-11-27    |   

سقوط التدقيق الجنائي: السرية خاتم سحري للإفلات من العقاب

منذ أسبوع، يعيش لبنان تحت صدمة سقوط وعدٍ بالإصلاح، وهو أحد أبرز وعود السلطة الحاكمة للتّخفيف من الحنق العامّ إزاء الانهيار الماليّ والاقتصاديّ، والإيحاء بأنها ستعمد إلى تغيير مسار الحكم على نحو مّرضٍ. سقط هذا الوعد بعدما رفَضَ حاكم مصرف لبنان الإذعان لطلب المعلومات المُقدّم من شركة Alvarez & Marsal المكلّفة بمهمة التدقيق الجنائي من الحكومة اللبنانية بحجّة تعارضه مع قانون السرية المصرفية، وهو رفض استتبعه فسخ الشركة للعقد تبعا لما اعتبرتْه عوائق تحول دون تنفيذه. 

وبالنظر إلى إسناد رفض إعطاء المعلومات إلى قانون السرية المصرفية، فإنّه يصحّ اعتباره سقوطا ارتداديا لسقوط آخر كان سبقه ومهّد له منذ أشهر، وهو سقوط اقتراحات القوانين التي كانت فاخرت قوى سياسية عدّة بتقديمها لرفع السرية المصرفية عن القيمين بخدمة عامّة، بدرجة أو بأخرى. وكانت “المفكّرة القانونية” وثّقت هذا السقوط، في سياق رصدها لأعمال المجلس النيابي في 28/5/2020.

وتعليقا على هذا الحدث، يهمني تسجيل ملاحظات ثلاث: 

أولا، عفو مقنّع عن جريمة تفليس المجتمع

بمعزل عن النقاش حول مدى صِحّة تذرُّع مصرف لبنان بالسريّة المصرفية لردّ مطالب تزويد شركة التدقيق بالأوراق المطلوبة (وهذا ما نعود  إليه أدناه)، فإن النتيجة واحدة وهي طمس المسؤوليات في التسبّب بأكبر انهيار مالي واقتصادي في لبنان، وعمليا طمس الخطايا المرتكبة من النظام الحاكم خلال العقود الماضية. وبذلك، نكون في صدد التعرّض لمشهدٍ مشابه لما شهدناه تبعاً لقانون العفو العامّ في 1991. فكما طمس هذا القانون جرائم حرب 1975-1990 والمسؤوليات الناجمة عنها بالكامل، كذلك من شأن تعطيل التدقيق الجنائي أن يطمسَ جرائم الفساد الحاصلة خلال عقود ما بعد الحرب وأن يشكّل بابا واسعا لإفلات المرتكبين من العقاب. وفي كلتا الحالتين، نكون أمام عفوٍ عامّ ذاتيّ منحه أعيان السلطة القائمة في كلا الحقبتين لأنفسهم، وعفو أبيض أي غير مشروط عنهم، مؤدّاه ترميم مشروعية حكمهم  في موازاة إنكار تامّ لحقوق الضّحايا والمجتمع. 

ولا يتوقّف وجه الشّبه على الأثر الفعليّ للمنحييْن، بل ينسحب على رواج خطاب تبريريّ قوامه وجوب ردّ مطالب المحاسبة والعدالة ليس فقط عملا بضرورات المستقبل بل أيضا لأنها يتناسب مع ظروف حصولها في الماضي. 

فإلى حانب رواج مقولة “كلّنا ضحايا وكلّنا مجرمون” في 1991، وهي مقولة تؤدّي إلى نسف المظلومية كما المسؤولية (بحجة أنه ليس هنالك مظلوم ولا مسؤول بشكل خاص)، تمّ تظهير العفو العامّ آنذاك على أنه ضرورة للخروج من حالة الحرب وبناء السّلم الأهلي، طالما أن من شأن أيّ شكل من أشكال المحاسبة (ولو من باب الاعتراف بحقوق الضحايا كجلاء مصائر المفقودين) أن يفجّر حرباً جديدة. 

أمّا الحجّة لنسف المحاسبة في 2020 وهي المحافظة على السريّة المصرفية، فهي الأخرى تمَّ تظهيرُها على أنّها أمرٌ حتميّ من مصلحة المجتمع التسليم بها. وخير من نظّر في ذلك هو نائب رئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي، بما يمثله من تعبير عن توجهات النظام السائد، والذي اعتبر أن المحافظة على هذه السرية ضرورة يفرضها ماضينا التشريعي والمصرفي (إيفاؤنا لعهدٍ قطعناه للمودعين لاجتذاب أموالهم) كما المستقبل (استعادة لبنان سابق ازدهاره). 

ومن أهمّ ما قاله حرفيا في هذا الخصوص[1]: “هناك أجانب أتوا ووضعوا أموالهم في لبنان … من أين أملك الحقّ أن أعرّض هؤلاء لشتّى أنواع الملاحقات في بلدانهم لأنّي رفعت السرية المصرفية عنهم؟ من أين لي الحقّ أن أنكث كطرف بعقد أحدهم أتى وقال أريد أن أودع لديك المال على أساس أن لديك سرية مصرفية وآتي وأرفعها؟ أعتقد أن في استطاعتهم عندها مقاضاة الدولة لنكوثها بالعقد الذي وقّعه الطرفان. هذا في ما يتعلق بالماضي”. وفيما أن كلام الفرزلي حول وجود تعاقد بين الدولة والمُودعين وامكانية مداعاتها من قبل هؤلاء هو نوع من السفسطائية العبثية، فإنه يستشف منه توجّه إلى تثبيت أمرين: الأول، أنّ المجتمع الذي حصد أغنام هذه السرية (والتي تمثّلت في تدفّق الرساميل على المصارف اللبنانية)، عليه أن يتحمّل غرمها بمعنى أن يتقبّل أي نتائج سلبية قد تنتج عنها، حتى ولو أدّت إلى طمس المسؤوليات المالية كافة. ف “لولا السريّة المصرفية، لما كنا حتى اليوم … نعيش كما نحن على قاعدة الأمل بالغد”. والثاني، قلب الحديث عن كيفية استعادة الثقة الدولية في لبنان رأسا على عقب. ففيما راج خطاب بأنّ التدقيق الجنائيّ شرطٌ لاستعادة الثقة الدولية في لبنان والحصول على قروض باتت أكثر من ضرورية للخروج من الأزمة، فإن الفرزلي نقض بما له من تمرّس للخطابة هذا المنطق من خلال اختزال الثقة الدولية بثقة المودعين الأجانب بلبنان والتي تختلّ دون ريب في حال حصول أي مسّ بها. لا بل ذهب الفرزلي في هذا السياق حدّ التساؤل عن “الغاية من تدمير ممنهج لثقة هذا المجتمع الدولي بما تبقى في لبنان بسبب السرية المصرفية إرضاء لهذا من الناس أو ذاك؟” 

أما بما يتصل بضرورات المستقبل، فقد أخذ تصريح الفرزلي هنا أيضا طابعا وجوديا لا يترك مجالا لأيّ رأي مخالف، معتبرا إياها شرطا أساسيا لإعادة بناء الاقتصاد. “إذا أردت أن أرفع السرية المصرفية في المستقبل بربكم قولوا لي من أين نعيش؟ من التفاح والعنب…؟”. وقد ختم بسؤال: “كيف يستطيع العامل أن يجد لنفسه عملا بسبب عدم مجيئ رأس المال إلى لبنان. وإذا لم يكن هناك رأسمال فكيف نستطيع إيجاد المعامل وإلى ما هناك من أعمال يستطيع فيها لبنان أن يعود إلى سابق ازدهاره واقتصاده؟” وقد خلص تبعا لكل ذلك إلى اعتبار أن أي حديث عن إلغاء السرية المصرفية هو “إساءة إلى مصلحة البلد العليا الاقتصادية والنقدية”.

من هذه الزاوية، بدا الفرزلي (بما يمثله من تعبير حقيقيّ عن توجهات النظام السائد) وكأنه يضع اللبنانيين أمام خيارٍ مشابه للخيار الذي واجهوه بعد انتهاء الحرب: فإما أن يتمسّكوا بالمحاسبة والحقيقة وهو أمر لا يتلاءم أصلا مع ظروف والتزامات الماضي، وإما أن يختاروا الأمل بالمستقبل والذي لا يُبنى إلا بقوة النسيان وطيّ صفحة الماضي ومقولة “عفا الله عما مضى”. 

وعليه، تماما كما تعمّد النظام الحاكم في عقود ما بعد الحرب دفن المقابر الجماعية، يخشى أن نكون في سياق دفن التدقيق الجنائيّ في مقبرة السرية المصرفية. والنتيجة الواحدة لكلا الموقفين هو منع كشف اللثام عن تورط أمراء الحرب والسلم بالإجرام أو الفساد وتحويل الغنائم التي اجتنوها في كلا الزّمنين إلى حقوق مكتسبة غير قابلة لأي محاسبة، بما يؤدي إلى تبييض الوجوه وتبييض الأموال على حدّ سواء.

ثانيا: السرية خاتم سحري يسمح بالمزاوجة بين طلب المحاسبة والإفلات منها

بمعزل عن مدى سدادة أو ضرورة المحافظة على السّريّة المصرفيّة، فإن التجاذبات الحاصلة حول مآل التدقيق الجنائي إنما تبيّن لنا بوضوح كلّي المكانة المحورية التي تحتلّها في تقويض أيّ محاسبة، ليس فقط بشأن الماضي ولكن أيضا بشأن المستقبل. فالحديث عن مكافحة الفساد يبقى بفعلها حديثاً افتراضياً ينتقصُ إلى الإثباتات والأدلة. وفيما شكّل قانونُ تبييض الأموال (2015) باباً لرفع هذه السرية، فإنه أدّى عمليا إلى تسليم مفتاحه ومعه ما يمنحه من سلطة هائلة لمرجع واحد له حق حصري في الولوج إليه ومن دون أن تكون قراراته قابلة لأي مراجعة، وهو هيئة التحقيق الخاصة المنشأة داخل مصرف لبنان. وللعلم، يرأس هذه الهيئة حاكم مصرف لبنان وهو يكتسب من خلال تحكمه بقراراتها سلطة مضاعفة تضاف إلى سلطته في المجالين المالي والنقدي والتي هي مضخمة أصلا. وقد تبدّى ذلك بوضوح كلّي في الآونة الأخيرة من خلال عدد من التعاميم والقرارات، أبرزها الآتية: 

  • التعميم رقم 154 الصادر عن المجلس المركزي لمصرف لبنان في 27/8/2020 والذي أوجب على الذين عمدوا إلى تحويل أموالهم إلى الخارج إلى إعادة نسبة منها (بين 15 و30%) تحت طائلة ملاحقتهم بجرم تبييض الأموال أو التهرب الضريبيّ. فكأنما مصرف لبنان يكشف بذلك أنه على بينة من العديد من الجرائم المرتكبة، وأن بإمكانه إعفاءها أو محاسبتها وفق الشروط التي يستنسب تحديدها. بل كأنه يتملك من خلال التحكم بهذه السرية، منحة التمييز والابتزاز والعفو العام بما يتعارض تماما مع أدنى مبادئ النظام الديمقراطيّ والعدالة،  
  • قرار هيئة التحقيق الخاصة برفض إعطاء أي معلومات بشأن الأشخاص والهيئات الذين نجحوا في تحويل مبالغ طائلة إلى خارج لبنان بعد 17 تشرين الأول 2019 رغم الطابع التدميريّ لهذه التحويلات على المجتمع برمته، وذلك بحجّة أنها لم تتبيّن فيها أي شبهة تبييض أموال، 
  • قرار هيئة التحقيق الخاصة برفض إعطاء أي معلومات بشأن أشخاص توفّرت بحقهم شبهات فساد كبيرة ينتظر أن تكون أدّت من دون أي مبالغة إلى هدر مليارات الدولارات الأميركية، كالشركات والأشخاص والموظفين المتورطين في ملفّ شركة سونتراك أو الفيول المغشوش، [2]وفق ما كشفت عنه النائبة العامة في جبل لبنان غادة عون في حديث متلفز

ويُفهم من ذلك كله أن السرية المصرفية أصبحت بالنسبة إلى أصحاب النفوذ بمثابة وصفة سحرية (أو خاتم سحري) تمكنهم من جعل جميع أعمالهم وثرواتهم غير مرئية، كلما استشعروا استهدافهم من قبل أي تحقيق جدّي أو مطلب محاسبة. وبفعل هذه الوصمة- الخاتم، يصبح بإمكانهم المزاوجة الباطنية بين متناقضيْن، وهي مزاوجة بات النظام الحاكم بأمسّ الحاجة إليها وبخاصة في هذه المرحلة الدقيقة (والتي نأمل أن تتحوّل إلى منعطف) من تاريخ لبنان: فمن جهة أولى، الظهور مظهر الإصلاح من خلال التشدّق الصاخب بمكافحة الفساد واقتراح القوانين الواحد تلوَ الآخر تحت هذا العنوان وذلك استرضاءً للمطالب الدوليّة وتحايلاً على الرأي العام؛ ومن جهة ثانية، الحؤول دون انكشاف مسؤوليّتهم في الفساد أو على الأقل الأوجه الأكثر قبحا منه، بما يجنّبهم الخضوع للقوانين التي يضعونها. وعليه، يصبح بإمكانهم أداء دور المُصلِح والاستفادة من فوائده من دون أن تحمّل أيّ من نتائجه. ومن هذه الزوايا كافة، ينتظر تاليا أن تزداد الإشادة بالسرية المصرفية وأهمية المحافظة عليها بقدر ما تزداد الضغوط لوضع تشريعات مُتقنة لمعاقبة الفساد أو لحصر الحصانات أو تقويضها أو يتعزز بطريقة أو بأخرى استقلال القضاء. 

وختاما في هذا المضمار، تجدر الإشارة إلى أن الاستنجاد بالسرية كخاتم سحري لا يقتصر على السرية المصرفيّة بل نجد شواهد أخرى عليه، أبرزها ما دار من مناقشات مؤخرا حول قانون الإثراء غير المشروع الجديد وانتهت إلى التمسك بسرية تصاريح كبار المسؤولين والموظفين العامين عن ثرواتهم وتاليا إلى رد مجمل المقترحات بجعلها علنيّة، كما هي الحال في العديد من الدول الديمقراطية، ومن بينها اليدمقراطية الفتية في تونس. ومن شأن هذا الأمر أن يحرم المواطن من امكانية معرفة وضع ثروة هؤلاء عند حصول التصريح وتاليا الادعاء في تزويرها، في موازاة حرمانه الحاصل بفعل السرية المصرفية من امكانية معرفة تطورها وتاليا من امكانية إثبات حصول الإثراء غير المشروع. 

كما يستخدم خاتم سرية التحقيق القضائي لدى النيابات العامة وقضاء التحقيق لتحوير الحقائق تحت جنح الظلام. كما تستخدم سرية المناقشات في اللجان النيابية أو مطبخ التشريع لدسّ الكثير من السمّ في أطباقها، كل ذلك ودوما بشكل غير مرئي. ويلحظ هنا رفض مكتب مجلس النواب في وضع أي من الاقتراحات النيابية المعجلة والمكررة لجعل هذه المناقشات علنية. 

ثالثا، وقف التدقيق الجنائيّ خيارٌ سياسيّ أولا

فيما بدا الجدل حول مدى صحّة موقف مصرف لبنان بشأن حجب المعلومات جدلا قانونيا بشأن مفاعيل السرية المصرفية، فإن معاينة المجريات الحاصلة مؤخّرا والتي يجدر التوقّف عندها تظهر بشكل جليّ أن المسألة هي سياسية أولا. وهذا ما يظهر من وقائع عدة أبرزها الآتية: 

  1. أنه بعد أشهر من تفاخر العديد من القوى السياسية بتقديم مقترحات قوانين لرفع السرية، سرت ما يشبه كلمة سرّ بين النواب انتهت كما سبق بيانه إلى إقرار القانون في صيغة تؤدّي إلى تكريس السريّة تحت غطاء رفعها. 

وقد حصل هذا الأمر بعدما بدّل العديد من النوّاب مواقفهم في اتجاه تعديل اقتراح القانون كما وضعته اللجنة النيابية المنشأة خصيصا لتسريع إقرار قوانين مكافحة الفساد. وقد انتهى المجلس النيابي إلى حصر امكانية رفع السرية المصرفية بهيئتين: الأولى هي هيئة التحقيق الخاصة المذكورة أعلاه والثانية الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والتي لم تنشأْ بعد، في موازاة تجريد القضاء من أي صلاحية في هذا الخصوص. واللافت أن هاتين الهيئتين كانتا تملكان وفق قوانين إنشائهما أصلا صلاحية رفع السرية المصرفية، مما جعل إقرار الصيغة النهائية لاقتراح القانون بمثابة لزوم ما لا يلزم. وما يلفت النّظر أكثر هو أنّ غالبيّة النّواب رفضوا خلال الهيئة العامة اقتراحا بأن يشمل قانون رفع السرية هذا مدراء المصارف أسوة بمدراء الجمعيات؛ لا بل أن النائب بلال عبدالله أكّد على وجوب استثناء القطاع الخاص برمّته من رفع السرية المصرفية، عملا بالنظام الليبرالي حتى ولو كان هو يؤمن بالاشتراكية وفق تعبيره. وفيما ردّ رئيس الجمهورية ميشال عون الاقتراح المصدّق في مجلس النواب بموجب المرسوم 6490/2020 إلى مجلس النواب طالباً إعادة النظر في إنكار دور القضاء في رفع السريّة، فإنّ المجلس لم يقمْ حتى اللحظة بأيّ مبادرة في هذا الخصوص وحتى بعدما تمّ تعطيل التدقيق الجنائي على أساس قانون السرية المصرفية. بل على العكس من ذلك، ذهب بعض النواب إلى تقديم اقتراحات جديدة محصورة، أبرزها اقتراح قانون النائب جورج عدوان بإجراء رفع للسرية المصرفية لفترة سنة واحدة. وهي اقتراحات نتناولها في مواضيع على حدة.  

  1. أن وزير المالية غازي وزني رفض الاستجابة لمطالب حاكم مصرف لبنان، بتوقيع كتاب برفع السرية عن حسابات الدولة المصرفية، والذي اعتبره الحاكم شرطا لتسليم المعلومات المتصلة بهذه الحسابات لشركة التدقيق المكلفة من الحكومة اللبنانية. ومن اللافت أن وزني رفض التوقيع على هذا الكتاب رغم مطالبته بتسليم الشركة المعلومات المطلوبة، بحجّة أنّ بإمكان مصرف لبنان القيام بذلك من دون حاجة لكتاب مماثل[3]. وبالطبع، لا يُفهم موقف وزير المالية الذي كان بإمكانه تحرير الكتاب وتضمينه ما شاء من تحفظات أو ملاحظات درءا لذرائع لحاكم، إلا على أنه توزيع للأدوار بين الرجلين. 

أنه من البيّن أنّ ثمّة تهميشاً وتعتيماً على دور مفوّضة الحكومة لدى مصرف لبنان وأهمية هذا الدور سواء في الحصول على المستندات أو التأثير على قرارات مصرف لبنان. للعلم، تتولى مفوّضة الحكومة لدى مصرف لبنان وفق قانون النقد والتسليف السهر على حسن تطبيقه ومراقبة حساباته مع حق الإطلاع على جميع سجلاته باستثناء حسابات وملفّات الغير الذين تحميهم سرية المصارف المنشأة بقانون 3 أيلول سنة 1956. فلماذا لم تمارس مفوضة الحكومة أي دور في هذا المجال، وتحديدا لتسهيل حصول شركة التدقيق المكلفة من الحكومة على المعلومات المطلوبة منها، أقله بما يتصل بالمعلومات المتصلة بحسابات الدولة التي ليست من الغير؟ والأهم، لماذا لم يدعُها وزير المالية أو أيٌّ من أعيان السلطة التنفيذية أو القوى السياسية لممارسة هذا الدور؟ وفيما تشكل هذه الوقائع بحدّ ذاتها مؤشرا آخر على العوائق السياسية أمام التدقيق المالي، فإنه من المهم ربطه بمؤشر آخر تمثل في كيفية تعيين المفوضة الحالية كريستال واكيم ضمن التعيينات المالية التي جرت في 10/6/2020 ووفق شروط المحاصصة الطائفية بين القوى السياسية[4] والتي عمدنا للتحذير منها وتحديدا من مغبة تطبيقها بما يخالف المادة 95 من الدستور. آنذاك، حذرنا بأن هذه المحاصصة إنما هي الباب الأكبر لبناء إقطاعات داخل الدولة، إقطاعات على أنقاضها.

[1]“الفرزلي دافع عن رفع السرّية المصرفية: لولاها لما كنا حتى اليوم .. ولا للكيديات”، الشرق أونلاين،4/11/2020

[2]وفي قضية الفيول المغشوش، صرّحت القاضية غادة عون في حديث تلفزيوني على قناة ال LBC : “أنا لم أساير أحداً في هذا الملف، وهيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان مسخّرة وهي لم ترد على ما طلبته منذ سنة. كما ذكرت “أحتاج إلى كشف حساب، وانا مستعدة أن أستقيل اليوم ولا أريد أن أكون شاهدة زور، وأهم هيئة لكشف الفساد وسرقة المال العام هي هيئة التحقيقات الخاصة وهي لا تريد أن تعمل وهي تماطل في هذه القضية. وأوضحت بأنه في قضايا تبييض الأموال لا يوجد قانون ينص على المرور بمدعي عام التمييز، ونحن نريد المعلومات والوصول إلى الحقيقة”.

[3]جورج شاهين، عن «حصان طروادة الذي يعوق التدقيق الجنائي؟!، 7/11/2020، الجمهورية

[4]نقولا ناصيف، ” دياب في جرن المحاصصة: التعيينات التي تشبهني” جريدة الأخبار، 13/6/2020

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، البرلمان ، انتفاضة 17 تشرين ، تشريعات وقوانين ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سياسات عامة ، لبنان ، مصارف ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *