ستاتوس باسل: عقوبات فورية في ظل تواطؤ إعلامي ضد الحرية


2016-12-11    |   

ستاتوس باسل: عقوبات فورية في ظل تواطؤ إعلامي ضد الحرية

مثل باسل الأمين في 7/12/2016 أمام مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية على خلفية ستاتوس نشره على صفحته الخاصة على الانترنت. وخلافاً لما هو متعارف عليه في الحالات الشبيهة عند استدعاء مدونين وناشطين، حيث يكتفى بالزامهم بتوقيع تعهد، قررت المدعية العامة الاستئنافية في بيروت القاضية رندة يقظان توقيفه؛ وقد أحيل لاحقا إلى نيابة عامة بعبدا على خلفية اختصاصها مكانيا لتعود وتحيله موقوفا إلى قاضي تحقيق جبل لبنان. وقد ادعت عليه النيابة العامة بـ"تحقير الشعار الوطني والدولة والسلطات العامة والحكومية والقيام بكتابات وأعمال ترمي إلى الحض على نزاع ما بين عناصر الأمة" وفقاً لما علمته المفكرة القانونية من مصادر متابعة للملف. ويحيل التوصيف القانوني للجرم المدعى به على باسل إلى المادتين 317 و384 من قانون العقوبات. وتعاقب الأولى "كل عمل وكل كتابة وكل خطاب يقصد منها أو ينتج عنها اثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحض على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمة" بالحبس والغرامة والحرمان من "الحق في تولي الوظائف والخدمات في ادارة شؤون الطائفة المدنية أو ادارة النقابة التي ينتمي اليها". بالاضافة الى حرمانه من "الحق في أن يكون ناخباً أو منتخباً في جميع منظمات الطوائف والنقابات". أما المادة 384 فتعاقب "من حقر العلم والشعار الوطني علانية بالحبس حتى سنتين" أسوةً بمن يحقر "رئيس الدولة".

والحال أن ملف باسل بات اليوم أمام فرنسيس الذي يفترض أن يستدعيه للاستجواب في مطلع الأسبوع القادم أي بعد خمسة أيام من الإحتجاز. على الرغم من ذلك هناك تخوف من التأخر باستجوابه، بالتالي اطالة مهلة توقيفه، لا سيما ان يوم الاثنين هو يوم عطلة رسمية. وقد حاولت المفكرة القانونية الاتصال بالمحامي علي الدبس بصفته وكيل باسل القانوني، غير أن الأخير أشار الى تعميم صدر اليوم عن نقابة المحامين، يذكر المحامين بضرورة الإمتناع عن "إستخدام أي وسيلة من وسائل الإعلام والإتصالات المرئية والمسموعة والمقرؤة كمنبر للكلام أو البحث أو المناقشة في الدعاوى والقضايا العالقة أمام القضاء الموكلة إليه أو لسواه". هذا التزامن بين الضجيج الحاصل حول قضية باسل والتوقيت الذي صدر فيه هذا التعميم، يبرر تلافي الدبس لأي نتائج سلبية على القضية بسبب تصريحات صادرة عنه. لنكون أمام قيود اضافية على حرية التعبير وعلى حق الدفاع مصدرها نقابة المحامين. بدلاً من أن تبادر الاخيرة أقله لاتخاذ موقف من الانتهاك الصارخ الحاصل على حرية التعبير.

من جهته يصف المدير التنفيذي للمفكرة القانونية المحامي نزار صاغية توقيف باسل بأنه "غير اعتيادي". وهو يجد أن الستاتوس موضوع التجريم هو في سياقه ومضمونه "ردّ فعل إنساني مع اللاجئين السوريين، بعدما شعر صاحبه أنهم يتعرضون لانتهاكات كثيرة من بعض وسائل الإعلام اللبنانية، فجاء يعبر عن تصور مختلف لما يفترض ببلده أن يقدمه  لهؤلاء". "الخطير في هذه القضية أمران:

الأول، أن النظام القضائي الأمني أعاد استعمال أداة القمع من خلال فرض عقوبة فورية على باسل من دون تمكينه حتى من المثول أمام قاض تماما كما حصل مع شبان عدة تجرؤوا سابقا على انتقاد شخصيات ذات نفوذ، وقد آن لهذه الإجراءات القمعية الفورية أن تتوقف،

الثاني، وهو يميز هذه القضية، أنها المرة الأولى التي تبدو فيها وسائل الإعلام بما فيها وسائل الإعلام الموازي جزءاً من المنظومة القمعية، فبدت وكأنها تشجع على التوقيف ولا تتورع عن إتهام باسل بارتكاب كم من الجنح والجنايات. وقد وصلت الأمور بالنسبة إلى محطة تلفزيونية MTV، إلى حد اتهامه الخيانة في نشرتها الإخبارية. وقد بدا الإعلام في ذلك في موقف دفاعي يتماهى مع مشاعر الغيرة الوطنية ليصد عنه تهم الكلام العنصري ضدّ اللاجئين".

يضيف صاغية أنه من المفهوم أن "كل إنسان لديه غيرة وطنية لن يحب هذا الستاتوس وربما يكرهه. لكن أن نكره شيئا أمر وأن نعاقبه أمر آخر. وحرية التعبير تم الإعتراف بها أصلا لنضمن ليس حرية الآخر بقول ما نحبه إنما قبل كل شيء حرية الآخر بقول ما لا نحبه. وللأسف بعض نصوص قانون العقوبات مطاطة، الأمر الذي يدفع عدددا من المحامين والقضاة إلى السعي إلى استخدامها للسعي إلى قمع كل ما يكرهونه. أما إذا عدنا إلى أصل الستاتوس وقرأناه من منظار الحرية، فغننا سرعان ما نتيقن أنه لا يتضمن أي جرم. فالأشخاص المذكورون فيه وردت أسماؤهم بصيغة عامة جداً، فلا يوجد أي تحديد لشخص معين أو فعل معين". أما تضمين الستاتوس تحقيرا ب "أرزكم" فقد بدا باسل من خلاله وكأنه يستيعد الصورة المجازية لجبران خليل جبران حين انتفض ضد لبنان المهيمن والظالم (لبنانكم) معبرا في الوقت نفسه عن لبنان الذي يتصوره (لبناني). فكأنما باسل يلعن التصور المهيمن لبنانيا للتعامل مع ملف اللاجئين السوريين ليعبر في الوقت نفسه عن موقف لبناني صارم (موقفه وموقف كثير من اللبنانيين) في الدفاع عن اللاجئين واحتضانهم. ومن هذه الزاوية، لا مجال للقول بتحقير الشعار الوطني". ثم يذكر صاغية أن شعار لبنان الأساسي الذي طالما تغنى به هو حرية التعبير، فهل نتجه إلى تحقير هذا الشعار باسم الدفاع عن شعار آخر هو الأرزة.

وينتهي صاغية الى النقطة الأهم التي يفترض أن تحصن حقوق الناس وحرياتهم على أساسها. "الناس تحب أن تعاقب ما تكرهه في إطار ردود فعلها عليه ويمكن تفهم مواقفها، ولكن أن ينزلق القاضي إلى التجاوب مع رغبات الناس في هذا الموضوع من دون أن تكون لديه مسافة كافية من مشاعر الناس فيتحول إلى اداة للعقوبات الفورية، فهو خروج عن وظيفته الأساسية التي يفترض بها أن تكون حماية الحقوق والحريات".

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، حريات عامة والوصول الى المعلومات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية