سباق نيابي يقابله سبات قضائي لرفع حصانات غير موجودة: اقتراحا قانون يؤكدان اجتهاد التمييز حول حصانة الوزراء (جلسة تشريعية نيسان 2020)

سباق نيابي يقابله سبات قضائي لرفع حصانات غير موجودة: اقتراحا قانون يؤكدان اجتهاد التمييز حول حصانة الوزراء (جلسة تشريعية نيسان 2020)

أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري عن انعقاد جلسة تشريعية أيام 21 و22 و23 نيسان في قصر الأونيسكو. وتأتي الجلسة في أجواء استثنائية حيث قادت التدابير المفروضة في ظل مكافحة جائحة كورونا إلى إغلاق تام ومنع التجمّعات. على جدول أعمال الجلسة المرتقبة 66 بنداً، تحاول المفكرة من باب رصدها لأعمال البرلمان، أن تبرز أهمية أو خطورة عدد من هذه البنود. هنا نتناول ثلاثة اقتراحات قوانين معجّلة مكررّة تتصل كلّها بمسؤولية الوزراء وتهدف إلى تضييق مفهوم حصانتهم الدستورية وتالياً فتح إمكانية ملاحقتهم أمام القضاء العادي في قضايا الفساد. عند تحليل هذه الاقتراحات، يظهر أنها تؤدّي عملياً إلى تكريس التوجّه السابق لمحكمة التمييز في هذا الشأن والذي قلّما تأخذ النيابات العامة به تجنّباً لملاحقة أي من هؤلاء. بهذا المعنى، يبدو الهدف من هذه الإقتراحات هو تشجيع النيابات العامة على الإقدام على محاسبة الوزراء من دون أي تعديل حقيقي لمضمون القانون الوضعي (المحرر).  

 

وفق الدستور، يمنح رئیس مجلس الوزراء والوزراء حصانة إجرائية منعاً للتعسّف بحقّهم بحيث لا يمكن اتهامهم بارتكاب الخیانة العظمى أو بالإخلال بالواجبات المترتبة عليهم وإحالتهم إلى المجلس الأعلى الخاص بمحاكمة الرؤساء والوزراء، إلّا من قبل ثلثي النواب. وقد برز في سياق ملاحقة عدد من الوزراء مرّات عدة التساؤل حول نوع الجرائم المشمولة بالحصانة: هل تشمل جميع الأفعال التي يقدم عليها الوزير في سياق استخدام سلطته أم أنها تقتصر على الأفعال المرتطبة بواجباته الوظيفية بما يستثني الجرائم التي تخرج بداهة عن هذه الواجبات ومنها جرائم الإختلاس وكم كبير من جرائم الفساد؟ وبالطبع، الفائدة التي تترتّب على حسم هذا السؤال كبيرة طالما أنّه في حال حصر مفهوم الحصانة الدستورية، فإنه يكون بإمكان القضاء العدلي ملاحقة الوزراء في عدد كبير من قضايا الفساد، من دون الحاجة إلى اتهام يصدر عن ثلثي النواب، وهو أمر يكاد يكون شبه مستحيل في الظروف السياسية اللبنانية. وقد أجابت الهيئة العامة لمحكمة التمييز في سنة 2000 (16/11/2000) على هذا السؤال، حيث أكّدت على وجوب حصر هذه الحصانة. وبالرجوع إلى تفاصيل هذا القرار، وضعت الهيئة تعريفاً لمفهوم الأفعال التي تشكل إخلالاً بالواجبات المقصود بالمادة 70 من الدستور بأنّها تلك "المتّصلة بصورة مباشرة بممارسة الوزير لمهامه القانونيّة الوزاريّة" والتي تتعلق "بالطّبيعة السياسية لعمل الوزير وجوهر مهامه الوزاريّة كما هو مقرر في القوانين". كما وضعت تحديداً للأفعال الأخرى التي تقابلها، على أنّها "الأعمال الجرميّة المرتكبة من الوزير في "معرض" ممارسته لمهامه، أو في حياته الخاصّة، والأفعال المرتكبة منه ذات الصّفة الجرميّة الفاضحة والتي تؤلّف تحويلاً للسلطة عن طريق إحلال المصلحة الخاصّة مكان المصلحة العامّة".

وقبل المضي في شرح هذه الاقتراحات، يذكر أنّها نشأت كردة فعل على الثورة والمطالبة باسترداد الأموال المنهوبة، ومن باب استرضاء القوى المؤيدة لها.

 

  • اقتراحان متناقضان مقدمين من النائب حسن فضل الله وهاني حسن قبيسي.

 الأول، وقد تم تقديمه بتاريخ 13/11/2019، وهو مشروع قانون معجّل مكرّر بـ"رفع الحصانة الوزارية". يقضي هذا الاقتراح برفع الحصانة عن الوزراء وإعطاء اختصاص النظر بجرائم الفساد بصورة استثنائية للقضاء المختص. وقد تناولت المفكرة هذا الاقتراح في مقالة سابقة لها موضحة أنه مجرّد من أيّ فائدة قانونية. فإما أنّ الأفعال المعزوّة للوزير المعني مشمولة بالحصانة الدستورية ويكون من غير الجائز تعديلها بقانون. وإما أنها غير مشمولة بها فيصبح هذا القانون بمثابة لزوم ما لا يلزم.

الثاني، وقد تم تقديمه بتاريخ 31/12/2019 وهو اقتراح قانون معجّل مكرّر بـ"تعديل قانون المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء"، وتحديداً المادة 18 منه. وقد أضاف إليها:

"للقضاء العدلي المختص ملاحقة رئيس مجلس الوزراء والوزراء على الجرائم العادية أو المرتكبة من بحق الأموال العامة أو جرائم الفساد الناشئة عن ممارستهم لمهامهم العادية، أو المعاقب عليها في قانون العقوبات".

وعليه، بدا هذا الإقتراح أقلّ راديكالية من السابق. فلم يتضمّن مخالفة للدستور مؤدّاها إلغاء الحصانة الدستورية للوزراء أو الإنتقاص منها، بل فقط تفسير لحدود هذه الحصانة بما يتماشى مع اجتهاد محكمة التمييز المشار إليه أعلاه. وعليه، شكل الاقتراح من هذه الجهة بمثابة محفّز إضافي للنيابات العامة على ملاحقة الوزراء من دون التوقف عند صفاتهم كلما اتصلت الأفعال المشتبه بها بأعمال فساد فاقعة، من دون أن يضيف شيئاً على اجتهاد محكمة التمييز.

 

  • "اقتراح قانون مُعجَّل مُكرَّر یرمي إلى تحدید شروط مسؤولیة رئیس مجلس الوزارء والوزارء الحقوقیَّة" مقدم من النائبة بولا يعقوبيان بتاريخ 3/12/2019

انطلق هذا التعديل من نص المادة 70 من الدستور التي "أعطت مجلس النواب صلاحية تحدید شروط مسؤولیة رئیس مجلس الوزراء والوزراء الحقوقیَّة" واعتبرت أن هذه الصلاحية تشمل تعیین ما یُعتبَر داخلاً في مفھوم إخلالھم بالواجبات المُترتِّبة علیھم وما یخرَج عن ذلك. وقد بُني هذا الاقتراح في وضع التحديد المذكور هو الآخر بشكل واضح وصريح على اجتهادات محكمة التمييز التي حددت الأفعال التي تقع خارج مفهوم المهام المرتبطة بالوظيفة الوزارية ولا تشملها تالياً الحصانة. كما تناول هذا الاقتراح وجوب إلتزام الوزراء بالمثول أمام المراجع القضائية المختصة ووجوب التقيد بأحكام قوانین أصول المُحاكمات. كما نص على أنه في حال التلازم في الاختصاص بين المراجع العادية والمجلس الأعلى، ينظر كل من المرجعين بالجرائم التي تقع ضمن نطاق اختصاصه. هنا أيضا، بدا هذا الإقتراح كأنه يكتفي بتأييد توجه محكمة التمييز ويبني المفاعيل القانونية المترتبة عليه.

 

خلاصة

يظهر من الاقتراحات المقدمة أن امتناع القضاء عن ملاحقة الوزراء يتأتّى ليس عن حصانتهم الدستورية، إنما عن حصانة فعلية تبقى حتى اللحظة النيابات العامة متلكّئة عن تجاوزها أو غير قادرة على ذلك. ومن هذا المنطلق، فإن الإصلاح المطلوب لا يكون في وضع تشريعات جديدة حول حصانات الوزراء، بل في تحرير النيابات العامة من نير الأحزاب الحاكمة وهيمنتها. وطبعاً، بداية طريق الإصلاح هنا يقوم على استصدار مرسوم بتغيير كلّ من النائب العام التمييزي غسان عويدات والمالي علي ابراهيم، اللذان يشكلان حتى اليوم حاجزاً أساسياً أمام مكافحة الفساد.

 

للاطّلاع على مقالات ذات صلة:

ملاحظات حول قانون رفع الحصانة عن الوزراء: تعديل الدستور بقانون أو لزوم ما لا يلزم؟

 

انشر المقال

متوفر خلال:

المرصد البرلماني ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لبنان



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *