زيادة راتب القاضي: ليس كأي موظف، ولكن هل هو كأي سلطة؟


2011-08-31    |   

زيادة راتب القاضي: ليس كأي موظف، ولكن هل هو كأي سلطة؟

أخيرا، صدر قانون بزيادة رواتب القضاة على نحو يميزهم عن سائر الموظفين، بما فيهم اساتذة الجامعة اللبنانية. وهو يشكل تتمة للقانون الصادر في 1994 بفصل سلسلة رواتب القضاة عن سلسلة رواتب سائر الموظفين. ومن هذا المنطلق، بقي تحفظ السنيورة بشأن تأثير هذه الزيادة على "التضخم الاقتصادي والقطاعين العام والخاص" معزولا. فبخلاف رأيه بأن هذه الزيادة لا بد أن تنسحب على سائر الموظفين وتبلغ تاليا أضعاف كلفتها المقدرة ب27 مليار ليرة لبنانية سنويا من دون المتعاقدين (حسب وزير المالية)، رأى آخرون بأنه ليس للقضاء ثمن وأن الحكومة لن تقف حجر عثرة أمام تحسين أوضاع القضاة. وما يزيد رمزية هذه الزيادة هي طريقة احتساب الرواتب للدرجة العليا على نحو مساو للراتب الذي يتقاضاه أعضاء السلطتين التنفيذية والنيابية، وهو أمر يعكس مطلبا قضائيا قديما جدا (راجع مثلا العريضة التي وقعها 172 قاضيا في 1979 بناء على دراسة لخريجي معهد الدروس القضائية، سامر غمرون ونزار صاغية، "التحركات القضائية الجماعية في لبنان"، في "حين تجمع القضاة" صادر للمنشورات الحقوقية، 2009، ص. 63 وتوابعها وقد آلت العريضة الى مقارنة رواتب القضاة برواتب النواب والوزراء وفضحت التفاوت الكبير فيما بينها وركزت على انتفاء أسس المقارنة والمشابهة بين رواتب القضاة ورواتب المسؤولين الاداريين والجيش).
وعدا عن هذه الرمزية، من أهم النتائج التي قد تؤمل من هذه الزيادة:
–         تعزيز قدرة القضاء على استقطاب العناصر الجيدة من خريجي الجامعات وبشكل أعم من الحقوقيين، ولا سيما بين الذكور،
–         الحد من النزف داخل القضاء المتمثل في تزايد طلبات الاستيداع والتي تقدم بها عدد من القضاة الذين تلقوا عروضا للعمل كقضاة في بعض دول الخليج لقاء رواتب هي أضعاف رواتبهم الحالية (حتى مع الزيادة). وما يزيد هذا النزف حدة هو أنه يطاول بشكل خاص القضاة المنتسبين الى الطائفة السنية،
–         تفعيل عمل القضاة وتحفيزهم بهدف زيادة انتاجياتهم. وهذا ما عبر عنه بوضوح وزير العدل شكيب قرطباوي بقوله أنه سيعقد اجتماعات مع القضاة خلال يومين من اقرار القانون لتسريع المحاكمات،
–         انصاف القضاة الذين يعملون باخلاص وتعزيز شعورهم باحترام الدولة لجهودهم ودورهم الأساسي ومكانتهم الاجتماعية،
ولكن، أهم من كل ذلك، ثمة سؤال مشروع، وقد يكون الأهم: أي مفاعيل لهذه الزيادة على تحصين القضاة وضمان استقلاليتهم؟ فاذا كانت زيادة الراتب شرطا اساسيا في تحصين القاضي، فهي بالتأكيد ليست شرطا كافيا لتحقيق ذلك. فهل المراد حقيقة تعزيز هذه الاستقلالية فيشكل القانون خطوة أولى في هذا الاتجاه -وهو أمر لم يتلفظ به أي من النواب أو الوزراء- أم على العكس تماما اختزال اشكاليات القضاء كافة بهذا القانون الذي يؤدي اذ ذاك دور الحاجب لسائر الطموحات والمطالب وعلى رأسها تلك المتصلة بالاستقلالية؟
وما يزيد هذا التساؤل حدة هو تظهير القانون وكأنه منة من الطبقة السياسية بغياب أي خطة في اتجاه تعزيز معايير اختيار المتبارين أو أي من ضمانات الاستقلالية، بل أهم من ذلك، بمنأى عن أي حراك قضائي أو شعبي. فكيف يؤمل من أي اصلاح أن يؤدي الى استقلالية القاضي اذا بقي القاضي متلقيا له وأو اذا بقي الرأي العام لامباليا حياله؟ وألم يكن القضاة هم أول المطالبين برفع الرواتب في السبعينات (عريضة) والثمانينات (اللجنة القضائية المؤقتة في 1980 و1982) والتسعينات (من خلال كتب استقالات عدة كان لبعضها أصداء قوية). فأين هو اليوم الحراك القضائي للدفاع عن استقلالية القضاء؟  
فالقاضي هو بالطبع ليس كأي موظف: لكنه بالطبع أيضا ليس كأي سلطة: سلطة اما تكون مستقلة أو لا معنى لأي هالة تعطى لها. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

غير مصنف



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية