رهان التواصل لدى المجلس الأعلى للسلطة القضائية بالمغرب


2018-05-29    |   

رهان التواصل لدى المجلس الأعلى للسلطة القضائية بالمغرب

بعد مرور سنة على تنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية بالمغرب[1]، والذي كان محط  انتظارات القضاة، كما جانب كبير من الرأي العام الحقوقي، بحكم التركيبة الجديدة لهذا المجلس وصلاحياته الدستورية[2] والقانونية[3] الموسعة مقارنة مع ما كان عليه الأمر على عهد المجلس الاعلى للقضاء الملغى وكذا بحكم الامكانات المادية التي وفرت له، بدأت أولى نتائج الرهان على هذه المؤسسة تظهر على أرض الواقع من خلال  المجالات التي اشتغلت عليها طيلة هذه السنة.

وبإمكاننا القول بداية أن أشغال المجلس لم تكن كثيرة حتى يمكن الحكم عليها بشكل كلي. فقد استغرق المجلس وقتا ليس بالسير لإعداد نظامه الداخلي وإحالته على المحكمة الدستورية التي رفضته مرتين. وبالتالي، هو لم يعقد إلا دورتين واحدة استثنائية وأخرى عادية  لم يفرج عن نتائجها كلها بعد حتى يمكن تقييمها. لكن، ما يمكن الوقوف عليه حقيقة، هو الجانب التواصلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، سواء مع الرأي العام أو مع القضاة. وهذا الموضوع  له أهميته الكبرى في المغرب ويعد من دون مبالغة معيارا مهما للنجاح.

فكيف يمكن  تقييم تجربة المجلس في هذا الجانب؟

 

أولا: الإطار القانوني لتواصل مؤسسة المجلس مع محيطة القضائي والمجتمعي

يقتضي التذكير بداية أن القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية خصص عدة مواد لمؤسسة الرئاسة المنتدبة للمجلس وتحديد صلاحياتها في الجانب الإداري والمالي والتمثيلي. كما أضاف النظام الداخلي للمجلس مقتضى صريحا ينص على أن الرئيس المنتدب يعد هو الناطق الرسمي باسم المجلس. كما أن القانون التنظيمي للمجلس  الحالي وكذا نظامه الداخلي فرض على المجلس التواصل بطرق أخرى، منها نشر نتائج أشغاله عقب كل دورة من دوراته بشكل فوري. فقد نصت المادة 17 من النظام الداخلي للمجلس[4]، والمحال عليها بمقتضى المادة 60 من القانون التنظيمي المتعلق به، والتي جاءت كما يلي: "يقوم المجلس بنشر نتائج أشغاله النهائية المتعلقة بتعيين المسؤولين بمختلف المحاكم، وبتعيين القضاة في السلك القضائي، فور موافقة الملك عليها. ترفع إلى علم الملك باقي النتائج النهائية لأشغال كل دورة من دورات المجلس الذي يقوم بنشرها، مع مراعاة مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 60 من القانون التنظيمي. يتم نشر جميع مقررات المجلس بموقعه الإلكتروني وبأي وسيلة يعتبرها ملائمة لهذا الغرض". ويمكن القول أن ذلك يعد هو الآخر نوعا من انواع التواصل المفروضة بقوة القانون توخيا لشفافية عمل المؤسسة.

وتبقى مجالات التواصل أمام المجلس متنوعة تتوزع تبعا لصلاحياته القانونية. وأولى هذه المجالات ضرورة أن يعطي توضيحات عقب كل دورة من دوراته التي تهم البت في وضعية القضاة من حيث التعيين والنقل والانتداب والتأديب والترقية والتمديد والتقاعد. فهذا المجال وإن كان يبدو شأنا مهنيا خاصا بالقضاة، إلا أن فلسفته ليست كذلك. فالبت فيها من طرف المجلس بكامل أعضائه يعد من الضمانات الدستورية الممنوحة للقضاة والتي لها علاقة باستقلال القضاء. وما دام أنها كذلك، فإنه يبقى من حق الرأي العام أن يعرف ما يجري داخل مؤسسات القضاء. كما يبقى الدور التفاعلي للمجلس في بعض القضايا التي تطرأ على الساحة الوطنية وتهم القضاء مهما كذلك، بحيث إنه يبقى من الضروري أن يتفاعل المجلس معها ويجيب عنها.

كما يتعين أن يتواصل بخصوص الصلاحيات الجديدة التي أسندها إليه القانون الجديد، ومنها إسهاماته في إبداء رأيه في مشاريع القوانين التي تهم العدالة. فعليه أن ينشر هذه الآراء ليطلع الرأي العام عليها كذلك، فضلا عن دوره في حماية استقلال القاضي، وإصدار توصيات تهم واقع العدالة المغربية ومنها مناقشته للسياسة الجنائية التي يعمل رئيس النيابة العامة على تنفيذها.

 

ثانيا: تقييم تجربة المجلس في الجانب التواصلي:

 

يمكن القول في البداية، أن الجانب التواصلي للمجلس الاعلى للسلطة القضائية خلال أزيد من سنة على بداية اشغاله كان ضعيفا أو منعدما[5]. فرغم الامكانات المادية والقانونية المتاحة للمجلس وإدارته، فإنها لم تنعكس على مستوى التواصل رغم أهمية بعض الأشغال التي قام بها والأحداث التي تقع في الساحة القضائية المغربية. بل أكثر من هذا، لم يحترم المجلس حتى النصوص القانونية التي تفرض عليه نشر نتائج أشغال المجلس بشكل فوري بعد موافقة الملك عليها فيما يخص التعيينات أول مرة في  القضاء أو في مناصب المسؤولية القضائية (رؤساء المحاكم ووكلاء الملك بها)، وباقي النتائج من انتقالات وتأديبات وتمديدات وحالات التقاعد تنشر بعد اطلاع الملك عليها. فالمجلس في دورته الأخيرة (الدورة الأولى لسنة 2018) لم يحترم هذا المقتضى القانوني ولم ينشر نتائجه إلا جزئيا وبشكل متأخر بأيام، ولحد الآن لم تنشر بعض النتائج رغم إنهاء المجلس لأشغاله. وقد ولد هذا الأمر حالة تذمر كبيرة لدى القضاة المغاربة عبر عنها بيان نادي قضاة المغرب على النحو الآتي: "يستنكر إمعان إدارة المجلس الأعلى للسلطة القضائية في عدم نشر النتائج المذكورة، بالرغم مما تناهى إلى علمها من امتعاض للسادة القضاة المعنيين عبر مختلف محاكم المملكة، نتيجة تشبثهم بحقهم الدستوري في المعلومة، مع ما ينطوي عليه ذلك من مؤشر سلبي يشي بعدم قدرة المجلس عن تنزيل مبدأ الحكامة المهنية القضائية في المستقبل. وبالتالي، فهو يدعوها إلى التقيد بالمقتضيات القانونية أعلاه، والقيام فورا بنشر النتائج النهائية لأشغاله تطبيقا للقانون، روحا ومفهوم"[6].

أما على صعيد التواصل مع الرأي العام بخصوص الصلاحيات المسندة للمجلس، فقد بقي شبه معدوم. فباستثناء ندوة صحفية واحدة عقدها الرئيس المنتدب على هامش مؤثمر مراكش الدولي الأول للعدالة[7]، والتي تم الحديث فيها عن أشغال المجلس ودون أن تكون هذه الاشغال جاهزة، فإن المجلس لم يتفاعل مع أي حدث يهم القضاء ببلاغ أو ندوة صحفية أو غيرها أو تفاعل مع الجمعيات المهنية التي تلاقي تجاهلا تماما من طرف إدارة المجلس.

وللمقارنة ، فإن مؤسسة رئاسة النيابة العامة التي تم تنصبها في 06-10-2017 أي بعد أشهر من المجلس، كانت موفقة بشكل كبير في الجانب التواصلي سواء القضاة أو مع الرأي العام ومع الجمعيات المهنية. فهي عملت على إصدار بلاغات وتفاعلات مع عدة قضايا تهم القضاة والرأي العام، كما كان رئيسها ضيفا في العديد من البرامج والمواقع الاعلامية من ضمنها المفكرة القانونية، وعمل على عقد اجتماع مع ممثلي الجمعيات المهنية دون استثناء. وإذا علمنا أن الامكانات القانونية والمادية المخصصة للمجلس هي أكثر مما هو مخصص لرئاسة النيابة العامة، أمكن القول أن المسالة مسألة تدبير وابتكار لا أقل ولا أكثر ويتعين على المجلس الأعلى للسلطة القضائية أن يعمل على تجاوز هذا الإشكال لكسب الرهان التواصلي الذي يبقى أساسا لكل نجاح.   

 


[1] – تم تنصيبه يوم 06-04-2017 من طرف الملك وفقا لما يقتضيه القانون التنظيمي للمجلس ، للمزيد من التفاصيل حول الموضوع  انظر  ما نشرته المفكرة القانونية حول الموضوع : "حدث مؤسساتي هامّ في المغرب: المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للسلطة القضائية بألوان " على الرابط الاتي : https://legal-agenda.com/article.php?id=3591

[2] – للتفاصيل يراجع الباب السابع من الدستور المغربي لسنة 2011 من الفصل 107 إلى 122 منه .

[3] – القانون التنظيمي رقم 13-100 المتعلق بالمجلس الاعلى للسلطة القضائية وللاطلاع على النص الكامل لهذا القانون يراجع الموقع الالكتروني لوزارة القطاعات العامة وتحديث الادارة على الرابط التالي:

http://bdj.mmsp.gov.ma/Ar/Document/10075-Dahir-n-1-16-40-du-14-joumada-II-1437

[4] – يراجع النظام الداخلي للمجلس الاعلى للسلطة القضائية في موقعه الالكتروني على الرابط الآتي : http://www.cspj.ma/conseil/loisorganiques

[5] – نبهت جمعية نادي قضاة المغرب في أكثر من بيان لها  وفي اكثر من مناسبة إلى هذا الاشكال .

[6] – انظر نص البيان كاملا في موقع نادي قضاة المغرب الرسمي ، على الرابط الآتي : https://www.club-magistrats-maroc.com/archives/1682

[7] – انعقد أيام 02-03-02 من شهر 04 سنة 2018 .

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، المغرب ، المرصد القضائي



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية