“رهاب المثلية”، في وزارة خارجية لبنان


2020-11-20    |   

“رهاب المثلية”، في وزارة خارجية لبنان
وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال شربل وهبي

بتاريخ 16/11/2020، وعلى إثر المؤتمر العالمي الثاني لحرية الإعلام الذي استضافته دولتا كندا وبوتسوانا، إنفردت الدولة اللبنانية بالتمنّع عن التوقيع على البيان الختامي للاجتماع الوزاري الصادر عن المؤتمر المذكور والآيل إلى مطالبة الدول الأعضاء في التحالف أن تعمل على توفير مزيد من الحماية للصحافيين ليتمكن هؤلاء من القيام بمهامهم بحرية حول العالم.

وفي حين استهجنت بعض مؤسسات المجتمع المدني اللبناني (ومنها “مؤسسة مهارات”) وبعض الناشطين فيه، موقف الدولة اللبنانية هذا، طالبين توضيحاً من قبل وزير الخارجية والمغتربين شربل وهبي بشأن الموقف المذكور وإعادة النظر به، حاول الصحافي سلمان العنداري مساءلة الوزير مباشرة عبر منصة تويتر (Twitter). وعليه، تبيّن وفق العنداري أن موقف الدولة اللبنانية ناتج عن ورود فقرة في البيان الختامي تتحدث عن حماية حرية التعبير لمجتمع “الميم” (أي المثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي والعابرين جنسياً إلخ. – LGBTI).

وفي تبادل له على منصة تويتر مع العنداري، أوضح الوزير وهبي (قبل حذف حسابه عن تويتر نهائياً في أقل من 24 ساعة بعد بدء هذا الجدل)، أنه يؤيد شخصياً إعطاء جميع الفئات حقوقها. لكن موقفه في المؤتمر أتى إحتراماً للقوانين السارية المفعول في لبنان (والمقصود هنا هي المادة 534 من قانون العقوبات التي تنص على معاقبة “المجامعة خلافاً للطبيعة” والتي تستخدم لملاحقة ومعاقبة أفراد مجتمع “الميم” في لبنان):

ردّ الوزير في حكومة تصريف الأعمال شربل وهبي

وفي حين حاول الوزير وهبي تحصين نفسه وراء شاشة مادة قانونية أُسقطت على اللبنانيين أثناء الإنتداب الفرنسي في أربعينيات القرن الماضي (أيّام حكومة فيشي – Vichy – الحليفة لألمانيا النازية)، فهو تجاهل بالمقابل جملة من العناصر الأخرى والتي تجعل موقفه في حال تعارض مع القانون اللبناني نفسه، وذلك للأسباب التالية:

  • أن موقف الوزير وهبي يتعارض مع توجّه متزايد للإجتهاد الجزائي اللبناني [2] منذ 2009 (آخره تجلى في قرارات صادرة عن محاكم إستئناف الجنح في المتن وبيروت سنة 2018)، والآيل إلى استبعاد تطبيق المادة 534 المذكورة على العلاقات المثلية على إعتبار أنها ليست “مخالفة للطبيعة”، لا بل – وعطفاً على ما ذُكر بشأن الحقوق والمبادئ القانونية المنصوص عنها في المعاهدات الدولية – أنها تشكل ممارسة لحق طبيعي، سنداً للمادة 183 من نفس قانون العقوبات؛
  • أن موقف الوزير وهبي يتعارض مع الموقف الدولي السابق للبنان، الذي كان فاخر في 2015 بدور القضاء في استبعاد تطبيق المادة 534 على العلاقات الجنسية المثلية، إثباتاً لاحترام الدولة لحقوق الأشخاص بسبب ميلهم الجنسي. وهذا هو تحديدا ما نستشفه من كلمة الدولة اللبنانية (الممثلة) بالقاضية نازك الخطيب في إطار الاستعراض الدوري الشامل أمام مجلس حقوق الانسان بتاريخ 03/11/2015. وقد جاء في هذا التصريح حرفيا الآتي:

بالنسبة لحقوق الأشخاص بسبب ميولهم الجنسي:

ففي نطاق تكريس الحقوق والحريات الأساسية للأفراد، وتحديدا بالنسبة لمناهضة العنف ضد الأشخاص بسبب ميولهم الجنسي، فإنه يهم الحكومة اللبنانية توضيح ما يلي: …

على عكس الاتجاه الغالب السائد، بأنه تم إصدار حكمين قضائيين بقيا معزولين عن قاضيين منفردين جزائيين مختصين بقضايا الجنح والمخالفات، الأول في العام 2009 والثاني في العام 2014، قضيا بأن المادة 534 لا تنطبق على حالة المجامعة بين مثليي الجنس[3] (يلحظ أن عددا من الأحكام صدرت فيما بعد، ومنها أحكام صدرت عن محاكم استئناف كما سبق بيانه. 

وعليه، شكّل موقف الوزير وهبي (وبالتالي موقف الدولة اللبنانية)، موقفاً غير مُبرّر وغير صائب قانوناً، متعارض مع التزامات لبنان الدولية ومتناقض مع مواقف الدولة السابقة ومع توجّه الاجتهاد اللبناني الحديث بهذا الشأن. وهو أمر ينعكس سلبا على حريّة الإعلام في لبنان بنتيجة عدم التوقيع على بيان المؤتمر العالمي الثاني لحرية الإعلام الختامي. كما أنه ينعكس سلبا على صورة لبنان حيث يظهره مظهر نظام مُعادٍ للحقوق والحريات ومنها حريّة الإعلام. بقي أن نتساءل في ما إذا كان رهاب المثلية هو الذي دفع لبنان إلى هذا التطرف في الموقف أم أن هذا الرهاب شكل مجرد ذريعة لرفض التوجه الدولي نحو تعزيز حرية الإعلام؟ 

[1] تراجع مرافعة “حلم” والمفكرة القانونية النموذجية لإسقاط المادة 534 من قانون العقوبات على موقع المفكرة القانونية الإلكتروني.

[2] غيدة فرنجية، “استئناف بيروت ترفض معاقبة المثلية خارج حالات الجرم المشهود“، المفكرة القانونية، 02/04/2019.

[3] كلمة القاضية نازك الخطيب، ممثلة الدولة اللبنانية في إطار الاستعراض الدوري الشامل أمام مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة، تاريخ 03/11/2015.

انشر المقال

متوفر خلال:

أطراف معنية ، جندر ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، حراكات اجتماعية ، سلطات إدارية ، سياسات عامة ، فئات مهمشة ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، مؤسسات إعلامية ، مساواة ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *