رفع سن الزواج لدى الطائفة السنّية: تطوّر ينتظر عقوبات مشدّدة


2021-05-13    |   

رفع سن الزواج لدى الطائفة السنّية: تطوّر ينتظر عقوبات مشدّدة
رسم رائد شرف

أقرّ المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى القرار رقم 62 الآيل إلى تعديل نظام أحكام الأسرة وإضافة فصل متعلّق بزواج القاصرين.[1] وقد جاء هذا القرار ليُوحّد سنّ الزواج بالنسبة للرجل والمرأة، واضعاً شرط إتمام كلّ منهما الثامنة عشرة من العمر، وحصر الاستثناء بمن بلغوا الخامسة عشرة سنة. وكان النصّ المعمول به سابقاً، أي قانون العائلة السنّي، قد وضع شرطاً بأن يكون الخاطب قد أتمّ السنة الثامنة عشرة، والمخطوبة السنة السابعة عشرة، مع منح الحاكم (القاضي الشرعي) إمكانية الإذن بزواج القاصرة البالغة سنتها التاسعة والقاصر الذي أتمّ السابعة عشرة من العمر في حال تبيّن أنّهما بلغا وكان حالهما يتحمّل ذلك. وما يزيد من أهمية القرار بحصر الاستثناء بمن بلغ الخامسة عشرة، أنّه أحاط النظر فيه بضوابط عدّة منها قبول القاصر(ة) ووليه(ا) والتثبّت من أنّ حاله(ا) الجسدي والعقلي/ النفسي يتحمّل ذلك بموجب فحص طبي. ويلحظ أنّ الأسباب الموجبة للقرار أشارت بشكل واضح إلى أنّ البلوغ الجسدي نفسه لا يكفي للقول برشد الإنسان وقدرته على الزواج، حيث يفترض أيضاً توفّر الاستعداد العقلي والنفسي.

وعلى أهميته، فإنّ عبرة القرار تبقى في توفّر حظوظ تطبيقه وتفعيله على أرض الواقع. وفي هذا السياق، نسجّل الأسئلة والملاحظات التالية:

كيف نردع الزيجات المنعقدة خلافاً للقانون؟

من المتعارف عليه أنّ غالبية الزيجات المنعقدة على قاصر لم تتمّ الخامسة عشرة سنة كانت تتمّ خارج المحكمة، منذ ما قبل صدور القرار، حيث كانت المحاكم السنّية بأغلبيتها ترفض إجراء عقود زواج لمن هم دون هذا السن. وعليه، وعلى اعتبار أنّ الزواج في الشرع أركانه الإيجاب والقبول، فقد دأبت الممارسة على إتمام زيحات القاصرين في عقود يجريها رجال الدين، ولا تصل إلى المحكمة إلّا في حال تقدُّم الزوجين، أو أحدهما بطلب إثبات زواج، غالباً عند وقوع الحمل أو الحاجة إلى تسجيل الزواج في القيود الرسمية. وفي هذه الحالة، يجد القاضي الشرعي نفسه تحت الأمر الواقع، بحيث لا يمكنه سوى تثبيت الزواج حفاظاً على حقوق الزوجة، وفي حالات الحمل، حقوق الطفل. وبذلك، فقد أدّت هذه الممارسة إلى الالتفاف على القانون عبر عقد الزيجات خارج المحكمة على أن يتمّ تثبيتها لاحقاً أمام القاضي. وقد لحظ القرار في أسبابه الموجبة هذه الإشكالية، مشيراً إلى أنّه “ولمّا كان الحلّ الذي تمّ اعتماده بإحالة صورة عن المعاملة إلى النيابة العامّة لدى المحكمة العليا لمتابعة الملاحقة القانونية فتحيلها إلى القضاء الجزائي المختصّ، متماشياً مع ما كان معمولاً به في الدولة العثمانية (…). وقد نصّ قانون العقوبات في المواد 483، 484، 485، 486 على معاقبة المخالفين، ولكن إهمال هذه العقوبة – مع تواضعها – قد جرأ الناس على مخالفة الأنظمة والقوانين، مما ضيّع حقوق العباد عموماً والقصّر خصوصاً”.

وبذلك، يكون المجلس قد رمى كرة المسؤولية في ملعب القضاء المدني. فمن جهة، أشار إلى مسؤولية النيابة العامّة لدى المحكمة العليا (والتي يتولّاها قاضٍ مدني من الطائفة السنّية) بإحالة المخالفات إلى القضاء الجزائي المختصّ، ومن جهة ثانية، حمّل المحاكم الجزائية مسؤولية ملاحقة رجال الدين الذين يقومون بعقد هذه الزيجات بخلاف القانون ومعاقبتهم. كما ورّط المجلس نفسه بتعهّد في إحالة هذه الملفات إلى النائب العام في المحكمة، وهو حلّ لم يكن قد اعتمده كافّة القضاة في السابق، لا سيّما أنّ القانون المعمول به سابقاً كان قد أتاح تزويج القاصرة ابتداءً من عمر التسع سنوات، شرط بلوغها والتأكُّد من تحمّلها الزواج. كما ألمح المجلس بشكل غير مباشر إلى مسؤولية المشرّع في تشديد العقوبات. فقد نصّت المادة 483 على أنّه “إذا عقد أحد رجال الدين زواج قاصر لم يتمّ الثامنة عشرة من عمره دون أن يدوّن في العقد رضى من له الولاية على القاصر أو أن يستعاض عنه بإذن القاضي عوقب بالغرامة من خمسين ألف الى خمسمائة ألف ليرة”. ونصّت المادة 484 على العقوبة نفسها لرجل الدين الذي يعقد زواجاً قبل أن يتمّ الإعلانات وسائر المعاملات التي ينصّ عليها القانون أو الأحوال الشخصية أو يتولّى زواج امرأة قبل انقضاء عدّتها. مما لا شكّ فيه أنّ هذه العقوبات تبقى متدنّية جداً نسبة لخطورة الجرم، وهي غير كفيلة لردع من يقوم بعقد هذه الزيجات. وعليه، فإنّ احتمال عقد زيجات مخالفة للقانون خارج المحكمة ثم تثبيتها أمام القاضي عند بلوغ القاصر السن القانوني أو عند الحاجة، يبقى قائماً في ظلّ غياب السياسات الجزائية الصارمة لردع رجال الدين المخالفين. فهل ستتّجه كافّة المحاكم الدينية إلى إحالة الملفات المخالفة إلى النائب العام في المحكمة العليا؟ وهل سيقوم النائب العام بواجباته في التشدّد بملاحقة المخالفين؟ وهل سيتولّى القضاء الجزائي محاكمة هؤلاء وصولاً إلى إدانة المذنبين منهم؟ وفي حال تحقّق كلّ ذلك، هل تكون العقوبة كافية أو كفيلة بردع رجال الدين عن عقد زيجات مخالفة للقانون؟

 

ما هي تبعات مخالفة القانون على صحّة الزواج المعقود؟

تتمثّل الإشكالية الثانية في تبعات عقد الزواج المُخالف لأحكام القرار 62 على صحّة الزواج نفسه. فقد لحظ المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى هذه الإشكالية، حيث جاء في الأسباب الموجبة للقرار 62 أنّ “النتيجة الطبيعية في دعاوى إثبات زواج القاصر أن يتمّ فسخ الزواج إذا وجدت فيه عيوب في رضاها به سواء لجهة إكراهها عليه أم لجهة عدم اكتمال أهليّتها بسبب قصور في رشدها. فضلاً عن فسخه إذا تبيّن وجود تمنّع من استمراره (كإصابة الزوج بداء عضال وبمرض معد) فنصّت المادتان 44 و46 على الفسخ بقرار من القاضي عفواً أو نتيجة طلب القاصر أو وليّها”.

إلّا أنّه، وبالرجوع إلى نصّ القرار، لا سيّما المواد المذكورة، يتبيّن أنّ المادة 42 قد لحظت إمكانية فسخ الزواج بطلب من الطرف المتضرّر فقط في حال لم يكن أحد القاصرين يتمتّع بالمواصفات المطلوبة، كما لحظت المادة 44 إمكانية القاصرة طلب فسخ الزواج في حال تمّ تزويجها من دون إذنها، وبطلب من الوليّ في حال تمّ الزواج من دون إذنه. أمّا المادة 46، فاقتصرت على مسألة المهر. وبذلك، يتبيّن أنّ القرار يخلو من النص الصريح الذي يتيح للقاضي فسخ الزواج عفواً، أي من دون طلب الطرف المتضرّر، في حال تبيّن أنّ الزواج يخالف المواصفات المطلوبة. وبذلك، يبدو أنّ هنالك تفاوتاً بين الأسباب الموجبة للقرار التي تذكّر بإمكانية القاضي فسخ الزواج عفواً، ونصّ القرار الذي يحصر فسخ الزواج بحالات طلب أحد الأفرقاء.

لا بل أكثر من ذلك، فإنّ المادة 45 من القرار تنصّ بشكل واضح أنّه في حال أقدم الوليّ على عقد زواج للقاصر أو القاصرة من دون إذن القاضي ومن دون استكمال المعاملات المطلوبة، على المحكمة إلزام أصحاب العلاقة باستكمال النواقص قبل إثبات الزواج. وهنا، يبدو النصّ وكأنّه يتيح الإمكانية لإصلاح المخالفة من دون الأخذ بعين الاعتبار أنّ هذه “النواقص” تتبدّل مع الوقت. فلنفترض مثلاً أنّ فتاة قد زُوّجت في عمر الثانية عشر ومن دون إذن القاضي، وأتت في عمر السابعة عشر لتثبيت الزواج: فما قيمة “استكمال النواقص” (أي عرضها على أخصائّي) بعد انقضاء هذه المدّة؟ وعليه، وفي حين أنّه من المحبّذ البتّ في تثبيت الزواج حفاظاً على الحقوق الناتجة عنه، إلّا أنّه من الضروري أيضاً منح صلاحيات للقاضي تمكّنه من فسخ الزواج عفواً في حال تبيّن وجود عيوب في رضا القاصر، لا سيّما وأنّ افتراض إمكانيّتها على طلب الفسخ يبقى نظرياً ولا يتلاءم مع واقع الحال. فحصر حالات الفسخ بطلب القاصرة لا يأخذ بعين الاعتبار السياق الاجتماعي والنفسي للزواج القسري، بحيث قد يصعب على الفتاة طلب فسخ الزواج من تلقاء نفسها. مع الإشارة إلى أنّ النصّ لم يحدّد كيفية الاستماع إلى القاصرة بشكل يضمن حرية إرادتها، لا سيّما أنّه من المرجّح أن يرافق القاصرة وليّها إلى المحكمة. ولعلّ الأخطر من ذلك، هو إبقاء التعامل القانوني حيال القاصرة محصوراً بيد الوليّ أو الوصيّ في كافّة معاملات الزواج والطلاق والحقوق المدنية، ممّا يؤدّي عملياً إلى إبقاء الفتاة تحت سلطة والدها. فمثلاً، لا يمكن للقاصرة التقدّم بطلب الطلاق من تلقاء نفسها، كما نصّت المادة 46 من القرار على أنّه في حال مطالبة القاصرة بمهرها المقبوض، فإنّ وليّها أو وصيّها الذي زوّجها يكون ضامناً له.

تجدر الإشارة أخيراً إلى أنّ إشكالية عقود الزيجات خارج المحكمة كانت قد طرحت في المغرب أيضاً، حيث سمحت المادة 16 من مدوّنة الأسرة الصادرة بموجب القانون عام 2004، بفترة انتقالية لا تتعدّى خمس سنوات يمكن خلالها سماع دعاوى ثبوت الزواج بشكل استثنائي، على ألّا يتمّ الاعتراف بالزيجات غير الموثّقة بعقد رسمي بعد انتهاء هذه المهلة. وقد تمّ تمديد هذه المهلة مرتين، انتهت آخرها في شباط 2019، أي بعد خمس عشرة سنة من صدور القانون وذلك نظراً لصعوبة تطبيق القانون في الواقع.

 

كيف نفعّل القانون في المجتمع؟

لم يترافق صدور هذا القرار مع حملات توعية أو مشاركة اجتماعية، وهو على الأرجح ما زال غير معروف من قبل الأوساط التي تكثر فيها حالات زواج القاصرات. كما صدر القرار من دون نقاش مجتمعي حوله وبمعزل عن أيّ استراتيجية للتعامل مع مسبّبات هذا الزواج وظروفه الاجتماعية. حتى أنّ بعض القضاة الشرعيين قد تفاجأوا بنشره، مما يوحي بمنحى “الاستعجال” في إقراره. وبذلك، يُخشى أن يؤدّي التعديل القانوني إلى المزيد من التحايل على القانون وبخاصّة في ظلّ الانهيار الاقتصادي وازدياد الأعباء المادية على العائلات الأكثر فقراً.[2]

أخيراً، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ لجنة الإدارة والعدل ما زالت تناقش مسودّة اقتراح القانون الآيل إلى تحديد سن الزواج بالنسبة لكافة الطوائف، والذي ينصّ في نسخته الأخيرة على تحديد سن الزواج بثماني عشرة سنة مع إمكانية الترخيص لمن أكملوا الستة عشرة سنة استثنائياً بالزواج من قبل قاضي الأحداث. ففي السابق، أدى تدخّل قضاة الاحداث في مجال الحضانة إلى رفع سنّ الحضانة لدى الطائفة السنّية،[3] فهل تمّ اليوم رفع سن الزواج لدى الطائفة السنّية استباقاً لتدخّل التشريع المدني؟ وهل صدور القرار 62 دليل على فشل السلطة “المدنية” في إقرار نظام عام حول السن الدنيا للزواج؟

[1] القرار رقم 62، صادر بتاريخ 12/12/2020، نشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 22/4/2021، العدد رقم 16، ص. 986 – 989.

[2] لمى كرامة، اقتراح قانون حول تزويج الأطفال: من أجل ورشة تشريعية أكثر واقعية، المفكرة القانونية، العدد 62، نيسان 2020.

[3] سامر غمرون، كيف تتغيّر قوانين الأحوال الشخصية في لبنان؟ بعض الملاحظات انطلاقاً من التجربة السنّية، المفكرة القانونية، العدد 63، نيسان 2020.

 

للاطّلاع على القرار الرّجاء الضغط على “لتحميل الملف” أدناه

انشر المقال



متوفر من خلال:

أطراف معنية ، جندر ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، حقوق الطفل ، قضايا ، لبنان ، محاكم دينية ، مساواة ، مقالات