رسالة مفتوحة إلى وزير البيئة أبو عبدالله


2015-09-14    |   

رسالة مفتوحة إلى وزير البيئة أبو عبدالله

بواسطة ابنتي تعرفت على عبدالله، الله يخليلناياهما. وكنت بدون واسطة ابنتي أو ابنك، أعرف من هو محمد المشنوق، ثقافة ووطنية. وارف سليمان، ابن بدنايل، الذي لم أكن أعرفه قبل عشرة أيام، يبدو أنه يعرف من أنت، فقد أجاب في أول مقابلة تلفزيونية له، وهو يتكلم عن صاحب حقيبة البيئة: "هو شخص محترم، ربما أرتبهم وأنا متأكد أنه سيزورنا بعد أن يستقيل". من خلال عفويته المواطنية، تستطيع أن تسمع مبدأ المحاسبة الذي ترفعه الانتفاضة الشبابية الغاضبة. فوارف وجه مشرق لهذا الحراك في بلد لا أحد يستقيل، لا أحد يحاسِب أو يحاسَب فيه… ووارف في المناسبة أكثر من وجه مشرق، هو مهندس وهو قدوة.
 
أعتقد أنني أعلم حيثيات قرار وارف عندما بدأ إضرابه عن الطعام: قرار شخصي، فردي، معمّق أخذه بعد ليلة تفكير طويلة، وبعد حوار نفسي قاسٍ بين المواطن والمهندس (قبل أن ينضم إليه آخرون في صورة جميلة لهذا الحراك). 
لو لم أكن أعلم ذلك، لظننت إن وارف قد ميّزك حين اختارك، أعطاك فرصة تستحقها أنت وعائلتك، وهذا عدل. أكاد أقول إن وارف أعطى حتى لتمام سلام، بشخص أقرب المقربين منه، فرصة لكي "يستقيل" ولو رمزياً من طبقة (أو من نظام، وهذا أدق) "المحاصصة والفساد".
 
إلا أن الأمور لا تصير كما يجب أو كما نريد أن تصير في "جمهورية التفاح". ما أستطيع قوله لك، بصدق وباحتراف الصحافي الذي بقي 40 سنة في هذه المهنة، هو أن في اللحظة (وفي الليلة بعد إطلاق النار) عندما أصبح مطلب استقالتك المطلبَ الأول للحراك، كما أصبح مطلب محاسبة وزارة الداخلية المطلب الثاني، ما أدى أوتوماتيكيا إلى تراجع المطلبين اللذين بدأ بهما التحرك (من أول وثانٍ إلى ثالث ورابع)، أجزم أن كثيرين في هذه اللحظة، ممّن كانوا حول طاولة القرار، كانوا يجهلون أنك من الطائفة السنية الكريمة. وأجزم أن المجتمعين دون استثناء لم يأخذوا هذا المعطى في الاعتبار. كانت توجههم "المحاسبة"، لا وجهك كعبدالله المشنوق ولا بالتأكيد طائفتك. وهذا وجه جميل من إنتفاضتنا الشبابية الغاضبة. أنا أكيد أنك تفهمني. وجه آخر سيُفرحك وقد تفتخر به ربما: الآن، لحظة كتابة هذه السطور، في طرابلس، في بدنايل، في ساحة الشهداء، حتى في خيمة المضربين، الأكثرية الساحقة في الحراك لا تعرف طائفتك ولا أحد يفكر فيها عندما يُطالب باستقالتك.
 
أبو عبدالله،
إن لم تكن إستقالتك ممكنة في "جمهورية التفاح"، لأسباب لا يفهمها الحراك، وهذا لمصلحته وليس ضده، وإن لم يرد تمام بيك أن يستقيل "رمزياً" بواسطتك، مانحاً نفسه والمواطنين فرصة ولو "رمزية" لقطيعة مع "نظام المحاصصة والفساد"، وأنت بريء منه. ولمن يتكلم عن استحالة الإخراج، نبتسم ونجيب أنه بالتأكيد يوجد إخراج في بلد تُخرج فيه كل لحظة ما صار يجب تسميته "ما تبقى من الدولة"، كل دقيقة وكل ساعة وكل يوم كافة أنواع الصفقات والتسويات. وقفت على هاي؟
 
في سجل الحراك الشبابي الشعبي، ومهما حصل بعد الآن، في سجله لدى الرأي العام اللبناني وهو الوحيد المهم،  يسجل أنه "أسقط" محاصصة التلزيمات التي من أجلها وجدت أزمة النفايات، مع ما يعنيه من وفر للمال العام وللصحة العامة. وكذلك عقدان من العقود الثلاثة التي كانت قائمة مع شركة سوكلين. ويسجل له أنه "ألهم" ولو كلامياً خطة الوزير أكرم شهيّب، لئلا نتبجج ونقول إنه "تسبّب" بطاولة الحوار.
أعرف إبنتي، تعرفت إلى ابنك في بيروت وفي برلين، وتعرّفتُ إلى وارف في خيمة تحت مكتبك. إنهم من الطينة نفسها، في إبتساماتهم الخجولة… من الطينة التي نجحت في إعادة رغبة العودة إلى الوطن لدى المغتربين، ولو للحظة واحدة. أعرف من أنت يا محمد المشنوق، يا أخي في المواطنية، إن لم تشأ الإستقالة بسبب إخفاقات الحكومة، "إستقل على الأقل تحية لإنجازات الحراك".
 
إفتح هاتفك الخلوي واتصل بوارف، وتواعدا في ساحة بناية العازارية، واحمل قنينتي ماء، بعيداً من الكاميرات ومن الأمن وحرّاسك. لا حاجة إلى ذلك مع وارف. أنت ووارف وحدكما، جالسان قرب الشجرة اليتيمة. أخبره أخبره عما كان يجري ويباع في هذه الساحة قبل الحرب، كيف كانت مكتظة بالناس وتفوح منها كل روائح المدينة. ثم استمع إليه. كن أول من يستمع (ولو بعد شهر) إلى صوت "شعبنا" الشبابي وإلى ما الذي يدور في عقله الجماعي (الفئتان الأكثر تعبيراً عن حركة الحراك هما فئة ما دون ال30 وفئة ما دون ال20). قد "يمنعك" نظام المحاصصة والفساد وطبقته التي فقدت حاسة السمع والفهم من الإستقالة، ولكن لا أحد يستطيع أن يمنعك من الإستماع وربما التفهم… 
 
إذا اجتمعت ووارف، أنا أكيد أنك لن تتردد لحظة في "الاستقالة" من طبقة "المحاصصة والفساد"، ولو أمام وارف (ورفاقه والحراك…) وتلك الاستقالة الفردية الرمزية لن تُحرجك ولن تزعجك، بل بالعكس ستضمد جراحك وتصالحك مع ما حلمت به خلال حياتك، وعجز جيلنا عن تحقيقه. صدقني، ستكون أسعد لحظة في حياتك، حتى لو عدت بعدها بخطى متعبة إلى مكتبك في وزارة البيئة لمتابعة ما تعتبره واجباً. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية