ردّ دفوع شقير والجراح في قضية مبنى تاتش: لا حصانة للوزراء في قضايا الفساد


2023-07-06    |   

ردّ دفوع شقير والجراح في قضية مبنى تاتش: لا حصانة للوزراء في قضايا الفساد
المبنى الذي بسبب السعي الى الانتقال منه خسرت الدولة عشرات ملايين الدولارات

أصدر قاضي التحقيق في بيروت فريد عجيب في تاريخ 4/7/2023 قرارا اعتبر فيه أن ملاحقة الوزراء في قضية مبنى تاتش تخضع للقضاء العدلي. صدر هذا القرار في سياق ردّ الدفوع الشكلية التي تقدم بها  الوزيران محمد شقير وجمال الجرّاح والتي اعتبرا فيها أنّ صلاحية ملاحقتهما تعود للمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء وليس للقضاء العدلي سندا للمواد 70 و71 و80 من الدستور. وقد برّر القاضي عجيب قراره بأن صلاحية المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء تشمل فقط الأعمال التي تدخل ضمن صلاحية الوزير أي التي تدخل مباشرة بممارسة مهامه، في حين أن الأفعال الجرمية المدّعى بها أي الرشوة والاختلاس وصرف النفوذ واستثمار الوظيفة وتبييض الأموال هي من الأفعال التي تأتي نتيجة لاستغلال الوزير لموقعه الوزاري والتي يقوم بها بمعرض ممارسته لمهامه الوظيفية بقصد إحلال مصلحته الخاصة مكان المصلحة العامة من دون أن تكون في صلبها، وهي تاليا تبقى من صلاحية القضاء العدلي.

وقد ذهب القرار إلى ردّ الدفوع التي تقدم بها سائر المدعى عليهم الآخرين (أعضاء في مجلس إدارة تاتش ومالك المبنى) بما يفتح الباب تاليا لبدء التحقيق في هذه القضية بعد أكثر من سنتين ونصف من تقديم الشكوى فيها.

وقبل المضي في إبداء ملاحظاتنا حول هذا القرار، يجدر التذكير بأن هذه القضية التي أسالت الكثير من الحبر في الأشهر السابقة لانتفاضة تشرين 2019 قد شقّت طريقها إلى القضاء بفعل الشكوى المباشرة التي تقدّم بها وسيم منصور (بصفته مساهما في شركة تاتش) في تاريخ 27/10/2020 ضدّ الوزيرين المذكورين ومالك المبنى وأعضاء في مجلس الإدارة أمام قاضي التحقيق الأول في بيروت شربل بو سمرا. إلا أن هذا الأخير حصر تحقيقه في النظر في صفة المدّعي والتي أنكر وجودها في قراره الصادر في تاريخ 11/11/2022. وما كان للشكوى أن تستمر لولا فسخ الهيئة الاتهامية لهذا القرار بموجب قرارها الصادر في 19/1/2023.

كما يجدر التذكير بأن ديوان المحاسبة كان قد أصدر في تاريخ 11/4/2023 تقريرا شاملا متناولاً فيه ما عُرف إعلامياً بفضيحتي مبنى قصابيان في الشياح ومبنى “تاتش” الجديد في الباشورة (وسط بيروت)، حمّل فيه المسؤولية لستّة وزراء اتّصالات تعاقبوا على هذا المنصب.

مؤشر جديد على اتجاه قضائي نحو تقليص حصانة الوزراء

أول ما نلحظه في هذا القرار هو تأكيد القرار على اختصاص القضاء العدلي في محاكمة الوزراء في القضايا التي ترشح عن استغلال للسلطة أو تحوير لها، بما يشكل تقليصًا لنطاق الحصانة الوزارية. وقد استعاد القرار لهذه الغاية فحوى ما خلصت إليه الهيئة العامة لمحكمة التمييز في قضية الادّعاء ضد الوزير السابق فؤاد السنيورة بتاريخ 27/10/2000.

ومن هذه الناحية، شكّل القرار مؤشرا جديدا على توجه عبّرت عنه مؤخرا عددٌ من الهيئات القضائيّة في اتجاه تضييق مفهوم الحصانة الوزارية ومعها إفلات الوزراء من أي محاسبة. وتأكيدا على ذلك، كان مجلس القضايا لدى مجلس شورى الدولة أصدر في تاريخ 27/4/2023 قرارا قضى برد طلب نقض قرار ديوان المحاسبة بإدانة وزير الأشغال العامة السابق محمد الصفدي وتغريمه، على أساس أنّ رقابة الديوان مطلقة وتشمل أيضا كل من هو بحكم الموظّف ويقوم “بإدارة أو استعمال أو قبض أو دفع الأموال العمومية وكلّ من يتدخل في إدارتها أو يساهم في الأعمال التحضيرية لها بمراقبتها والتصديق عليها، أي كل من له علاقة بإدارة أو استعمال أو صرف الأموال العمومية بأي مرحلة من مراحل هذه العملية”. كما يلحظ أن ديوان المحاسبة كان أصدر قرارا قضائيا مؤقتا في 4/5/2023 حدد فيه شبهات مسؤولية على 6 وزراء اتصالات سابقين منهم الوزيرين شقير والجرّاح على خلفية صفقات مباني تاتش؛ وهي المرة الأولى التي يذهب فيها الديوان في تاريخه إلى توجيه أصابع الاتهام إلى هذا العدد من الوزراء في قرار واحد.

كما يكتسي القرار موضوع هذا التعليق أهمية خاصة من حيث توقيته. إذ أنه يشكل القرار الأول من نوعه الصادر عن القضاء الجزائي منذ الجدل الكبير الذي دار بشأن الادعاء على وزراء في إطار جريمة تفجير المرفأ.

قرار يمهد لبدء التحقيق في أساس الشكوى:

إثبات صفة المدعى عليه بعد إثبات صفة المدعي

كما ذكرنا أعلاه، يتيح هذا القرار تجاوز العقبة الثانية التي وضعها المدعى عليهم في مسار الشكوى، أي إنكار صفة المدعى عليهم، بعدما كانت الهيئة الاتهامية أزالت العقبة الأولى التي تمثلت في الطعن في صفة المدّعي. ومع مراعاة إمكانية استئناف القرار أمام الهيئة الاتهامية ومحكمة التمييز، إلا أن هذا القرار يفتح الطريق أمام بدء التحقيق في أساس الدعوى فور انبرامه أو المصادقة عليه من قبل الهيئات القضائية العليا. من هذه الناحية، تشكل القضية نموذجا عن الصعوبات التي يعاني منها سير القضاء في لبنان، والتي تتمثل في العقبات الشكلية التي قد يستغرق تجاوزها سنوات قبل مباشرة أي تحقيق في الأساس.  

استكمال لعمل ديوان المحاسبة في قضية مباني تاتش

أخيرا، تجدر الإشارة إلى أن القرار يأتي في نفس التوجه الذي ذهب فيه ديوان المحاسبة في تقريره الصادر في 28/3/2023 والقرار القضائي المؤقت الناشئ عنه والمذكور أعلاه والذي انتهى إلى تحميل لستّة وزراء اتّصالات تعاقبوا على هذا المنصب بشأن صفقات مباني مختلفة لتاتش. ومن المهم بمكان أن نسجّل هنا أن التقرير سيُشكّل بما يحتويه من تفاصيل ودلائل أساسا للتحقيق الجزائي ودعامة لقاضي التحقيق في مواجهة ما قد يعترضه من تدخلات أو ضغوط سياسية محتملة.

ويؤمل إذ ذاك، أن تنضم هيئة القضايا إلى هذه الشكوى عملا بتوصيات ديوان المحاسبة، وبخاصة بعدما أزال قاضي التحقيق العقبات الشكلية التي كانت تعترض بدء سير التحقيقات فيها.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قضاء ، المرصد القضائي ، قرارات قضائية ، لبنان



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية