راحة الشرطة أبدى من كرامة المواطن: تعديل قانون المراقبة الشرطية في مصر


2020-08-28    |   

راحة الشرطة أبدى من كرامة المواطن: تعديل قانون المراقبة الشرطية في مصر
الصورة منقولة عن صفحة "المراقبة" على الفيسبوك

في 20 يوليو 2020، وافق مجلس النواب المصري على مشروع القانون المقدم من الحكومة بشأن تعديل بعض أحكام المرسوم بقانون رقم 99 لسنة 1945 المُنظم لإجراءات وضوابط تنفيذ عقوبة المراقبة الشرطية، كما قرر إحالته لقسم التشريع بمجلس الدولة لمراجعة الصياغة النهائية[1]. تلك التعديلات التي تهدف في المقام الأول إلى استبدال مقر تنفيذ عقوبة الوضع تحت مراقبة الشرطة، ليصبح قسم أو مركز الشرطة هو مقر تنفيذ العقوبة بصفة أساسية، بينما يصبح قضاء عقوبة المراقبة في محل إقامة المُراقب هو الإستثناء، وذلك بعد موافقة مدير الأمن المختص[2]. على عكس القانون الحالي الذي يعطي الحق لمن يوضع تحت مراقبة الشرطة أن يعين الجهة التي يريد اتخاذها محلًا لإقامته أثناء قضائه مدة المراقبة[3].

تجدر الإشارة هنا إلى أنه على مدار العاميين الماضيين، ازدادت الإعتراضات داخل الأوساط القانونية والحقوقية للمطالبة بالسماح لمن يقضون عقوبة المراقبة الشرطية باتخاذ محل إقامتهم كمقر لتنفيذ العقوبة وفقًا لأحكام القانون، بعد أن دأبت وزارة الداخلية على إلزامهم بقضاء مدة العقوبة داخل أقسام الشرطة، وخاصة المحكوم عليهم في قضايا ذات طابع سياسي[4]. وهو الأمر الذي وصل إلى ساحات القضاء الإداري التي شهدت عدداً من الدعاوى القضائية المطالبة بتغيير محل مراقبة بعض المحكوم عليهم من أقسام الشرطة إلى مساكنهم، والتي غالبًا ما كانت تقابل بالرفض أو بالتأجيل لفترات طويلة. وهو الوضع الذي تغيّر بعدما قضت محكمة القضاء الإداري بالمنصورة- في سابقة هي الأولى من نوعها – بإلزام وزارة الداخلية بتعيين مسكن الناشط محمد عادل، أحد مؤسسي حركة 6 أبريل، كمحل للمراقبة بدلًا من تعيين أحد أقسام الشرطة كمقر لقضاء مدة مراقبته، لتنفيذ العقوبة التبعية المحكوم بها عليه في إحدى قضايا التظاهر[5].

لذلك، فإننا نرى أن الهدف الرئيسي لتلك التعديلات هو “تقنين” الممارسات الحالية لوزارة الداخلية بإلزام المحكوم عليهم بقضاء فترة المراقبة داخل أقسام الشرطة، وقطع الطريق أمام أي دعاوى قضائية جديدة قد تغير من هذا الوضع. وعليه، يأتي هذا المقال كمحاولة لتسليط الضوء على إشكالية استخدام التشريع كأداة لتقنين مخالفات السلطة التنفيذية والإلتفاف على أحكام القضاء، بالإضافة إلى إبراز العوار الكامن في التعديلات الجديدة المتعلقة بقانون المراقبة الشرطية، وما تتضمنه من انتهاك للحقوق الأساسية للمخاطبين بأحكامه، كالحق في العمل، والحق في التنقل.

عندما تصبح ممارسات السلطة التنفيذية “فلسفة” المُشرع

افتقر تقرير لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب الصادر بشأن بحث وإبداء الرأي في مشروع القانون المشار إليه، إلى أي عرض أو تأصيل قانوني يتعلق بالأسس والمبررات التي تدعو إلى إجراء مثل هذا التعديل. فعلى الرغم من أن لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية هي التي عادة تشارك في صياغة التقارير البرلمانية الخاصة بمشاريع القوانين، حتى ولو كانت تلك القوانين تتعلق بأمور تخرج عن نطاق الإختصاص البرلماني للجنة[6]، إلا أن التقرير الصادر بشأن مشروع تعديلات قانون المراقبة الشرطية صدر عن لجنة الدفاع والأمن القومي بشكل منفرد، كونه يتعلق بإحدى المسائل المرتبطة بالدفاع والشؤون الداخلية والأمن العام[7]. وهو ما أدى إلى خلو التقرير من عرض قانوني حقيقي يتناول الأسس الدستورية والقانونية والأسباب المنطقية لتبني مثل هذا التعديل في مثل هذا الوقت.

من ناحية أخرى، يقدّم التقرير رؤية وزارة الداخلية لكيفية التعامل مع عقوبة المراقبة الشرطية ويعرضها ك “فلسفة” المُشرع. فوفقًا للتقرير البرلماني، يعتبر الدافع الأساسي لإجراء تلك التعديلات هو ما كشف عنه الواقع العملي من “زيادة العبء على رجال الشرطة أثناء تنفيذ عقوبة المراقبة في مسكن المتهم، مما يشق عليهم السيطرة الكاملة على (المجرم) الموضوع تحت المراقبة الشرطية[8]، فضلًا عما آلت إليه الدولة المصرية من “تطوّر واتّساع عمراني في المرحلة الراهنة يحول دون عمل إجراءات المراقبة”[9]. وهو الأمر الذي يبعد كل البعد عما يمكن أن يكون فلسفة قانون، بل هو بيان واضح للحجج التي تسوغها وزارة الداخلية كونها مقدمة مشروع القانون من أجل إمراره، والتي يجب أن تخضع للبحث والفحص، حيث كان ينبغي على اللجنة أثناء مناقشتها لمثل هذا التعديل، أن تراعي مبدأ التناسب بين الهدف المرجو من التشريع والوسيلة المتبعة لتحقيق هذا الهدف، كونه يمس الحقوق الأساسية للمواطنين المحكوم عليهم بعقوبة الوضع تحت مراقبة الشرطة، كحقهم في العمل والتنقل الذي سيتأثر بشدة حال قضائهم مدة المراقبة داخل المقار الشرطية.

فوفقًا لقضاء المحكمة الدستورية العليا الذي تبنى مبدأ التناسب بشكل متواتر، أن “الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق، أنها سلطة تقديرية جوهرها المفاضلة التي يجريها المشرع بين البدائل المختلفة التي تتصل بالموضوع محل التنظيم، لاختيار أنسبها لفحواه، وأحراها بتحقيق الأغراض التي يتوخاها، وأكفلها للوفاء بأكثر المصالح وزناً. ولتحقيق المصالح المشروعة التي قصد إلى حمايتها، وأن الحدود التي يبلغها هذا التنظيم لا يجوز بحال أن تجاوز بمداها متطلباتها المنطقية[10]. مما يعني أنه كان يجب على اللجنة أثناء بحث المشروع المقدم من وزارة الداخلية دراسة الغرض الذي تهدف التعديلات إلى الوصول إليه، وهو – وفقًا للتقرير- “السيطرة الكاملة على (المجرم) الموضوع تحت المراقبة الشرطية”، والتحقق من علاقة السببية المنطقية بين هذا الغرض وبين القيد الذي تقرره التعديلات الجديدة على الحق في التنقل والحق في العمل، وهو قضاء مدة المراقبة داخل قسم الشرطة. بالإضافة إلى المفاضلة بين البدائل المختلفة التي قد تحقق ذلك الغرض (تحقيق السيطرة ورفع العبء عن رجال الشرطة)، واختيار أنسبها بعد الموازنة بين المصالح الاجتماعية المختلفة. وهو الأمر الذي تجاهلته اللجنة بشكل كامل في تقريرها، حيث لم تشر إلى بدائل أخرى قد يتطلبها تحقيق هذا الغرض، وحتى ولو كان هذا القيد المتعلق بإبقاء المحكوم عليهم داخل أقسام الشرطة أثناء فترة المراقبة هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق الغرض المنشود، كان يجب الموازنة بين المصالح الاجتماعية للمحكوم عليهم وتغليبها على المصلحة المتعلقة برفع العبء عن كاهل رجال الشرطة. ولعل ما يجعلنا نعتقد بأن اللجنة المشار إليها قد عزفت عن إتباع هذا المنهج، وبالتالي تبني رؤية الحكومة على أنها “فلسفة” القانون، هو الخلفية ذات الطابع الأمني لأعضائها، حيث إن أغلب أعضاء لجنة الدفاع والأمن القومي هم ضباط سابقين في القوات المسلحة والشرطة، فضلًا عن خلوها من أي أعضاء ذوي خلفيات قانونية[11]. ذلك الأمر الذي ظهر في أكثر من موضع بالتقرير، خاصة في مقدمته التي نصت أن المرسوم بقانون رقم 99 لسنة 1945 بشأن تنظيم عقوبة الوضع تحت المراقبة “خاص بتفعيل أحكام المراقبة على المحكوم عليهم بعد صدور إفراج الشرطي بحقهم للتأكد من شرط حسن سيرهم وسلوكهم[12]. وهو الأمر غير الصحيح بالمرة، حيث إن المخاطبين بأحكام هذا القانون هم كل من يوضع تحت المراقبة الشرطية، سواء كانت تلك المراقبة هي عقوبة أصلية، أو تكميلية، أو تبعية، أو تم إقرارها بعد صدور قرار بالإفراج الشرطي[13]. وعليه، فإننا نرى أن الهدف الحقيقي وراء تبنّي هذا التعديل التشريعي هو تقنين الوضع الحالي لممارسات وزارة الداخلية المتعلقة بإجراءات تنفيذ عقوبة المراقبة الشرطية، خاصة بعد حكم القضاء الإداري الذي أشرنا إليه في صدر هذا المقال، الذي من شأنه أن يفتح الباب أمام أحكام أخرى مشابهة.

المراقبة الشرطية: من تدبير احترازي “مُقيد” للحرية إلى عقوبة سالبة للحرية

تعتبر عقوبة الوضع تحت مراقبة الشرطة أحد التدابير الإحترازية التي تهدف إلى حماية المجتمع، عن طريق فرض قدر من التقييد على الأشخاص ذوي السجلات الإجرامية خشية عودتهم إلى ممارسة الجريمة مرة أخرى، مما يعني أنها عقوبة وقائية في الأساس كما وصفتها محكمة النقض من قبل في أحد أحكامها[14]. لذلك يتطلب من المُراقب أن يقوم بتمكين الشرطة بمراقبته عبر الإلتزام بالقيود المقررة عليه (البقاء في محل سكنه)، وأن يواظب على الذهاب إلى قسم الشرطة بشكل شبه دوري للتوقيع في السجلات الرسمية. ولكن بالنظر إلى التعديلات المقترحة، نجد أنه في حال إقرارها سوف يلتزم المراقب بقضاء ساعات المراقبة اليومية – والتي تصل في بعض الحالات إلى 12 ساعة- داخل أحد أقسام الشرطة، غير قادر على الحركة أو العمل، بل ومن الممكن أن يصبح غير قادر على التواصل مع العالم الخارجي بشكل كامل[15]. وهو ما يعني أن تتحول العقوبة الوقائية التي “تقيد” بعضا من حرية المُراقب إلى عقوبة سالبة للحرية “تنزع” عنه حريته تمامًا، وبالتالي تعصف بالهدف الأساسي لمثل هذه العقوبة وهو إدماج الشخص المُدان في المجتمع مرة أخرى، وجعله قادراً على ممارسة حياته الطبيعية، بشكل آمن يحمي المجتمع من أي جرائم محتملة.

من ناحية أخرى، يأتي مشروع القانون المُقترح كدليل جديد على محاولات المُشرع المصري المتكررة للابتعاد عن أي من المعايير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان. فمنذ عام 1990، كانت قد أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة ما يعرف بالقواعد النموذجية الدُنيا للتدابير غير الاحتجازية (قواعد طوكيو)، والتي تنص في مادتها الأولى على ضرورة أن “تستحدث الدول الأعضاء في نظمها القانونية تدابير غير احتجازية، تهدف إلى توفير اختيارات أخرى تخفف من استخدام السجن، وترشيد سياسات العدالة الجنائية، واضعة في اعتبارها مراعاة حقوق الإنسان ومقتضيات العدالة الاجتماعية واحتياجات إعادة تأهيل الجاني[16]. وهو ما يعني أن كلاً من التشريع الحالي المنظم للمراقبة الشرطية الذي تم إقراره منذ خمسة وسبعين عامًا تقريبًا[17]، ومن بعده القواعد والمعايير الدولية التي أُقرت منذ ثلاثة عقود، قد اتفقا على ضرورة التخفيف من الإجراءات الاحتجازية، ومراعاة إعادة تأهيل المُدانين، إلا أن المشرع المصري في عام 2020 يبدو أن لديه رأي آخر، يبعد كل البعد عما ذهبت إليه معظم الأنظمة القضائية والشرطية على مستوى العالم في مجال إنفاذ عقوبة المراقبة الشرطية.

فبينما تتجه أغلب الأنظمة القانونية إلى إدماج وتفعيل وسائل إلكترونية حديثة تعمل على تقليل التواجد البشري إلى أقصى قدر ممكن خاصة بعد انتشار فيروس كورونا، تجاهل مشروع القانون إمكانية تطبيق نظام المراقبة الإلكترونية الذي يلزم المُراقب بالإقامة في منزله خلال ساعات محددة على أن يتم متابعته إلكترونيًا عن طريق سوار إلكتروني أو أي وسيلة إلكترونية أخرى. وهو الأمر الذي من شأنه تخفيف الإزدحام في المؤسسات الشرطية، ويقلّل نفقاتها. بالإضافة إلى مراعاة الحياة الاجتماعية والعملية للشخص الخاضع للمراقبة، كونه سيصبح قادراً على ممارسة عمله، أو إكمال دراسته، بشكل طبيعي إلى حد ما، فضلًا عن الحفاظ على الترابط الأسري للمُخاطبين بأحكام قانون المراقبة. كما تجدر الإشارة إلى أن تطبيق نظام الرقابة الإلكترونية لم يصبح تطبيقه قاصرًا فقط على الدول الغربية كالولايات المتحدة الأميركية ومعظم الدول الأوروبية، بل لجأت مؤخرًا عدد من الدول العربية إلى تطبيق نظام المراقبة الإلكترونية كدولة الجزائر[18] ودولة الإمارات العربية المتحدة[19]، وهو ما يجعل تطبيقه في الواقع المصري ليس بالأمر الصعب على الإطلاق، نظرًا لتوافر الإمكانيات المادية والبشرية التي تتيح إنفاذ مثل هذا النظام.

خاتمة

إن تعديل القوانين أو سنها للإلتفاف حول أحكام قضائية أو لتقنين أوضاع “غير قانونية” قائمة، ينتهك بشكل صريح مبدأ سيادة القانون. وهو الأمر الناتج عن تحول التشريع كأداة مرنة في يد السلطة التنفيذية، تقنن بها مخالفتها وعوار سياستها، وتنتهك مبدأ الفصل بين السلطات. وبالتالي، يفقد المواطنون الثقة في القانون والمنظومة التشريعية بأكملها. وتكمن كارثية تلك النتيجة، في صعوبة تدارك آثارها لما طال وسوف يطول البنية التشريعية في مصر، من نصوص وقوانين يتم تعديلها وإقحامها للإلتفاف حول أحكام قضائية أو تقنين أوضاع قائمة. إن تعديلات قانون إجراءات وضوابط المراقبة الشرطية التي وافق عليها مجلس النواب، ما هي إلا مثال صارخ على ما قد ما نطلق عليه “التشريع من أجل السلطة”، والذي أصبح نهج مجلس النواب الحالي، مع غياب أي احتمالية حقيقية لأن يتغير الوضع القائم في الفترة المقبلة.


[2] راجع المرجع السابق.

[3] راجع نص المادة (2) من القانون رقم 99 لسنة 1945 بشأن تنظيم الوضع تحت مراقبة البوليس.

[4]  عادل رمضان – الوضع تحت المراقبة الشرطية في مصر: وسيلة للانتقام السياسي؟ – المفكرة القانونية – 15 أغسطس 2019.

[6]  على سبيل المثال، شاركت لجنة الشئون الدستورية والتشريعية في صياغة التقرير البرلماني المتعلق بمشروع قانون لتعديل أحكام قانون البناء، بالاشتراك مع لجنة الإسكان والمرافق العامة والتعمير، على الرغم من أن موضوع مشروع القانون كان خارج اختصاصات عمل اللجنة.

[8]  راجع التقرير: ص2.

[9]  المرجع السابق.

[10] قضاء متواتر للمحكمة الدستورية العليا، ومن ذلك حكمها في القضية رقم 20 لسنة 27 قضائية “دستورية” بجلسة 8/6/2008، منشور بمجموعة أحكام المحكمة الدستورية العليا، الجزء الثاني عشر، المجلد الثاني، ص 1129.

[11] راجع/ ننشر أسماء رؤساء اللجان النوعية في البرلمان – جريدة الشروق – 2 أكتوبر 2019.

[12]  راجع التقرير: ص2.

[13]  راجع/ حالات وضع الفرد تحت مراقبة الشرطة في “محل السكن قسم الشرطة” – دراسة صادرة عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية – 9 أبريل 2019- من ص17 إلى ص20.

[14] راجع/ محكمة النقض – الطعن رقم ١٨٣٤٤ لسنة ٨٣ قضائية – جلسة 8 نوفمبر 2014.

[16] United Nations Standard Minimum Rules for Non-custodial Measures (The Tokyo Rules), Adopted by General Assembly resolution 45/110 of 14 December 1990, Article 1-5.

[17] مرسوم بقانون رقم 99 لسنة 1945.

[18] نظام الوضع تحت المراقبة الإلكترونية في التشريع الجزائري – مجلة أفاق علمية – المجلد 11، العدد 3، 2019.

انشر المقال

متوفر خلال:

أجهزة أمنية ، المرصد البرلماني ، تشريعات وقوانين ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مصر ، مقالات