رابطة القضاة في المغرب


2015-07-21    |   

رابطة القضاة في المغرب

عقدت رابطة القضاة خمس مؤتمرات سنوية منتظمة في مدن مختلفة بين سنوات 1961 و1965، في حين عقدت بعد ذلك أربع مؤتمرات فقط: سنة 1967 بالرباط، سنة 1971 بفاس، سنة 1979 بالرباط، والأخير سنة 1980 بالرباط.

وخلال المؤتمرات الخمسة الأولى، دعي قضاة الرابطة اليها لبلورة الملف المطلبي للقضاة. وقد تجسد هذا الملفّ في شكل ملتمسات رفعت للسلطات تركزت على محورين أساسيين أحدهما مهني يروم الدفاع عن استقلال القضاء والوضع المهني للقضاة على وجه الخصوص، والثاني مجتمعي يركز على المداخل التشريعية الأساسية لبناء دولة الاستقلال.
 
كرامة القضاة

يلاحظ أن العديد من المطالب التي تمت صياغتها في هذا المحور جاءت ردا على بعض التصرفات الفردية التي اعتبرت ماسّة بكرامة القضاة والتي صدرت عن بعض الأجهزة التابعة للداخلية. وبالرغم من أنها تصرفات فردية، إلا أن القضاة كانوا ينظرون إليها كجزء من مجموعة تصرفات تعبر عن سياسة ممنهجة تخفي في جوهرها إرادة واضحة من أجل إبقاء نفوذ السلطة التنفيذيّة في الداخلية على السلطة القضائية المراد تأسيسها. فاذ سحب أول دستور اختصاصات للبلاد كانت موكولة سابقا لبعض ممثلي وزارة الداخلية لصالح القضاة، لم يستسغ القياد والباشوات وبعض رجالات الداخلية ذلك، كما لم يستسغ بعض كبار الرتب الأمنية اخضاع الأبحاث التي كانوا يمارسونها لرقابة قضاة لم يتلقوا نفس التكوين الصارم، ولا يشتغلون بنفس المنطق الذي يغلب المقاربة الأمنية على مقاربات أخرى قانونية أو حقوقية. وقد تبلور عن هذا الوضع الاستثنائي كثير من مظاهر الاحتكاك التي وقعت داخل الجسم القضائي نتيجة ما وصف بشطط رجال "الداخلية" في مواجهة القضاة. وقد ظهر ذلك بجلاء في الملتمس الذي رفعته رابطة القضاة خلال مؤتمرها الثالث المنعقد بطنجة شمال المغرب، والذي طلبوا فيه:

1-السهر على تطبيق مبدأ فصل السلطة .

2-اتخاذ جميع التحريات كلما كان الأمر يتعلق بتفتيش مسكن القاضي أو التحقيق معه.

3- تنبيه الشرطة بأن تقدم تقاريرها للدوائر القضائية المختصة إذا كان الأمر يتعلق باتخاذ إجراء يمس شخص القاضي أو مسكنه وذلك قبل مباشرتها لهذا الإجراء.

4-عدم الاعتماد على التقارير السرية المجردة التي ترفع من طرف السلطة الإدارية ضد رجال القضاء."

وهو نفس المطلب الـذي جاء في الملتمس الثاني للمؤتمر الرابع الذي عقدته رابطة القضاة سنة 1964 حول مبدأ فصل السلط واستقلال القضاء.
إن مظاهر الاحتكاك التي وقعت بين القضاة وبعض ممثلي "الداخلية" تعددت، وقد بلغت أوجّها عند اعلان حالة الاستثناء التي عرفها المغرب منذ 1965. فما بين إمتناع وزارة الداخلية عن تنفيذ الأحكام القضائية، ومحاولات تدخلها في استقلال القضاة، والتقارير السرية التي كانت ترفعها بخصوص أنشطة بعض القضاة "الممانعين" أو تصرفاتهم والتي لم يكن من السهل على المجلس الأعلى للقضاء أن يتأكد من مدى صحتها أو اثبات عكسها أو تجاهلها، قرر الملك إحداث نوع من التنسيق بين قضاء النيابة العامة ووزارة الداخلية لمباشرة بعض الأبحاث. وحاول وزير الداخلية استدعاء وكلاء الدولة وقضاة النيابة العامة لحضور اجتماعات التنسيق بمقر وزارة الداخلية. لكن كبار القضاة استشعروا نوعا من الحرج، وانضم اليهم وزير العدل الذي نقل موقفهم إلى الملك. واتخذ الملك قرارا بعقد اجتماعات التنسيق بمقر وزارة العدل الذي كان يحتضن المجلس الأعلى للقضاء. وكان هذا الحراك القضائي الرافض لهيمنة وزارة الداخلية انتصارا لسلطة القضاء وهيبته وصورته في مغرب الاستقلال رغم أن الوضع لم يكن عاديا لتزامن ذلك مع الاعلان عن حالة الاستثناء[1].

إن التجاذبات بين القضاة وأعيان السلطة في الداخلية تواصلت وتكررت في عدة أحداث متفرقة. وعند وضع أول قانون جنائي للمغرب خلال أوائل الستينات بمشاركة قضاة ينتمون للرابطة تم تمثيلهم في لجان وضع التشريع، برز هاجس الحفاظ على استقلال القضاة في مواجهة كل محاولات التأثير غير المشروع. وهكذا، كان من المثير أن تنتقل توصيات مؤتمرات الرابطة لتجد طريقها في بنود المدونة الجنائية الجديدة. وقد تضمنت هذه المدونة مقتضيات غير مسبوقة تعزز مبدأ استقلال القضاء في مواجهة السلطة التنفيذية عموما والإدارية منها على وجه الخصوص. فقد نص الفصل 238 على معاقبة كل عامل أو باشا أو قائد أو حاكم إداري إذا تدخل في عمل من أعمال السلطة القضائية بإصدار أمر أو نهي إلى المحاكم.

تقييد سلطات وزير العدل في انتداب القضاة

لقد أدى التأخير في انعقاد جلسات المجلس الأعلى للقضاء الذي أقره دستور 1962، إلى شغور عدد من المناصب القضائية، نتيجة التأخير في البت في تعيينات قضاة جدد والتأخير في معالجة ملف الانتقالات، أو طلبات سد الخصاص الذي تعرفه عدة محاكم. وأمام هذه الأوضاع الاستثنائية، أصدر الملك الحسن الثاني ظهيرا بشأن انتداب القضاة[2]، نص الفصل الأول منه على ما يلي :"يجوز لوزير العدل في حالة ما إذا كان عدد قضاة المحاكم غير كاف لأي سبب من الأسباب، أو إذا لم يكن هناك من يتولى مهام النيابة أو التحقيق أن ينتدب بموجب قرار قضاة المحاكم أو النيابة بمحاكم الاستئناف أو المحاكم للقيام خارج دوائر نفوذهم عند الاقتضاء بمهام قضائية، أو بمهام النيابة في إحدى محاكم الاستئناف أو المحاكم".

ونص الفصل الثاني من الظهير على أنه: "لا يمكن أن يتجاوز أي انتداب من الانتدابات المشار إليها في الفصل السابق مدة ثلاثة أشهر متوالية عن كل سنة قضائية، غير أنه يجوز لوزير العدل بعد موافقة القاضي المعني بالأمر أن يجدد هذه المدة بقرار لفترة واحدة جديدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر".

بعد أيام قليلة على صدور هذا القانون، أقدم وزير العدل على تفعيل آلية الانتداب في حق عدد من القضاة دون أن يراعي أية معايير موضوعية تكفل الحيلولة دون سوء تطبيق هذه الآلية.وقد أثار هذا الشيء استياء كبيرا داخل الجسم القضائي لا سيما بعدما تم انتداب قضاة إلى أماكن بعيدة، دون الأخذ بعين الاعتبار معيار القرب الجغرافي. فقد انتدب القاضي الأبعد قبل الأقرب، ولم تحترم أي أقدمية وتم انتداب القاضي الأقدم دون الأحدث، ولم تراعَ الأوضاع الصحية والاجتماعية للقضاة المنتدبين، ولم يتم استشارتهم، بل وتم الاستعاضة عن نظام التنقيل بنظام الانتداب. وهو ما اعتبر كمحاولة من وزير العدل للاستئثار بالسلطات التي يخولها الدستور للمجلس الأعلى للقضاء، الشيء الذي استدعى انعقاد اجتماع طارئ لرابطة القضاة تمخض عنه توجيه مراسلة لوزير العدل بتاريخ 10 أبريل 1964 جاء فيه: "..وحرصا على الأمانة الملقاة على عاتقنا كممثلين للقضاة نرى من واجبنا أن نشعركم يا معالي الوزير أن حركة النقل التي قمتم بها في صف القضاة قد أحدثت موجة من الاستياء في أوساط القضاة وجعلتهم يتخوفون على مصيرهم ويتساءلون عن مصير الضمانات الضرورية لاستقلالهم والمخولة إليهم بمقتضى الدستور، إننا نطلب منكم بكل إلحاح أن تراجعوا هذه القرارات وتعملوا على إبقاء المعنيين بالأمر على حالها، إلى أن يتم اجتماع المجلس الأعلى" .

ان حراك القضاة في مواجهة ما أسموه بشطط وزارة العدل في تطبيق قانون الانتداب عجل بإخراج مؤسسة المجلس الأعلى للقضاء للوجود للمساهمة في تخفيف حدة الاحتقان، عن طريق السماح بتمثيلية القضاة المنتخبين عن كافة المحاكم المغربية بكل درجاتها والذين أصبحوا مختصين في البت في مختلف القرارات التي تهم وضعية زملائهم، بعدما كان ذلك حكرا على وزير العدل.
 
تفعيل المجلس الأعلى للقضاء

رغم أن دستور 1962 كرس تشكيلة جديدة للمجلس الأعلى للقضاء اقتصرت على حضور وزير العدل نائبا لرئيس المجلس وهو الملك، فيما كان باقي أعضائه من القضاة، مع غالبية منتخبة يمثلون كافة أصناف المحاكم. إلا أن تنزيل المجلس على أرض الواقع تأخر لمدة سنتين، الشيء الذي أثر سلبا على أوضاع القضاة من حيث تأخر البت في طلبات انتقالهم، وتسوية ملفات ترقياتهم. لذا كان مطلب التعجيل بانعقاد جلسات المجلس الأعلى للقضاء من بين المطالب الملحة التي رفعتها الرابطة في ملتمسات أول مؤتمراتها.

وما زاد في راهنية هذا المطلب هو صدور قانون الانتداب الذي حاول وزير العدل اعماله على نطاق واسع الشيء الذي ساهم في اذكاء تجمع القضاة من خلال رابطتهم التي قدمت وضمن ملتمسات مؤتمرها الرابع ملتمسا بضرورة اخراج المجلس الأعلى للقضاء للوجود بعد تجميد دام سنتين من المصادقة على دستور 1962.

وفي أكتوبر 1964 تم تكوين المجلس عن طريق انتخاب بقية الأعضاء كممثلين عن الهيئات القضائية الثلاثة: المحاكم الاستئنافية، والاقليمية، ومحاكم السدد، حيث مرت عملية الانتخاب ما بين 18 أكتوبر إلى فاتح نوفمبر 1964. وأسفرت النتائج[3]عن اكتساح للقضاة المنتمين لرابطة القضاة والذين كانوا أعضاء في أجهزة الجمعية[4].

وبتاريخ 12 نونبر 1964 افتتح الملك أول دورة للمجلس ووجه خطابا لأعضائه جاء فيه: "فعلى القضاة وبالأخص أعضاء المجلس الأعلى للقضاء أن يتفهموا جيدا هذه الفترة الحاسمة التي يجتازها تاريخ العدالة ببلادنا وأن يقدروا المسؤولية الملقاة على عاتقهم حق قدرها فيساعدوا العدالة على أداء رسالتها المقدسة ويجندوا أنفسهم للمساهمة في قطع مرحلة التوحيد والمغربة والتعريب..".

والملاحظ أنه ورغم تأسيس المجلس الذي ضم في عضويته الغالبية من القضاة أعضاء أجهزة الرابطة فإن ذلك لم يجعلها تستشعر الحرج في مواجهة هذه المؤسسة الدستورية الجديدة، وهكذا سجل المؤتمر الخامس لرابطة القضاة بعض الملاحظات على طريقة اشتغال المجلس، والتمس إحداث مسطرة خاصة لنقل القضاة تأخذ بعين الاعتبار في المقام الأول رغبة القاضي، معتمدة على صريح نص الدستور في عدم جواز نقل قضاة الأحكام.

معالجة أزمة توظيف القضاة وأسبابها

من جملة المشاكل التي تخبط فيها النظام القضائي الموروث عن فترة الحماية، ضعف الموارد البشرية المتمثل أساسا في قلة عدد القضاة. فطبقا للإحصائيات الرسمية حينئذ، بلغ عدد المناصب القضائية الشاغرة أزيد من 110، علما بأن عدد المناصب المقررة ميزانياتها بوزارة العدل بلغت 100 وظيفة، أي بنسبة 11 بالمائة[5].

وقد انعكس هذا الوضع على أداء المحاكم حيث ارتفع عدد القضايا المخلفة وبرزت مظاهر البطء في اصدار الأحكام القضائية وتنفيذها، بل وأصبحت بعض المحاكم في الجنوب تعقد جلساتها بدون ممثل النيابة العامة، أو بحضور عميد الشرطة أو ضابط أمن أو درك. كما أن العديد من المحاضر التي كانت تحرر في المخالفات كانت يقع حفظها للتقادم بسبب عدم وجود عدد كاف من قضاة النيابة العامة يتولون دراستها وتكييفها. ورغم أن المشرع حاول التدخل ببعض الحلول الجزئية لمعالجة معضلة قلة عدد القضاة عن طريق تخويل الرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف سلطة تعيين بعض المحامين المقيدين بجداول الهيئة لتتميم تأليف محكمة الاستئناف أو المحكمة الاقليمية أو المحكمة الابتدائية التابع لها محل اقامتهم وللقيام فقط بأعمال الجلسات[6]فإن ذلك لم ينجح في حل مشكل الخصاص الموجود.

وتعود أسباب أزمة توظيف القضاة إلى عدة عوامل[7]منها مشكل التوظيف في الوظائف العمومية إذ أن الأجور ظلت مجمدة مند حصول المغرب على استقلاله سنة 1956، رغم أن مستوى المعيشة ظل في ارتفاع مطرد. وأصبح القطاع الخاص ينافس القطاع العام في جلب خريجي الكليات، فالمكاتب شبه العمومية، وشركات التأمين وبعض الشركات الصناعية أو التجارية عملت في اطار مغربة أطرها إلى جلب العناصر المغربية بأجور مرتفعة. وأصبحت مهنة المحاماة تستأثر باهتمام خريجي الكليات ليس فقط بسبب الاعتبارات المادية المحضة، وإنما أيضا بوصفها مهنة حرة تخول صاحبها استقلالا نسبيا لا ينعم به القضاة الملزمون في جميع الأحوال بمراعاة واجب التحفظ والحفاظ على صفة الوقار، فضلا عن تخوف البعض من ولوج مهنة القضاء لما لها من مسؤوليات دنيوية وأخروية، دون أن ننسى خضوع القضاة لنظام غير محفز في ترقيتهم أو استقرارهم نتيجة مشكل التعيين في المناطق النائية غير المؤهلة لاستقبالهم والتأخير في معالجة طلبات انتقالهم.

وقد اعتبرت رابطة القضاة مشكل توظيف القضاة أحد المعوقات التي تواجه جهود بسط السيادة الوطنية على شؤون العدالة. وفي هذا السياق دعت في الملتمس الصادر عن مؤتمرها الخامس المنعقد بفاس سنة 1965 وبشكل مستعجل إلى فتح مباراة  لحاملي شواهد الإجازة في القانون أو ما يعادلها وإدماجهم في السلك القضائي، كما ركزت على ضرورة تحسين الأوضاع المعنوية والأدبية للقضاة ولذلك بمنحهم المقام اللائق بهم في المجتمع واحترام مقرراتهم من طرف الإدارة وباقي مساعدي القضاء.
 
صدور مرسوم ملكي بسن نظام لمباراة ولوج القضاء

يلاحظ من خلال مؤتمرات الرابطة أنها كانت تشدد التأكيد على ضرورة اختيار القضاة من بين خريجي الكليات ومعاهد القانون والحرص على اخضاعهم لتكوين يؤهلهم لممارسة رسالة القضاء، عوض الاكتفاء بسياسة الادماج المباشر في السلك القضائي لموظفين في مهن أخرى من بين حملة شواهد القانون، أو الممارسين لمهام حرة. ولعل ملتمسات الرابطة في هذا الشأن أسهمت في التعجيل بصدور مرسوم جديد ينظم مباراة ولوج القضاء واضعا بذلك حدا لفوضى الادماج في السلك القضائي ومعضلة الخصاص.

فبتاريخ 19 أكتوبر 1965 صدر مرسوم ملكي بسن نظام لمباراة ولوج سلك رجال القضاء[8]، حيث نص الفصل الأول منه على أن المباراة المذكورة تفتح مرة واحدة كل سنة في وجه الحاملين لشهادة الليسانس في الحقوق أو شهادة تعادلها، والمتوفرون على الشروط المحددة قانونا. وقد خول المرسوم وزارة العدل سلطة الاشراف على كل الترتيبات المتعلقة بهذه المباراة، حيث اعتمدت الوزارة على طاقم إداري مكون من عدد من كبار القضاة.
 
مطالب اجتماعية للقضاة لا تحتمل التأجيل

عبرت مؤتمرات رابطة القضاة عن "الحالة القلقة التي يعيش عليها القضاة من عدم توفير أسباب الراحة والطمأنينة والاكتفاء الذاتي". وهكذا ركز المؤتمر الأول التأسيسي للرابطة على الوضع المادي للقضاة. وفي هذا الصدد جاء في احدى المداخلات التي قدمت في المؤتمر: "من المؤسف جدا أن يكون القضاة المغاربة في وضعيتهم الحاضرة لا يتمتعون بالمنافع المعنوية والمادية التي يستحقونها وأن ما يتقاضونه من الأجور الضئيلة لا يكاد يفي بكثير من الحاجات الضرورية لعائلاتهم.

وهذا الوضع الحالي للقضاة غير تلك الميزة الرفيعة التي يتسمون بها، وذهب بكل ما كانوا يحظون به قديما من الهيبة والاحترام وجعلهم في مستوى أدنى بكثير من مستوى القياد والباشوات والعمال الذين يتمتعون بمنافع مادية واجتماعية. فلم يعد القاضي بالنسبة إليهم إلا موظفا بسيطا تشغله عن واجباته المهنية شؤونه الخاصة من مسكن وملبس وطعام.

وأمام هذه الوضعية الشاذة فإنه مما لا شك فيه أن الشاب المغربي الممتاز والحائز على شهادات عليا سوف لا يغريه الانخراط في سلك القضاء الذي يراه مجردا من كل ميزة مادية ومعنوية في وقت يرى فيه كثيرا من المصالح العمومية والشركات الخاصة تفتح له أبوابها وتمنحه من المنافع والامتيازات ما يرضي طموحه.

وإذا كان الحال هكذا فلن يرض ويقبل على مهنة القضاء إلا أولئك الأفراد الذين سدت في وجوههم أبواب المصالح الأخرى"[9].
وطالب المؤتمر الثالث المنعقد بطنجة بالتعجيل في تسوية ملفات ترقيات القضاة التي ظلت مجمدة لعدة سنوات. كما نادى المؤتمر الخامس المنعقد بفاس بضرورة إقـرار تعويضات للقضاة عن مهامهم الاضافية وخاصة قضاة النيابة العامة. كما طالبت الرابطة بمراجعة مدة العطلة القضائية السنوية وجعلها شهرين عوض شهر واحد على غرار التشريعات الموجودة في بلدان أخرى،  في الوقت الذي تجددت فيه مطالب القضاة بالحصول على أوراق جواز تسهيل المرور خاصة بهم، على غرار تلك الممنوحة لكبار موظفي الدولة في السلطتين التشريعية والتنفيذية.

ولم تمض سوى بضعة أشهر حتى تمت الاستجابة لمطالب القضاة المستعجلة حيث توصل المستحقون منهم "بحقوقهم في الترقية بعدما ظلوا ينتظرونها منذ أزيد من ثلاث سنوات"، كما حصلوا على "أوراق الجواز الخاصة بالقضاة ".  

لكن الملف الهام والأساسي الذي شكل مطلبا ملحا لطالما نادت به رابطة القضاة في كافة مؤتمراتها تمثل في مغربة القضاء وتوحيده وتعريبه، وقد شكل الاستجابة له بعد قرابة عشر سنوات من حصول المغرب على استقلاله، انتصارا كبيرا لفكرة تجمع القضاة.

يتبع



[1]أنظر لمزيد من التفاصيل : مذكرات وزير العدل السابق د.عبد الهادي بوطالب، المنشورة في كتابه: نصف قرن من السياسة، منشورات الزمن، الطبعة الأولى 2001، ص  165.
[2]يتعلق الأمر بظهير رقم 197/63/1 نشر بالجريدة الرسمية عدد 2665، بتاريخ 22 نوفمبر 1963.
[3]يلاحظ أن أول استحقاقات انتخابية عرفها المغرب بمناسبة انتخاب القضاة لممثليهم بالمجلس الأعلى للقضاء لم تسلم من تقديم طعون انتخابية من طرف القضاة المتنافسين على العضوية في هذا المجلس، وذلك أمام الغرفة الادارية للمجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا)، حيث تقدم المستشار عبد الرفيع بوعبيد بعريضة أمام الغرفة الادارية يلتمس فيها الحكم بإلغاء العمليات الانتخابية التي جرت بالرباط بتاريخ 18 أكتوبر 1964 والتي أسفرت عن انتخاب المستشارين محمد اللعبي وعبد السلام بناني كممثلين لقضاة محاكم الاستئناف، وذلك لعلة أن بعض الناخبين ومن بينهم أحد المستشارين المذكورين لم يكونوا متوفرين على أهلية الانتساب للهيئة الانتخابية لقضاة مجالس الاستئناف لعدم صدور ظهير أو مرسوم عن الملك يخولهم هذه الصفة. وقضت الغرفة الادارية برفض الطلب.
-قرارا المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا)، بتاريخ 15 دجنبر 1965، في الملف عدد 18385، منشور بمجلة رابطة القضاة، العدد الأول، السنة الثانية، 1966، ص 85.
[4]أسفرت نتائج أول انتخابات للمجلس الأعلى للقضاء عن فوز كل من القضاة محمد اللعبي، عبد السلام بناني عن محاكم الاستئناف، أحمد  الكتاني و محمد الفلاح عن المحاكم الاقليمية، وموحا الرحيوي وأحمد السراج عن محاكم السدد.
[5]تمت الاشارة إلى هذه الأرقام في بالعدد الأول من مجلة رابطة القضاة، السنة الثانية، 1966، ص 24.
[6]الفصل الثالث من ظهير انتداب القضاة رقم 197/63/1 منشور بالجريدة الرسمية عدد 2665، بتاريخ 22 نوفمبر 1963.
[7]حول أزمة توظيف القضاة غداة استقلال المغرب وأسبابها، أنظر العرض الذي قدمه أحمد الكتاني (وكيل الدولة العام لدى محكمة الاستئناف بالرباط)، في المؤتمر الخامس لرابطة القضاة المنعقد بفاس، العرض منشور بالعدد الأول من مجلة رابطة القضاة، السنة الثانية ،1966، ص 20.
[8]يتعلق الأمر بالمرسوم الملكي رقم 438.65 بتاريخ 19 أكتوبر 1965 بسن نظام لمباراة ولوج سلك رجال القضاء.
[9]– د.عبد العزيز الفيلالي: القاضي المغربي في النظام القضائي، مجلة رابطة القضاة، العدد الأول، ص 7.
انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، المغرب ، مقالات



لتعليقاتكم