رئيس الجمهورية يتحدث عن ضياع ملف في المحكمة والقضاء ينفي: سجال البلاغات وحديث القطيعة بين المؤسسات


2020-07-24    |   

رئيس الجمهورية يتحدث عن ضياع ملف في المحكمة والقضاء ينفي: سجال البلاغات وحديث القطيعة بين المؤسسات
الصورة منقولة عن موقع http://www.kapitalis.com/

بتاريخ 22-07-2020، نشرت الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية على شبكة التواصل الاجتماعي فايسبوك خبرا مفاده أن الرئيس قيس سعيد أثار عند استقباله وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية غازي الشواشي ملف قضية “تتعلق بحصول حادث سيارة إدارية وقد تمّت معاينة الحادث وفتح محضر بحث أمني بشأنه، لكن بدل أن تأخذ القضية مجراها الطبيعيّ تمّ تغيير المحضر وتوجيهه إلى المحكمة قبل أن يختفي الملف هذه الأيام من أروقة المحكمة الإبتدائية بتونس.”[1]

في ذات التاريخ، كذّب الناطق باسم وحدة الاتصال للنيابة العمومية بالمحكمة الإبتدائية بتونس محسن الدالي مقال الرئيس وذكر أن حديث  الرئيس تعلق بحادث مرور جدّ بين سيارة خاصة وسيارة وظيفية في تصرف وزير الطاقة حينها “أنور معروف”. وأضاف أن سائق الوزير ادّعى في مرحلة أولى أنه من كان يقود السيارة، لكن تبيّن لاحقا أن مرافقته أي إبنة الوزير هي من كانت تقودها. ولاحظ أنه وبمجرد تبين ذلك، حرّرت محاضر بحث في الغرض تعهدت بها النيابة العمومية لدى المحكمة الإبتدائية بتونس والتي أصدرت بتاريخ 03-06-2020 قرارا بإحالة المتهمين ومنهم ابنة الوزير[2] على المجلس الجناحي لدى المحكمة الابتدائية لمقاضاتهم من أجل ما نسب لهم من تهم. فرسمت القضية تحت عدد 13555 وعينت بجلسة أولى بتاريخ 25-06-2020. ونظرا لعدم ورود جذور الإستدعاء المتعلقة بأطراف القضية، قررت هيئة المحكمة تأخيرها لجلسة 21-11-2020 لإعادة الاستدعاء.

تفاعلت الرئاسة مع ردّ ادّعائها ببلاغ توضيحيّ ادّعت صلبه أن الملفّ الذي تحدث عنه الرئيس لم يكن موجودا إلى حدود منتصف يومها “بين الملفات المعروضة على المحكمة” وأوضح أن الرئيس “لم يوجه أصابع الاتهام لأيّ جهة بعينها”، لأن”التهم لا تلقى جزافا”.ولكن حرصه “ينطلق، لا من اتهام مزعوم، ولا من ردّ تفنده الوقائع التي لا يطالها شك أو محاولات تشكيك، بل ينطلق من حرصه على المال العام وعلي تطبيق القانون علي الجميع دون تمييز أو استثناء”. وأنه “تتمّ متابعة عديد الملفات الأخرى، سواء تلك المحفوظة أو تلك التي يراد التعتيم عليها أو إخفائها”.

تبين سريعا للمتابعين أن تاريخ الجلسة الذي ورد في بلاغ النيابة العامة يصادف يوم عطلة أسبوعية. ودفع هذا المعطى وتوضيح الرئاسة “الداعي” لتقديم توضيح “ذكر فيه أن القضية أرجئت لجلسة يوم 23-11-2020. وقد لاحظ توضيح النيابة أن محاضر البحث وتاريخ الجلسات موثقة بالدفاتر الرسمية وبمنظومة الإعلامية بالمحكمة وهي وثائق مؤمنة لا يمكن إدخال أي تغيير على معطياتها مضيفا أنه وقد تبين عدم صحة ادعاء ضياع الملف، فقد كان من المفروض الإعتذار “للقضاة وكتابة المحكمة الذين وقع التشكيك في نزاهتهم ملاحظا أنه كان يفترض في حال وجود شك في ضياع الملف إخطار المجلس الأعلى للقضاء أو التفقدية العامة لوزارة العدل بالأمر ليتم البحث مؤسساتيا في الموضوع بما يمنع ظاهرة تضارب البيانات التي تضرّ بمؤسسات الدولة.

بعيدا عن طرفي السجال المؤسساتي، اختلفت قراءة البلاغات بحسب موقف القارئ من منظومة الحكم. فكان اتهام الرئيس الضمني لوزير حركة النهضة بالتلاعب بملف قضائي تعلق بابنته ما اهتم به  أعداء تلك الحركة وخصومها السياسيون في وقت اعتبر فيه أنصارها بيان النيابة العمومية وردها المفحم دليلا على تسرع الرئيس وعدم كفاءته. ويتبين مما ذكر أن سجال البيانات وزيادة على ما أدى له من مس بالثقة العامة بالقضاء كان سببا في تعزيز التوظيف السياسي له بما يستدعي إبداء ملاحظات في الموضوع.

ملاحظة أولى: رئيس الجمهورية وطرق الباب الخاطئ

يكشف النظر في النشاط الرئاسي أنه في ذات يوم حرب البيانات، عقد الرئيس جلسة عمل مع وزيرة العدل وفريق من كبار المسؤولين القضائيين بوزارة العدل خصص للنظر في العفو الرئاسي بمناسبة عيد الأضحى. ويبدو هنا مستغربا جدا أن يمتنع الرئيس عن إثارة ملف يخص القضاء مع الجهات التي تختص بنظره مقابل البحث فيه وطرحه لاحقا مع وزير لا علاقة مباشرة له بالقضاء ولا يملك بتاتا أي سلطات تخوله البحث فيما قد يكون من خلل في عمله. وقد تدل هذه المعاينة عن كون هدفه من حديثه كان استغلال “المعلومة” التي وصلته في صراعه السياسي الدائر بينه وبين حزب حركة النهضة بما دفعه لإغفال ما له من دور دستوري في حماية الثقة العامة في مؤسسات الدولة وبما هو محمول عليه من واجب تحرّ قبل كل طرح لملف قد يؤثر عليها.

ملاحظة ثانية: في وجوب معالجة ذيول الأزمة

يحظى الرئيس سعيد بثقة كبيرة في الأوساط الشعبية التونسية. ويفترض بالتالي أن يكون لما صدر عنه من اتهامات بقطع النظر عن صحتها أثر سلبي على الثقة العامة بالقضاء. وينتظر بالتالي من القضاء أن يحاول إصلاح هذا الضرر من خلال التحمل الكامل لواجب إثبات براءته مما نسب له من تهم. وقد يكون تعهّد المجلس الأعلى للقضاء ببحث في الموضوع السبيل لذلك خصوصا متى ضمن هذا البحث شروط الشفافية الواجبة.

ملاحظة ثالثة: حاجة القضاء لانفتاح أكبر على الرأي العامّ

قد يبدو تصديق رئيس الجمهورية لرواية فقدان ملف قضية حادث المرور وترويجه لها قبل التأكد من صحتها بشكل مؤسساتي مستغربا ومستهجنا. لكنه في الواقع يرسم صورة عن آثار التعتيم عن المعطيات فيما تعلق بالقضايا التي تهم الرأي العام وتلك التي يكون لها تأثير عليه.  كان يفترض أن يتنبه القضاء مبكرا لكون ملف قضية الحادث الذي تورطت فيه ابنة الوزير يعدّ من الملفات التي تهمّ الرأي العام لما فيه من شبهة فساد بما يفرض عليه ضمان حق الرأي العام في العلم بتطور مجرياته وفي الاطلاع على عمل القضاء عليه. وقد يكون إغفال القضاء لهذا الواجب في هذه القضية وفي القضايا الأخرى التي تماثلها سببا في المسّ بالثقة العامة به وفي جعله موضع اتهام دائم بما يفرض عليه لتجاوز ذلك مراجعة سياسته الاتصالية لتكون أكثر تلاؤما مع قيم المجتمع الديمقراطي.


[1]  حرفية النص كما وردت بالصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية  على الفايسبوك .

[2]  نسبت للسائق تهمة الشهادة زورا على اعتبار انه تولى الايهام بكونه من اقترف الجريمة . اتهم سائق السيارة الثانية ومرافقه بالاضرار بملك الغير اعتبارا لما نسب لهم من تهشيم متعمد لبلور سيارة الوزارة اثر الحادث وكرد فعل عليه فيما تعلقت تهمة حادث المرور بابنة الوزير .

انشر المقال

متوفر خلال:

المرصد القضائي ، تونس ، قضاء ، محاكم مدنية



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *