رئيس الجمهورية التونسية يتخلى عن مسؤولية دستورية “العفو”: “من قتل نفسا بغير حق جزاؤه الإعدام”


2020-10-01    |   


بتاريخ 25-09-2020، عثر على جثة الفتاة رحمة الأحمر البالغة من العمر تسعة وعشرين ربيعا ملقاة على حافة الطريق السريعة تونس المرسى بعد رحلة بحث عنها تلَتْ فقدانها دامت يومين. في اليوم الموالي، أكدت نقابة أمنية الطبيعة الجنائية لوفاتها وأعلنت عن إلقاء القبض على القاتل الذي أفادت في تعليق لها نشر على صفحتها للفايسبوك أنه اعترف بكونه “تولى سلب المتضررة باستعمال سلاح أبيض ليغتصبها من بعد ذلك ويقتلها”. وكان من أثر تداول خبر الجريمة أن تعالتْ الأصوات التي تطالب بتنزيل عقوبة الإعدام على من اقترف الجريمة[1]. وكان من أبرز محطات هذا الحراك مسيرة شارك فيها عشرات الأشخاص وضمّت أقارب للضحية ومتعاطفين معهم واتجهت إلى القصر الرئاسي ودعت الرئيس لتنفيذ الإعدام.
بتاريخ 28-09-2020، تعرّض رئيس الجمهورية قيس سعيد في الكلمة التي ألقاها بمجلس الأمن القومي لمّا سماه “ارتفاع منسوب الجريمة في تونس” ولما قال أنها “الجريمة البشعة” في إشارة منه لواقعة قتل الفتاة رحمة وعمّن سماه المجرم  الذي حسبه “سبق أن حكم عليه من أجل القتل وتمتع بعفو رئاسي”. وجوابا عما طرح، عاد ليتعهد بعدم منح “السراح الشرطي ولا بالتقليص من العقوبة المحكوم بها على من يقترفون الجرائم البشعة مستقبلا” للقول بكون “النص واضحا بهذا الخصوص فمن قتل نفسا بغير حق جزاؤه الإعدام”.
كان واضحا أن الرئيس في حديثه هذا لم يستقِ معلوماته حول تفشي العنف من المصالح الرسمية لكون إحصائياتها تذهب في اتجاه معاكس[2]. كما أنه لم يتبيّن حقيقةً سوابق المتهم بجريمة القتل، فظنّ أن ما نشر بصفحات التواصل الاجتماعي من حديث عن كونه عائداً أي سبق وحكم عليه بعقوبة سجنية من أجل جريمة قتل وتمتع بعفو رئاسي، وقائع ثابتة. أعلن في كلمته ذلك ورتب عليه أثراً في موقفه من العفو الرئاسي في حين أن ذلك لم يكن كذلك[3].
وعدا عن أنّ كل هذا ينمّ عن تسرّع وشعبوية فائقين، فإنه يرشح عن مخالفات خطيرة سواء لجهة تخلي الرئيس عن مسؤولية العفو الخاص (وهي مسؤولية ترمي إلى تصحيح المنظومة الحقوقية وليس امتيازا) وليست امتيازا، أو لجهة التدخل في القضاء أو .
الرئيس يتخلى عن مسؤولية دستورية: العفو الخاص
ذكر الرئيس أنه لن يمنح مستقبلا العفو بمختلف أنواعه لغير مستحقيه وبيّن أن من تنسب لهم جرائم خطيرة مستثنون منه. وقد يدلّ قوله على كون نيته تتجه لتقييد ممارسته وأنه ربما يكون قد قيم ما سبق من مقررات عفو تولى منحها فوجد فيها إسرافا وتجاوزا. وبكلامه هذا، يبدو رئيس الجمهورية وكأنه يقارب صلاحية العفو الخاص على أنها امتياز بإمكانه التخلي عنها أو ممارستها، فيما أنها بالواقع مسؤولية يقتضي ممارستها تصويبا لأي خلل قد يعتري أداء المؤسسات في تطبيق القوانين الوضعية، وهو تخلّ قد يكون مصدرا لإشكاليات تتجاوز هذا الظاهر الإيجابي داخل المؤسسات السجنية كما يغفل الحاجة مع مرور الزمن لمراجعة الأحكام طويلة الأمد بالنظر لمعيار الوظيفة الاجتماعية للعقوبة.
وتأكيدا على ذلك، نذكر أن السعي للعفو أي لتخفيف العقوبة ونيل السراح حافز دائم للمساجين على الخضوع التلقائي والطوعي لقوانين المؤسسة وأعرافها. يُستفاد من هذا أن حجب العفو عن المساجين المحكومين بمدد طويلة قد يؤدي لانتفاء كل دافع لديهم لاحترام مقررات إدارة السجون والإلتزام بحسن معاملة غيرهم من المساجين داخل الغرف، بما يؤدي لمخاطر اضطرابات أمنية واجتماعية داخل السجون قد يؤدي اكتظاظها وضعف بنيتها التحتية لتعميقها.
تدخل سافر في القضاء
في ذات سياق حديثه عن الإدانة، استذكر “الرئيس” خطابه قبل أيام قليلة لرئيس الحكومة الذي بث في وسائل الإعلام وتضمن تأنيبه له لما بلغه عن اعتزامه بتعيين مستشارين له من المسؤولين الذين اشتغلوا مع بن علي واتهموا بمساعدته وعائلته في فسادهم المالي،  ليوضح أن استناده لتعهد القضاء بمحاكمتهما لإقامة الدليل على فسادهما[4] صحيح لا خلل فيه بل كل العيب في “أن القضاء يصدر أحكاما في أسبوع وأقل من أسبوع في قضايا تافهة ويبطئ عشر سنوات في محاكمة الفاسدين لكن على كل حال فحكم المحاكم ليس المهم، المهم هو حكم الشعب والتاريخ والشعب والتاريخ حسموا أمرهم فيما تعلق بهؤلاء”.
يبدو هنا الرئيس وفيما تعلق بقضية مروى كمن يحاول فرض منطوق محدد للحكم الذي سيصدر قبل كل بحث في الموضوع باستعمال ما له من سلطة اعتبارية وقوة تأثير في الوسط الشعبي. بما يعني أنه يتدخل في القضاء وهذا محجر بنص الفصل 109 من الدستور. في ذات الحين، يظهر الرئيس فيما تعلق بذات القضية وبالقضايا الأخرى التي أشار لها غير مؤمن بقرينة البراءة ويصر على ذلك وفي ذلك اعتداء على هذا المبدأ الذي حصنه الفصل 27 من الدستور.
 
القاتل يقتل: انفصام الخطاب عن الممارسة أم انعطافة العودة للوراء؟
نجح الائتلاف المدني من أجل إلغاء عقوبة الإعدام[5] في إقناع الجهات الإعلامية التي أدارت المناظرات التلفزيونية للمرشحين للانتخابات الرئاسية سنة 2019 بطرح السؤال حول الموقف من عقوبة الإعدام على أمل أن يقود ذلك لانتزاع التزام منهم يخدم هدف تحركهم. خلال تلك المحطة، كشف المرشح للرئاسة حينها قيس سعيد عن كونه مع تنفيذ عقوبة الإعدام وقال أن الدول التي ألغت هذه العقوبة عادتْ لتمارسها خارج القانون. لاحقا وفي ظل ولاية سعيد وبمناسبة مناقشة التقرير التونسي فيما تعلق بالحقوق المدنية والسياسية وبتاريخ 03 و04 مارس لسنة 2020، أكد وزير حقوق الإنسان حينها عياشي الهمامي “التزام الدولة التونسية بمواصلة التوقف الطوعي عن تنفيذ عقوبة الإعدام” بما كان يظن معه أن الرئيس سيمضي في تنفيذ الالتزام الحقوقي لتونس بعيدا عن خطابه الانتخابي. فتكون عودة سعيد بعد ذلك للتلويح بالإعدام سببا للسؤال عن حقيقة موقفه منها خصوصا وأنه من يتحمل مسؤولية تنفيذه.
لم يتعهد الرئيس في خطابه بتنفيذ عقوبة الإعدام، وقد يدفع هذا للإعتقاد بكون كلامه حول الإعدام قد يظل رغم ما سببه من جدل خطابا غايته إرضاء ناخبيه، وإن كان هذا هو المرجح باعتبار الالتزامات الدولية لتونس وما قد يتبعها من أضرار دبلوماسية في حال التراجع عنها فإنه لا ينفي أن تبني رئيس الجمهورية في خطابه الرسمي لهذا الطرح ينذر بانعطافة للوراء في وقت كان ينتظر فيه إصلاحا للمنظومة الجزائية يلائم قيم حقوق الإنسان.
تعليق تنفيذ الإعدام التزام وطني المس به يمس بصورة الثورة وقيمها
منذ سنة 1991 وفي كل المنتظمات الأممية المهتمة بحقوق الإنسان  التزمت الدولة التونسية بعدم تطبيق عقوبة الإعدام ، لاحقا وبعد ثورتها تطور خطابها الرسمي فيما يخص إلغاء تلك العقوبة بأن بات يطالب بترك مجال من الزمن قبل اتخاذ هذه الخطوة لإجراء حوار مجتمعي فيما تعلق بها يضمن القبول الجمعي بها . وبدا في هذا الإطار القانون عدد 58 لسنة 2017  المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة خطوة أولى في هذا الاتجاه بما أدى له من حذف لهذه العقوبة في جرائم كانت قبله هي العقوبة القصوى فيها.
كان هنا انضمام تونس للدول التي تعلق تنفيذ عقوبة الإعدام سببا في تحسين مؤشراتها في حقوق الإنسان، كما كان تطور خطابها الرسمي حول إلغائها بعد الثورة مؤشرا هاما يؤكد قيم الجمهورية الثانية المناصرة لحقوق الإنسان، وعلى وجه الخصوص الحق في الحياة والحق في عدم التعرض للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة. يكون عند هذا الحد ما يتم التهديد به من معاودة لتنفيذ عقوبة الإعدام تراجعا هاما في التزامات تونس يضر بسمعتها ومصالحها بما يبرر دعوة رئيس الجمهورية للامتناع عن ممارسة ما له من صلاحية في الموضوع قبل دراسة ما قد ينجر عن خطوة انفعالية من ضرر لتونس ولقيمها الديمقراطية التي تعدّ أهم ما تحقق لها من مكاسب بعد ثورتها.
خطوة إلى الوراء: الشريعة، سلاح الدفاع عن الإعدام
أحال الحيز الاصطلاحي الذي استعمله الرئيس في تبريره لعقوبة الإعدام للشريعة الإسلامية. كما شكل دعما هاما لأنصار تلك العقوبة. ويمس هذا بمدنية القانون الجزائي للدولة التونسية علاوة على كونه يرجع الخطاب حول الإعدام لمنطلقه.
يدفع كلام الرئيس للظن بأن تونس تطبق الشريعة الإسلامية. كما يوهم بكون الإعدام جزاءا حتميا للقتل وفق المرجعية الدينية. ويبدو هذا الأمر خارقا لقيم الجمهورية علاوة على كونه يُحرِّف الشريعة التي تضمن أحكامها بفضل مؤسسة الدية فرصا هامة لعدم تطبيق تلك العقوبة. وقد يكون من المهم في هذا الإطار وفي إطار تطوير الحوار المجتمعي بتونس حول الإعدام من خلال قراءة إيجابية للشريعة تبرز ما تضمنته من قواعد تضيق المجالات في العقوبة الجسدية وهو أمر يصلح ليقدم دليلا على كونها قبلت بتلك العقوبات باعتبارها ما كان ممكنا في وقتها ولكنها سعت للحدّ منها بما يؤكد أنها لا تعارض في قيمها العدول عنها جميعا بما فيها الإعدام[6].
خلاصة
في وقت كان فيه الخطاب السياسي والحقوقي يطرحان السؤال حول حلول موعد مصادقة تونس على البروتوكول الاختياري الثاني للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والهادف إلى إلغاء عقوبة الإعدام من عدمه، فرض سعيد بمواقفه على الجميع معاودة السؤال حول تنفيذ تلك العقوبة. تبدو هنا الانتكاسة التي فرضها سعيد هامة لكنها قد تكون إيجابية فيما نبهت له من ضرورة تطوير الخطاب حول الإعدام وهو خطاب يجب أن يكون القضاء شريكا فيه اعتبارا لكون بعض ما يحجبه تعليق تنفيذ الإعدام وعراه الرئيس بمواقفه أن المحاكم لا زالت تصر على عدالة هذه العقوبة وتنطق بها[7] بما يجب أن يقود للسؤال عن تمثل القضاة لها وعن دور ثقافة حقوق الإنسان في تطوير قد يتحقق بفضلهم ومن خلالهم في هذه القضية الهامة.
[1]   للاطلاع على تفاصيل حراك مجتمعي نتج عن واقعة متماثلة جدت بالمملكة المغربية  مقال ” نهاية مأساوية لقصة اختفاء الطفل عدنان بالمغرب: عودة الجدل حول طريقة معاقبة مغتصبي الأطفال “ منشور بموقع المفكرة القانونية 21-09-2020  .
[2]    بعد حديث سابق مماثل لرئيس الجمهورية   ولرئيس الحكومة السابق الياس  الفخفاخ أكد وزير الداخلية حينها هشام الفوراتي في تصريح إعلامي بتاريخ 30-01-2020  أن جرائم العنف بأنواعها لم تزد نسبتها خلافا لما يروج له وفق أرقام الإحصائيات الرسمية .
[3]   في تصريح أدلى به لإذاعة موزاييك أف ام  بتاريخ  28-09-2020  أكد الناطق الرسمي باسم الإدارة العامة للسجون الإصلاح انه لم يسبق أن تمتع المتهم بعفو رئاسي وانه لم يصدر في حقه حكم بالإدانة في جريمة قتل .
[4]  راجت معلومات بتونس غير منازع في صحتها عن اعتزام رئيس الحكومة هشام المشيشي تعيين كل من المنجي صفرة الذي شغل قبلا خطة وزير مستشار لدى بن علي  مكلف بالملف الاقتصادي و توفيق بكار الذي كان يشغل قبل الثورة خطة محافظ للبنك المركزي وكان قبل ذلك وزيرا للمالية  ،مستشارين له في الاقتصاد . وعلى هذه الخلفية استقبل سعيد رئيس الحكومة و أنّبه بشكل حاد من اجل ذلك وقال حينها انهما فاسدين  ..
[5]  وهو ائتلاف جمعيات تأسس منذ سنة 2007 وتهيكل بشكل قانوني في سنة 2012 يهدف لتطوير الوعي المجتمعي بأهمية إلغاء تلك العقوبة ولدفع السلطة السياسية للتسريع بذلك. من بين الجمعيات الناشطة صلبه جمعية المفكرة القانونية فرع تونس
[6]  ذات القراءة التأصيلية كانت ما اعتمدته المدرسة الدينية بتونس في تبريرها الشرعي لموقفها من منع تعدد الزوجات و كان لها فضل هام في تحقيق القبول المجتمعي بقيم مجلة الأحوال الشخصية
[7]   يبلغ عدد من صدرت في حقهم أحكام بالإعدام ومودعون بالسجون بداية السنة القضائية 2020-2021 مائة وأربعون  شخص  جميعهم صدرت في حقهم الأحكام بين هذا التاريخ وسنة 2014 اعتبارا لكون رئيس الجمهورية الأسبق  منصف المرزوقي اصدر عفوا عن كل من صدر عنهم هذا الحكم قبل ذاك التاريخ .
انشر المقال

متوفر خلال:

تونس ، سياسات عامة ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *