دور نادي قضاة المغرب في نظر مؤسسيه: شهادات (2) من أجل إرجاع الثقة للمواطنين في جهاز القضاء


2012-05-30    |   

دور نادي قضاة المغرب في نظر مؤسسيه: شهادات (2) من أجل إرجاع الثقة للمواطنين في جهاز القضاء

ذ عبد اللطيف طهار

في قراءة استباقية للأفكار والمواقف التي تطرح بخصوص مشاريع الإصلاح، وفي محاولة لصبغ أغوار ما يفكر فيه ساستنا ومسؤولينا بمناسبة تدبيرهم لأمور الدولة ومواجهة التحديات التي تطرح أمامهم، يمكن الوقوف عندما أصبح يشكله نادي قضاة المغرب من إحراج للمعنيين بتدبير الشأن المحلي بمناسبة دخوله في مسلسل احتجاجي، تفيد كل التكهنات أنه سوف يكون طويلا ومشوقا في الآن نفسه، بالنظر الى سياسة صم الآذان التي تمارس بشكل ممنهج في وجهه.
والقصد بخصوص المعنيين بتدبير الشأن المحلي ينصرف بطبيعة الحال إلى حكومة المملكة المغربية بإعتبارها الجهة المكلفة بتدبير الشأن العام للوطن والمواطنين. وهنا اسمحوا لي بأن ارجع الى ما سلف من حال القضاء والتراكمات التي أسفرت عن النتائج التي دفعت الحكومات المتعاقبة إلى جعل موضوع اصلاح القضاء من أهم الشعارات الرنانة التي ترفع بمناسبة تسيير الحملات الانتخابية للأحزاب المنبثقة عنها . فمنذ عقود ظل القضاء في بلدنا العزيز في آخر أجندات اهتمام السياسيين، اللهم من شعار هنا وآخر هناك من قبيل اصلاح القضاء وإصلاح منظومة العدالة، أو بمناسبة إلقاء اللوم وتحميل كل البلايا للقضاء والقضاة؛ أو أثناء استعراض العضلات أمام كاميرات التلفزة بمناسبة توقيف قاض هنا أو هناك، حيث اقترن ذكر القضاء والقضاة حصرا بإحدى الحالات المذكورة أعلاه.
غير أن الشيء الخطير الذي كان يجري بالموازاة مع ذلك –عن قصد او عن غير قصد- هو رسم صورة نمطية خبيثة جدا لدى الشارع المغربي عن القضاء والقضاة، وهو ما جعل أغلبهم يتصورونه بعبعا حقيقيا؛ أو كائنا غارقا في المحظورات الى حد الأذنين لا ينتظر منه خير ولا ترجى منه فائدة.
وهي الصورة التي بلغت ذروتها بمناسبة ميلاد نادي قضاة المغرب وخروج القضاة من قوقعتهم ونزولهم من أبراجهم العاجية واختلاطهم وانفتاحهم على المجتمع، حيث اتضح جليا درجة انعدام الثقة في القضاء، بل والأخطر من ذلك الحقد والبغض الذي تكنه شريحة واسعة من المواطنين للقضاء وللقاضي، ويكفي المرء في هذا المجال أن يتتبع تعليقات الزوار على أي خبر كيفما كان منشورا بإحدى المواقع الالكترونية لتصيبه الصدمة مما يكال للقاضي من كل أصناف التهم و لما يلصق به من البلايا وكأنه والعياذ بالله شيطان متجسد في صورة انسان.
 صحيح أن ليست كل تلك التعليقات هي تلقائية، وأكيد أن نسبة كبيرة منها موجهة وموجهة -بكسرالجيم-، لكن لا أحد يستطيع ان ينكر أن المغاربة عموما لا يثقون في مؤسستهم القضائية.
 وصحيح أيضا أن سلوكات بعض أهل الدار ساهمت بشكل كبير في رسم تلك الصورة وترسيخها في أذهان الناس، غير أن منطق الأمور –ان كان للأمور منطق – كان يقضي أن يتم التعامل مع هذا الامر في اطاره دون اسقاط وضع البعض على الكل، ودون تعميم حكم الخاص على العام حتى لا يسقط المواطن المغربي في المحظور ويصيب أقواما من القضاة الشرفاء بجهالة نتيجة خبر زائف أو نتيجة لغو صادر عن فاسق، دون أن ننسى دور باقي المتدخلين في منظومة العدالة بكل ثقله وحمولاته والتي لا شك في أنها ساهمت وتساهم بشكل كبير في رسم تلك الصورة القاتمة عن القاضي المغربي في أعين العامة، فضلا عن دور شريحة واسعة من المواطنين أنفسهم ممن ألفوا الطرق الملتوية والصيد في الماء العكر سواء ممن كان منهم على حق أو من كان معتديا.
اليوم وبعد كل هاته السنين وبعدما خرج القضاة عن صمتهم بسبب جمعيتهم الأكثر تمثيلا-نادي قضاة المغرب- التي تأسست بالشارع العام، وحوصرت وضيق عليها وعلى أعضائها، بل ومنهم من هدد في نفسه ورزقه، يمكن ان نستنتج أن ما كان يحاك للقضاء منذ زمن بعيد هو أخطر من مجرد الإهمال وعدم الاهتمام المؤدي إلى النسيان، واعتباره موضوعا غير ذي أهمية او لا يأتي من ضمن أولويات اهتمام الحكومات المتعاقبة.
واقع الحال يدفعنا الى القول بأن مناهضي اصلاح القضاء وأعداء استقلال السلطة القضائية تنبؤوا منذ القدم بمجيء يوم ينتفض فيه القضاة ويخرجون فيه إلى الناس، ويعلنون احتجاجهم وتمردهم ضد النسيان. لأجل ذلك كرسوا جهدهم وتفكيرهم في إيجاد آلية لمواجهة يقظة القضاة دون الدخول في مواجهة مباشرة معهم حفظا لماء الوجه، فعمدوا الى ما عمدوا إليه من تأليب للرأي العام وتكريس لتلك الصورة النمطية لدى المواطن ضد القاضي، بحيث حتى إذا فار التنور واستيقظ القضاة من طول سباتهم وعميق نومهم، وضعوا بطريقة أوتماتيكية أمام سخط وغضب الرأي العام، وهو أمر من شأنه أن يكفي هؤلاء شر القتال وعناء الدخول في مواجهة غير محسوبة مع القضاة.
هو أمر يجب أن يتفطن له القضاة من داخل نادي قضاة المغرب، فالمواطن المغربي لا يثق في القضاء وإرجاع الثقة لهذا المواطن المغلوب على أمره يجب أن يشكل أول اهتمامات الجمعية المهنية لنادي قضاة المغرب خصوصا، والقضاة بصفة عامة، لأنه لا إصلاح من دون ارجاع الثقة للمواطن في قضائه، ولأنه مهما حقق النادي من نتائج فلن يكون لها طعم إلا بإرجاع الثقة للمواطن في مؤسسته القضائية .
على المواطن المغربي اليوم من جهته أن يفهم بأن هناك من يسعى الى وضعه في مواجهة حراك القضاة، ويجب أن يعي أيضا أن حراك القضاة من داخل نادي قضاة المغرب هو لأجل مصلحته بالدرجة الأولى، لأن هدف النادي هو التأسيس لسلطة قضائية حقيقية قوية ومستقلة يتساوى أمامها القوي والضعيف الغني والفقير، سلطة قضائية كفيلة بتحقيق الأمن القضائي وصون حقوق الافراد والجماعات والدفاع عن كراماتهم.
حراك القضاة يهدف أيضا الى معالجة بعض الظواهر المرضية التي تنخر جسم القضاء والأجهزة المتدخلة فيه أو المحيطة به، وذلك عن طريق الانخراط الايجابي في مسلسل التخليق وجعل القاضي في خدمة القانون والعدالة بعيدا عن كل ما من شأنه أن يدفع به الى الزيغ عن هذه الرسالة النبيلة، حراك القضاة يهدف في نهاية المطاف الى ما فيه صالح الوطن والمواطن.

عضو المجلس الوطني لنادي قضاة المغرب

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، استقلال القضاء ، مقالات ، المغرب



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية