دليل بحثي لمكافحة الفساد في طرابلس وعكار: خطوة في مشوار الألف ميل


2023-07-14    |   

دليل بحثي لمكافحة الفساد في طرابلس وعكار: خطوة في مشوار الألف ميل

شهد طرابلس مطلع الأسبوع الجاري إطلاق “الدليل البحثي حول مكافحة الفساد في طرابلس وعكار” وهو خطوة أولى في مسيرة الألف ميل لتعزيز الشفافية، والنزاهة في الإدارة العامة، ونشر ثقافة المساءلة بين المواطنين في لبنان ووضع أدوات بين أيديهم لتحقيق ذلك.

جاء الدليل كـ “ثمرة” لعمل تشاركي بين “مركز طرابلس لدراسة السياسات” الذي تأسس في عام 2021، وجمعية Shift. وقد استغرق إعداده بحسب الناشط سامر أنّوس (مدير البرامج في مركز طرابلس لدراسة السياسات) “أربعة أشهر من العمل المتواصل، تخللته مجموعة من الجلسات”، كما “اعتمد على العمل مع ناشطين وناشطات”، لذلك فهو “دليل بحثي تشاركي”. والأهم بحسب أنّوس أنّه الأوّل من نوعه على مستوى لبنان لناحية معالجته قضايا على الصعيد المحلي، وفي مناطق مهمّشة.

تمكين المجتمع المدني في معركة مكافحة الفساد

نهار الإثنين في العاشر من تموز، أطلق مركز طرابلس لدراسة السياسات، وShift، “الدليل البحثي حول مكافحة الفساد في طرابلس وعكار” في الرابطة الثقافية طرابلس في حفل حضره عدد من نواب المدينة، وناشطون في المجتمع المدني، ومهتمون بقضايا مكافحة الفساد في الشمال.تخلل الحفل مجموعة من المداخلات التي أكدت على أهمية الدليل في عملية مكافحة الفساد على مستوى لبنان، وتعزيز قيم المحاسبة. كما تضمن “مشهدًا تهكميًا”، يحاكي فيه “أبو نظمي” الدمية المتحركة الواقع المأساوي في لبنان، وانتشار الزبائنية في دائرة المعاملات والصفقات العمومية.

وقالت الناشطة والمهندسة بيرلا أرناؤوط في مداخلتها إنّه “في عام 2021، احتل لبنان المرتبة 154 من بين 180 دولة في مستوى الفساد حسب منظمة الشفافية الدولية”، حيث “أصبحت الدولة اللبنانية عاجزة عن تقديم الاحتياجات الأساسية لمواطنيها كالطبابة والتعليم”، واستشرى “سوء الإدارة وسوء التخطيط، وهدر ملايين الدولارات من المال العام” وسط عجز الدولة عن محاسبة مرتكبي الفساد. ومن هنا تأتي أهمية الدليل البحثي باعتباره “أداة لتمكين المجتمع المدني والجمعيات والحركات السياسية في معركة مكافحة الفساد”. وتطرق المدير التنفيذي لجمعية Shift للابتكار الاجتماعي غيث البيطار، إلى أهمية احتضان جميع المبادرات التي تؤدي إلى تطورات هامة في طرابلس. من هذا المنطلق تظهر أهمية الشراكة بين الجمعية ومركز طرابلس لدراسة السياسات، من أجل تكريس التكامل بين الشقين البحثي والتنفيذي الميداني، مؤكدًا على استمرار العمل التشاركي لتحسين الأوضاع في طرابلس.

جهد بحثي لامركزي

الدكتور سامر أنّوس سلّط الضوء على أهمية ظهور “عمل بحثي” خارج الإطار المركزي البيروتي، حيث اعتاد اللبنانيون على مراكز الدراسات المرتبطة بالجامعات الخاصة في العاصمة التي تأخذ اهتماماتها الطابع الوطني العام. من هنا، برزت الحاجة إلى “عمل بحثي على المستوى المحلي” في ظل غياب التخطيط.

يتحدث أنوس عن توثيق المشاريع التي تفوح منها شبهة الفساد، وذلك خلال العشرين سنة الماضية، وذلك للحؤول دون تكرار الأخطاء المرتكبة في السابق. ويقدم أنوس جردة لأكثر المشاريع التي طرحت إشكاليات قانونية، وشبهات، استنادًا إلى جهود الباحثين، والتحقيقات الصحافية، والدعاوى القضائية التي وثقت المخالفات، في ملف جبلي النفايات في طرابلس، معمل التسبيخ والفرز وسرقة أموال الهبة، ومحطة تكرير مياه المجارير التي أنفق على إقامتها 200 مليون دولار أميركي من دون وجود شبكة لربطها بها، وقضية العقار الوهمي في الميناء الذي تقدر قيمته بمئة مليون دولار، حيث تخلّى وزير النقل غازي العريضي (في عهده) عنه لصالح مدعي الملكية، قبل أن تسترجعه الدولة بعد سبع سنوات بدفع من المجتمع المدني، ناهيك عن المماطلة في التحقيقات في قوارب الهجرة غير النظامية، والمسلخ، ومنشآت النفط وغيرها من القضايا التي تفضح غياب التخطيط. في الشق العكاري، عبّر عن أسفه لـ “قلة الاهتمام بمعالجة ملفات الفساد في عكار، وتحديدًا الاستيلاء على العقارات والأوقاف، وصرف النفوذ، منبّهًا إلى غياب المحافظة من دائرة اهتمام الدولة المركزية، والتغطيات الإعلامية، واقتصار التغطيات الصحافية على الجرائم والأحداث الكبرى”.

تطرّق الدليل إلى الانتهاكات والتهديد الذي يطال البيئة في عكار، حيث تشهد الغابات حرائق من صنع الإنسان وقطعًا عشوائيًا للأشجار من دون رقيب ومحاسب، وتحقيق مكاسب مالية غير مشروعة من تجارة الأخشاب والفحم. بالإضافة إلى هدر الأموال العامة من قبل البلديات، ومجلس الإنماء والإعمار والوزارات المختصة، من خلال نهب المساعدات، وإجراء المناقصات بطريقة غير شفافة، والسمسرات، والمحسوبيات، والرشاوى للحصول على رخص البناء، وصولًا إلى “جريمة الشيخ أحمد شعيب الرفاعي بسبب محاربته الفساد المستشري في إدارة بلدية القرقف”، و”استخدام السلطة لمنافع خاصة حيث أقدم النائب السابق هادي حبيش في 2016 على ارتكاب مجزرة بيئية باقتلاع أكثر من 4500 شجرة معمّرة وبيعها حطبًا (نحو 7 آلاف طن تقدر قيمتها بـ 900 ألف دولار آنذاك. وأكثر من ذلك، عمد حبيش إلى شق الطريق وتعبيدها على نفقة وزارة الأشغال ومن مخصصات بلدية القبيات وجوارها” حسبما جاء في الصفحة 50 من الدليل.      

الدليل للجميع

استعرض المستشار القانوني للدليل المحامي مجد الأيوبي الخطوط العريضة للدليل، مؤكدًا على “صياغته بلغة مبسّطة يمكن فهمها من الجميع”، وقد “قسّم إلى شقين: شق يتصل بالوقائع والقضايا التي يحوم حولها الفساد، والشق الثاني يرتبط بالتشريعات والقوانين الجديدة التي أعقبت انضمام لبنان إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد”.

ينطلق الدليل من تعريف الفساد، وهو “من المصطلحات التي ظلّت تحتمل خلافًا في التأويل، واستنسابية في التوصيف” حسب الأيوبي، إلى أن صدر في عام 2020 القانون رقم 175/2020، الذي سمّي بقانون مكافحة الفساد في القطاع العام، وتحدث عن “استغلال السلطة، أو الوظيفة، أو العمل المتّصل بالمال العام، بهدف تحقيق مكاسب أو منافع غير مشروعة لنفسه أو لغيره بصورة مباشرة أو غير مباشرة”.

بعد ذلك، يستعرض الدليل جرائم الفساد، كالرشوة، وصرف النفوذ، والاختلاس واستثمار الوظيفة، وإساءة استعمال السلطة والإخلال بواجبات الوظيفة، فضلًا عن الجرائم المؤدّية إلى إفساد العمليات الانتخابية، وجرائم الإثراء غير المشروع. ويرفقها بنصوص من قانون العقوبات، وكذلك العقوبة المنصوص عليها في ذاك القانون. بالإضافة إلى 11 نصًا مرجعيًا قانونيًايرعى شؤون مكافحة الفساد في لبنان.

كما يوفر الدليل البحثي نصوصًا مرجعية، تؤهّل أصحاب المصلحة والصفة الاطّلاع عليها، واستعمالها في دعاويهم، سواء أكانت نصوص قانون مكافحة الفساد وتفصيل الجرائم، أو قانون “الإثراء غير المشروع” الذي نص على عقوبة تتراوح بين 3-7 سنوات سجنية. وكذلك شرح مسار مكافحة الفساد على الصعيد القانوني. ويلفت إلى أنه “بالرغم من إقرار القانون رقم 175/2020 المتعلق بمكافحة الفساد في القطاع العام وإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في 14 أيار 2020، وصدور قرار تشكيل أعضائها في 24 كانون الثاني 2022، لم يتم تفعيل أعمال الهيئة بسبب عدم إصدار النظام الداخلي بها، “ذلك يعني عدم قدرة الهيئة على استلام أي شكوى لعدم قدرتها على التحقيق بشأنها، كما لا يمكنها تأمين الحماية لكاشفي الفساد، ولا يمكنها حتى التدقيق بالتصريحات التي تصلها أو النظر في شكاوى عدم استجابة الإدارات لطلبات المعلومات”. من هنا، تبقى النيابة العامة معبرًا إلزاميًا لكل شخص يريد التقدم بشكوى أو إخبار بشأن قضية فساد.

كما يشير الدليل إلى نقص على مستوى توثيق العمل البلدي المحلّي، ولكنه في المقابل يتحدّث عن مخالفات شائعة كالرشوة والتزوير، والتوظيف المبني على المحسوبيّات، والهدر وتبديد المال العام، وغياب الشفافية في إجراءات الشراء العام.

تطوّر تشريعي متسارع

يتطرّق الأيوبي إلى تطوّر تشريعي، بحيث لم تعد جرائم الفساد تسقط بمرور الزمن، على غرار ما كان يجري في ظل الوصف الجنحي للجريمة، “حيث تذرّع أحد السياسيين المتهمين بقروض  الإسكان بسقوط الجريمة بمرور الزمن”، معتبرًا أنّ “لبنان يعيش في عصر ذهبي تشريعي لناحية إقرار قوانين مكافحة الفساد” وهو اقتباس من الدليل نفسه.

لكن الأيوبي يخشى في الوقت نفسه من عدم تنفيذ القوانين، واصفًا الحالة اللبنانية بأنّها “من الأسوأ عالميًا على مستوى تطبيق القوانين حيث احتل لبنان المرتبة 106 من أصل 140 على مستوى المؤشر الدولي لسيادة القانون”. لذلك، لا بد من التكامل بين النصوص القانونية المطوّرة، وعمل الأجهزة الرقابية. ومن ثمّ “وجوب استغلال التطورات التشريعية والاتجاه إلى الأجهزة الرقابية المختلفة، سواء أكانت أجهزة إدارية أو قضائية” حسب الأيوبي.

الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد “أمل أخير”

يعوّل المحامي مجد الأيوبي على إنشاء “الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد” في لبنان التي تتمتع بشخصية معنوية، واستقلال مالي وإداري، وتتألف من 6 أعضاء يشترط القانون قيودًا صارمة في تعيينهم، وهم قاضيان في منصب الشرف، محام، خبير محاسبة، خبير أمور مصرفية، وخبير في شؤون مكافحة الفساد.ويفترض بالأعضاء عدم تولّي أي منصب حزبي وسياسي في السنوات الخمس السابقة لتعيينهم، وحملهم درجة الماجستير على الأقل، وخبرة لا تقل عن 10 سنوات في مجال عملهم، ناهيك عن عدم إمكانية توليهم أي منصب سياسي أو نقابي بعد ست سنوات من استقالتهما وانتهاء خدماتهم، لذلك يشبههم مجد الأيوبي بـ “الكاميكاز”.

 كما يشدد على أهمية بند “سقوط الحصانات” أمام الهيئة في قضايا الإثراء غير المشروع، والفساد، والرشاوى، واختلاس المال العام. لذلك، ولإتمام أهم هذه الإصلاحات التي جاء بها إنشاء هذه الهيئة، يطالب الأيوبي “النواب والفاعلين بالحقل العام السؤال عن سبب عدم المصادقة على النظام الداخلي لهذه الهيئة”.

لتحميل الدليل الرجاء اضغطوا هنا.

انشر المقال

متوفر من خلال:

دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية