دعوات حقوقية لحماية “المحرومين من حريتهم” من خطر الوباء في تونس


2020-04-01    |   

دعوات حقوقية لحماية “المحرومين من حريتهم” من خطر الوباء في تونس

قرّر رئيس الجمهورية قيس سعيّد في 31 مارس 2020، تمتيع 1420 محكوما عليهم بالعفو الخاص، لتكون ثاني قائمة للمساجين المنتفعين بالعفو الرئاسي الخاص في ظرف أقلّ من أسبوعين، بعد القائمة الأولى التي شملت 1856 سجينا بمناسبة الذكرى 64 لعيد الاستقلال. وهو ما أفضى إلى سراح 670 سجينا منهم فيما تمتع البقية بالحطّ من مدة العقاب. وتأتي هذه الخطوة بعد 72 ساعة من نشر الرسالة المفتوحة التي توجهت بها 12 منظمة وجمعية يوم السبت 28 مارس 2020، إلى رئاسة الجمهورية وذلك لتخفيف عدد السجناء المحكومين في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد خوفا من انتشار فيروس كورونا في المؤسسات السجنية التي تعاني من الاكتظاظ. وتتزامن هذه المبادرة المحلية وقرارات رئيس الدولة مع دعوة مفوّضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت الحكومات إلى اتخاذ إجراءات عاجلة ضمن الجهود الشاملة المبذولة لاحتواء تفشي فيروس كورونا المستجدّ، بهدف حماية صحة وسلامة الأشخاص المحتجزين في السجون (المحرر).

 

بعد التعبير عن ارتياحها لقرار رئيس الجمهورية بالعفو عن أكثر من 1800 سجين بمناسبة عيد الاستقلال الموافق ل20 مارس 2020، والعمل على إعداد قائمة تكميلية جديدة سيشملها عفو مرتقب، عبّرت 12 منظمة وجمعية تونسية في رسالتها المفتوحة إلى رئاسة الدولة عن خشيتها من تفشي فيروس كورونا وسط السجناء وأعوان السجون وموظفي وزارة العدل وإطاراتها.

الموقعون وهم؛ الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان، الاتحاد العام التونسي للشغل، الهيئة الوطنية للمحامين، عمادة الأطباء التونسيين، النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، المنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، الجمعية التونسية للمحامين الشبان، الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، جمعية بوصلة، الأورو-متوسطية للحقوق (مكتب تونس)، منظمة محامون بلا حدود وأخيرا المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب ضمّنوا رسالتهم أربعة مطالب رئيسية، تهدف إلى الحدّ من انعكاسات الاكتظاظ داخل السجون وقسوة ظروف الإحتجاز. وقد تمحورت النقاط التي طرحتها هذه المبادرة حول إسعاف أكبر عدد ممكن امن لمسجونين بالعفو الخاص طبق القانون مع التوسع في المعايير وذلك بتطبيق شرط قضاء نصف العقوبة والاستغناء عن معايير أخرى أكثر صرامة باتجاه حماية أكبر عدد ممكن من الأشخاص.

كما طالبت المنظمات بالتوسيع في قائمة الجرائم التي يمكن أن يشملها العفو والتي تستثنى عادة من هذا الإجراء في الظروف العادية، إضافة إلى تفعيل آلية الحطّ من العقوبة وتوسيعها لتشمل جرائم لا تدخل في قائمة الجرائم التي تتمتع بهذا الاجراء في الظروف العادية.

أما النقطة الأخيرة فكانت بخصوص تمتيع أكبر عدد ممكن من الموقوفين تحفظيا، باستثناء المجرمين الخطيرين والمورّطين في قضايا إرهابية أو قضايا احتكار، بالإفراج والتخفيف من شروطه خصوصا وأن الحظر الصحي الشامل سيحول دون ارتكابهم لجرائم أخرى وسيكون ضامنا لتنفيذ العقوبة باعتبار أنه لا يسمح لهم بمغادرة البلاد أو حتى مقرّات سكناهم.

في المقابل، وفي نفس اليوم، أكّد سفيان مزغيش، الناطق الرسمي باسم الإدارة العامة للسجون والإصلاح، خلال تصريح لوكالة تونس أفريقيا للأنباء، أنّ المؤسسات السجنية لم تسجّل حتى اللحظة أيّ إصابة بفيروس كورونا سواء بالنسبة للأعوان أو المساجين. وقد أوضح مزغيش أن إدارة السجون اتخذت جملة من الإجراءات[1] منذ شهر فيفري 2020، للحفاظ على سلامة المساجين والأعوان والضباط والإطارات الطبية وشبه الطبية العاملة بالسجون، وذلك عبر تعليق الزيارات المباشرة للمساجين والاكتفاء بالزيارات العادية التي يكون فيها السجين مفصولا عن زائره بحاجز، إضافة إلى تعقيم كل ما يدخل إلى المؤسسة السجنية. كما تم تحسين جودة الإعاشة وتوفير الأدوية والمعدّات الصحية كالكمامات والقفازات وأدوات قيس الحرارة للأعوان وللمساجين الذين يُعرضون على المحكمة.

أما بالنسبة للوافدين الجدد، فتمّ توفير أجنحة معزولة في عدد من المؤسسات السجنية، تجنّبا لاختلاطهم مع المساجين الآخرين خلال فترة الملاحظة التي تدوم 14 يوما، توقيا من أي إمكانية لنقل العدوى إلى داخل السجون. ويمثل الموقوفون الجدد[2] معضلة حقيقة في ظلّ ارتفاع نسق الإيقافات على خلفية خرق الحجر الصحي العام أو حظر الجولان.

بعد 3 أيّام من نشر هذه الرسالة، وبتاريخ 31 مارس 2020، نشرت رئاسة الجمهورية بيانا أعلنت فيه قرار رئيس الجمهورية قيس سعيّد تمتيع 1420 محكوما عليهم بالعفو الخاص، وذلك بعد لقاء جمعه بوزيرة العدل ثريا الجريبي وأعضاء لجنة العفو المتكونة من عماد الدرويش وكيل الدولة العام مدير المصالح العدلية، وجمال سحابة المدعي العام للشؤون الجزائية وإلياس الزلاق مدير عام السجون والإصلاح، واطلاعه على نتائج أعمال لجنة العفو التي نظرت في ملفات 2022 محكوما عليهم.

 

تحذيرات أممية من خطر تفشي الوباء في السجون

تسليط الضوء على قضية المحتجزين في السجون ومصيرهم في ظل ازدياد انتشار فيروس كورونا لم ينفصل محليّا عن السياق الدولي، بعدما دعت مفوضيّة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى عدم التغافل عمن "يقبعون وراء القضبان، والمحاصرين في أماكن مثل مرافق الصحة العقلية المغلقة، ودور العجزة، ودور الأيتام، لأن عواقب إهمالهم قد تكون كارثية".

وقد حذر البيان الصادر عن الهيئة الأممية في 25 مارس 2020، من تفشّي المرض وارتفاع عدد الوفيات المبلغ عنها في السجون في عدد متزايد من البلدان، داعيا السلطات إلى التحرك الفوري لمنع المزيد من الخسائر في الأرواح في صفوف المحتجزين والموظفين". هذا ودعت مفوّضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان باشيليت الحكومات والسلطات المعنيّة إلى العمل بسرعة للتخفيف من عدد المحتجزين ودراسة سبل الإفراج عن الأشخاص المعرضين بشكل خاص لخطر الإصابة بفيروس كورونا، ومن بينهم المعتقلون الأكبر سنا والمرضى، بالإضافة إلى المجرمين الذين لا يمثلون خطرا كبيرا.

وقد نبهت مفوضيّة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان من أن تؤدي التدابير المتّخذة للتصدي لأي أزمة صحية إلى تقويض الحقوق الأساسية للمحتجزين مذكرة أن الدولة تتحمل مسؤولية حماية الصحة البدنية والعقلية للسجناء ورفاههم، بحسب ما تنص عليه قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء والمعروفة أيضا بقواعد نيلسون مانديلا. هذا وكشفت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أنها تعمل مع منظمة الصحة العالمية على إنهاء ورقة توجيهية مؤقتة بعنوان "فيروس كورونا المستجد: التركيز على المحرومين من حريتهم". هذه الوثيقة التي ستصدر خلال الأسبوع الجاري بحسب نفس البيان سيتمّ توجيهها إلى باقي وكالات الأمم المتحدة والحكومات والمؤسسات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني لشرح مختلف الإجراءات الأساسية الخاصة بالتعاطي مع السجناء خلال هذه الأزمة.

 


[1] المساجين في ظل مخاطر الكورونا في تونس: حلول جزئية في مواجهة غير متكافئة – محمد العفيف الجعيدي – المفكرة القانونية – 28/03/2020

[2] محاكمات الحجر الصحي في تونس: تشدد قضائي حيث وجب الحذر وعقوبة من دون نص – محمد العفيف الجعيدي – المفكرة القانونية – 27/03/2020

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الصحة والتعليم ، تونس ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *