خواطر حول مهمة وقواعد اختيار لجنة “الخمسين” لتعديل الدستور المصري


2013-08-14    |   

خواطر حول مهمة وقواعد اختيار لجنة “الخمسين” لتعديل الدستور المصري

بعد ثورة 30 يونية حزيران 2013 في مصر، اتفـقت القوى الوطنية على محاور خارطة الطريق للتحول الديمقراطي خلال الفترة الانتقالية الثانية منذ ثورة 25 يناير 2011. وفي 3 يوليه تموز أعلن القائد العام للقوات المسلحة خارطة الطريق، التي تضمنت تولي رئيس المحكمة الدستورية العليا الرئاسة المؤقتة لمصر خلال الفترة الانتقالية الثانية، على أن يكون له حق إصدار إعلانات دستورية، كما تضمنت تعطيل دستور 2012 "الإخواني" بشكل مؤقت.
وتنفيذاً لخارطة الطريق، أصدر المستشار عدلي منصور، الرئيس المؤقت للبلاد في 8 يوليه 2013، إعلاناً دستورياً اشتمل على ثلاث وثلاثين مادة لتنظيم التحول الديمقراطي خلال المرحلة الانتقالية. نصت المادة 28 من الإعلان على أن تشكل بقرار من رئيس الجمهورية خلال مدة لا تجاوز خمسة عشر يوماً من تاريخ صدور هذا الإعلان لجنة من عشرة خبراء تختص باقتراح التعديلات على دستور 2012 المعطل، على أن تنتهي من عملها خلال ثلاثين يوماً من تاريخ تشكيلها. وقد صدر بالفعل القرار الجمهوري الخاص بتشكيل اللجنة برئاسة مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الدستورية والقانونية وبدأت عملها بتلقي المقترحات، وتعكف الآن على اقتراح التعديلات الدستورية التي سوف تعرضها على لجنة "الخمسين"، وقد صرح رئيس لجنة الخبراء بأنها سوف تنتهي من عملها قبل الموعد المحدد لها وهو ثلاثين يوماً منذ بدء اجتماعاتها.
أما لجنة "الخمسين"، فقد نصت عليها المادة 29 من الإعلان الدستوري، وهي التي سيعرض عليها مقترح التعديلات الدستورية التي أعدتها لجنة الخبراء. وجاء نص المادة ٢٩ على النحو التالي: "تعرض اللجنة المنصوص عليها في المادة السابقة مقترح التعديلات الدستورية على لجنة تضم خمسين عضواً، يمثلون كافة فئات المجتمع وطوائفه وتنوعاته السكانية، وعلى الأخص الأحزاب والمثقــفين والعمال والفلاحين وأعضاء النقابات المهنية والاتحادات النوعية والمجالس القومية والأزهر والكنائس المصرية والقوات المسلحة والشرطة والشخصيات العامة، على أن يكون من بينهم عشرة من الشباب والنساء على الأقل، وترشح كل جهة ممثليها، ويرشح مجلس الوزراء الشخصيات العامة. ويتعين أن تنتهي اللجنة من إعداد المشروع النهائي للتعديلات الدستورية خلال ستين يوماً على الأكثر من ورود المقترح إليها، تلتزم خلالها بطرحه على الحوار المجتمعي. ويصدر رئيس الجمهورية القرارات اللازمة لتشكيل اللجنة وتحديد مكان انعقادها، وتحدد اللجنة القواعد المنظمة لعملها والإجراءات الكفيلة بضمان الحوار المجتمعي حول التعديلات".
وتمهيداً لإصدار القرار الجمهوري الخاص بتشكيل اللجنة، دعت رئاسة الجمهورية في بيان لها صدر يوم 7/8/2013 الجهات المعنية بالترشيح للجنة "الخمسين" للتقدم بترشيحاتها لعضوية اللجنة، على أن تقدم عدد الترشيحات الأصلية المطلوبة وعدداً مماثلاً على الأقل من الترشيحات الاحتياطية. وقسم بيان رئيس الجمهورية الترشيحات على النحو التالي:
أولاً: يرشح الأزهر الشريف ثلاثة مرشحين عنه، على أن يكون أحدهم من شباب علمائه.
ثانياً: ترشح الكنائس المصرية مجتمعة ثلاثة مرشحين.
ثالثاً: أربعة مرشحين عن الشباب ممن لا تتجاوز أعمارهم 40 عاماً، واحد على الأقل من شباب حركة "تمرد"، وواحد على الأقل من شباب 25 يناير، ومرشحان من شباب المهنيين الفاعلين في 25 يناير أو 30 يونية.
رابعاً: ترشح التيارات السياسية الأربعة الرئيسية والممثلة في أحزاب تحمل توجهاتها مرشحيها على النحو التالي:
    •    مرشحان اثنان عن أحزاب التيار الإسلامي بالتوافق بينها.
    •    مرشحان اثنان عن أحزاب التيار الليبرالي بالتوافق بينها.        
    •    مرشح واحد عن أحزاب التيار اليساري بالتوافق بينها.
    •    مرشح واحد عن أحزاب التيار القومي بالتوافق بينها.
خامساً: يرشح قطاع الثقافة المصري ممثليه بمعدل واحد عن اتحاد الكتاب وواحد عن اتحاد النقابات الفنية وواحد عن قطاع الفنون التشكيلية والتطبيقية وواحد عن المجلس الأعلى للثقافة.
سادساً: العمال والفلاحين: مرشحان عن اتحادات ونقابات العمال بمختلف تشكيلاتها وبالتوافق بينها، ومرشحان عن اتحادات ونقابات الفلاحين بمختلف تشكيلاتها وبالتوافق بينها.
سابعاً: النقابات المهنية بمعدل مرشح واحد لكل من نقابات المحامين والأطباء والمهندسين والصحفيين.
ثامناً: الاتحادات النوعية بمعدل مرشح لكل من اتحاد الغرف السياحية واتحاد الغرف الصناعية واتحاد الغرف التجارية واتحاد طلاب مصر والاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية.
تاسعاً: المجالس القومية بمعدل مرشح واحد لكل من المجلس القومي للمرأة والمجلس القومي للأمومة والطفولة والمجلس القومي لحقوق الإنسان والمجلس الأعلى للجامعات والمجلس القومي لمتحدي الإعاقة يكون من ذوي الاحتياجات الخاصة.
عاشراً: مرشح واحد عن القوات المسلحة.
حادي عشر: مرشح واحد عن هيئة الشرطة.
ثاني عشر: يرشح مجلس الوزراء عشرة من الشخصيات العامة، ويراعى أن يكون منهم ممثلون للتنوع الجغرافي المصري كالدلتا والصعيد وسيناء والنوبة ومطروح، مالم يكن ذلك قد تحقق في ترشيحات الجهات السابقة.
ولنا على مهمة اللجنة وقواعد تشكيلها بعض الملاحظات، نوجزها فيما يلي:
1.أن تقـليل عدد أعضاء اللجنة إلى خمسين عضواً هو اتجاه محمود من شأنه أن يقلل الخلافات بين أعضائها ويساعد على سرعة إنجازها للمهمة الموكلة إليها، وتلك حسنة كبيرة من حسنات الإعلان الدستوري الصادر في 8 يولية 2013.
2.أن القواعد التي أعلنها بيان رئاسة الجمهورية لن ترضي كل الأطراف، لا سيما أحزاب التيار الإسلامي التي حصلت مجتمعة على مقعدين فقط في لجنة "الخمسين"، أي بنسبة 4% من اللجنة، وكذلك العمال والفلاحين الذين اعتادوا على نسبة 50% من المقاعد التمثيلية منذ ثورة يولية 1952، والآن يحصلون على نسبة 8 % في لجنة "الخمسين" لإعداد التعديلات الدستورية. وفي تقديري أن أحزاب التيار الإسلامي لن ترشح أحداً في هذه اللجنة، ولم تحدد القواعد الصادرة عن رئاسة الجمهورية الموقف الواجب اتباعه في حال امتناع جهة من الجهات المحددة عن ترشيح من يمثلها، هل يتم الاستغناء عنها أو تتولى جهة معينة اختيار من يمثلها من المقربين منها أو المنتمين إلى فكرها؟ كذلك قد يثور الخلاف حول هوية بعض الأحزاب فيما يتعلق بالتيار السياسي الذي تنتمي إليه من التيارات السياسية الأربعة الرئيسية وهي الإسلامي والليبرالي واليساري والقومي.
3.أن هناك بعض الجهات سارعت فور صدور القواعد الخاصة بتشكيل اللجنة إلى تحديد مرشحيها لعضوية هذه اللجنة، مثل الكنائس المصرية التي اختارت ثلاثة من رجال الدين يمثلون الكنائس الثلاث الرئيسية، والمجلس القومي للمرأة الذي رشح رئيسته المدافعة دوماً عن حقوق المرأة، وهو ما يعني موافقة هذه الجهات على حصتها في تشكيل لجنة التعديلات الدستورية.
4.اشترطت القواعد أن يكون بين أعضاء اللجنة عشرة من الشباب والنساء على الأقل، أي بنسبة 20%. ونأمل أن ينص في مقترح التعديلات الدستورية التي سوف تعدها اللجنة على وجوب ألا يقل تمثيل الشباب والنساء في كافة مؤسسات الدولة عن 20% على الأقل، سواء كان تشكيل هذه المؤسسات يتم عن طريق الانتخاب أو التعيين، ومن دون استثناء لأي مؤسسة، وذلك لتمكين الشباب ذكوراً وإناثاً من قيادة مسيرة الوطن في المرحلة القادمة.
5.نأمل أن تراعي الجهات التي أنيط بها اختيار ممثليها معيار الخبرة الفنية والكفاءة والمقدرة على صياغة دستور مصري لعقود قادمة، وعلى سبيل المثال ليس من الضروري أن يختار الأزهر والكنائس المصرية رجال دين كأعضاء في لجنة الخمسين، بل الأفضل أن تختار هذه الجهات من بين المنتمين إليها أعضاء لهم دراية بالقانون والدستور وأصول الصياغة القانونية والدستورية، ويكون لهم حق الرجوع إلى جهاتهم لاستطلاع رأيها.
6.شهدت الساحة المصرية خلافاً حول مسألة تعديل دستور 2012 أو إصدار دستور جديد، وهو ما سوف ينعكس على عمل لجنة "الخمسين". ويرى البعض بحق أن مصر تحتاج بعد ثورة كبيرة مثل ثورة 30 يونية 2013 إلى دستور جديد يستحقه شعب مصـر، دستور يكرس الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة. لكن خارطة الطريق -والإعلان الدستوري من بعدها -تتحدث عن تعديل الدستور المعطل، ونرى أن قدر التعديل غير محدد في خارطة الطريق أو في الإعلان الدستوري بمواد معينة، لذلك يمكن من حيث المبدأ أن يشمل التعديل كافة مواد دستور 2012، وبذلك نصل إلى صياغة دستور جديد في شكله ومضمونه، وهو ما نؤيده لأن مصر بعد 30 يونية 2013 ليست في مرحلة انتقالية فقط، لكنها في مرحلة تأسيس لدولة مدنية ديمقراطية حديثة، لم يتحقق منها أي شيء منذ ثورة 25 يناير 2011 وحتى الآن.
7.نأمل من لجنة "الخمسين" أن تستهدي بالدساتير المصرية السابقة فيما يتعلق بهوية الدولة المصرية كي تخرج بدستور يعبر عن كل المصريين، بما فيها دستور 2012 باعتباره وثيقة دستورية. وفي هذا الخصوص يثار التساؤل عن المادة الثانية التي تحدد الهوية الإسلامية للدولة المصرية وتجعل من مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع فيها. ونحن نرى ضرورة الإبقاء على هذه المادة مع حذف المادة 219 التي أقحمت في دستور 2012 لتفسير المادة الثانية. فالمادة 219 أسيئ فهمها وتطبيقها تعددت تفسيراتها، فضلاً عن أنها قد تقودنا إلى ما يشبه ولاية الفقيه. ولم تغير المحكمة الدستورية العليا تفسيرها للمادة الثانية من دستور 2012 في حكم حديث لها صدر في 2013 عما سبق أن قررته بخصوص هذه المادة في ظل الدساتير السابقة، ويعني هذا أن وجود المادة 219 المستحدثة التي يفخر السلفيون بإنجازهم لها لا يضيف جديداً إلى المادة الثانية، ويكون حذفها من قبيل سد الذرائع ودرء الفتن والمفاسد التي تترتب لا محالة على الإبقاء عليها.
8.تأكد من فترة حكم الإخوان المسلمين ضرورة أن تتضمن التعديلات الدستورية الجديدة نصاً صريحاً يحظر تأسيس الأحزاب على أساس ديني، لأن ذلك لا يتفق مع الدولة المدنية التي يتطلع إليها غالبية الشعب المصري، مع وجوب قيام ما يكون منها على أساس ديني بتوفيق أوضاعه خلال مدة يحددها الدستور.  ونعتقد أن أكثر المقترحات التي وردت إلى لجنة الخبراء المكلفة باقتراح التعديلات الدستورية كانت تدور حول المطالبة بضرورة النص على حظر إنشاء الأحزاب الدينية. إن الحفاظ على الوحدة الوطنية التي عاش المصريون في ظلها لقرون عديدة تفرض دون تردد النص صراحة على حظر الأحزاب الدينية لتجنب خلط الدين بالسياسة.
9.نأمل من لجنة "الخمسين" أن تعيد صياغة النصوص الخاصة بالمساواة بين أبناء الوطن الواحد، فلا تكون هناك بينهم أدنى تفرقة في الحقوق والواجبات لأي سبب. ونؤكد بصفة خاصة على المساواة بين الرجل والمرأة في النصوص الخاصة بالحقوق والواجبات في عبارات تجمع بين المواطنين والمواطنات، فيرد النص على المواطنين والمواطنات في كل مرة يتعلق الأمر بحق من الحقوق أو بواجب من الواجبات. ويتفق هذا مع شرع الله الذي سوى بين المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، والقانتين والقانتات، والذاكرين الله كثيراً والذاكرات، والمتصدقين والمتصدقات. وهذه التسوية الشرعية في خطاب الله للناس لم تقتصر على الحقوق والواجبات، بل شملت أيضاً الجزاءات فنجد عقوبة واحدة للسارق والسارقة، وللزانية والزاني …إلخ.
10.نؤكد على ضرورة طرح المشروع النهائي للتعديلات الدستورية على الحوار المجتمعي خلال المدة المحددة في نص المادة 29 من الإعلان الدستوري، وهو  ما لم يحدث في دستور 2012 "الإخواني-السلفي". فقد قيل عند وضع دستور 2012 أنه لن يصدر إلا بتوافق مجتمعي وأنه سوف يطرح للحوار المجتمعي، لكن الأمر اقتصر على مجرد الأقوال ولم تتحول الأقوال إلى أفعال. فقد انتهت الجمعية التأسيسية للدستور ذات التشكيل الديني من صياغة الدستور وقُدم إلى رئيس الجمهورية السابق محمد مرسي الذي قبله ودعا الشعب للاستفتاء عليه خلال خمسة عشر يوماً، فأتت قبلة الدستور بمثابة قبلة الوداع لهذا الدستور ونظام الحكم الذي انبنى عليه.
يأمل المصريون جميعاً أن يكون الدستور الجديد بعد الاستفتاء عليه فاتحة خير لتأسيس نظام ديمقراطي حقيقي طال انتظاره، يمهد لانتخابات نيابية معبرة عن توجهات الشعب، يدعو إليها رئيس
الجمهورية المؤقت خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ إعلان موافقة الشعب على مشروع التعديلات الدستورية، ثم لانتخابات رئاسية يدعو إليها مجلس النواب الجديد خلال أسبوع على الأكثر من أول انعقاد له، طبقاً لما حددته المادة 30 من الإعلان الدستوري الصادر في 8 يوليه 2013 ويؤكد هذا المسار الديمقراطي المنتظر، الذي ارتضاه الشعب المصري بعد ثورة 30 يونية 2013 وضمنه خارطة الطريق ، ثقل المهمة الملقاة على عاتق لجنة "الخمسين" ، التي يتعين عليها أن تنتهي من إعداد المشروع النهائي للتعديلات الدستورية خلال ستين يوماً على الأكثر من تاريخ ورود مقترحات لجنة الخبراء إليها ، بما في ذلك التزامها بطرح المشروع النهائي للتعديلات على الحوار المجتمعي خلال المدة ذاتها. وفي انتظار ورود مقترح لجنة الخبراء بعد انتهاء إجازة عيد الفطر، لا نملك إلا التمني بأن توفق كافة الجهات الممثلة في لجنة "الخمسين" في اختيار ممثليها في اللجنة وفق معايير الخبرة والكفاءة والوطنية الخالصة لضمان مستقبل أفضل لمصر وشعبها.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، دستور وانتخابات ، مصر



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية