خلافا لقانون الوظيفة العامة، قضاة المغرب محرومون من إجازة الأبوة


2023-08-21    |   

خلافا لقانون الوظيفة العامة، قضاة المغرب محرومون من إجازة الأبوة

أعلن نادي قضاة المغرب أنه تواصل مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية بعد توصله بمعلومات متواترة مفادها حرمان عدد من القضاة من الاستفادة من رخصة الأبوة . وتأتي هذه المبادرة التي تكرس أدوار الجمعيات المهنية للقضاة في الدفاع عن مطالب مهنية للقضاة  بعد مرور زهاء سنة على دخول قانون جديد يتيح لموظفي القطاع العمومي بالمغرب حقّ الاستفادة من رخصة الأبوة لمدة 15 يوما مدفوعة الأجر يستفيد منها كل أب موظف ولد له طفل.

حقّ إجازة الأبوة بين قانون الوظيفة العمومية والنظام الأساسي الخاص

مند تعديل قانون الوظيفة العمومية ودخول المقتضيات المتعلقة باستفادة موظفي القطاع العام من رخصة الأبوة، سجل تفاوت بين المحاكم المغربية في تنزيل هذا المقتضى الجديد. ففي الوقت الذي وافق فيه عدد من المسؤولين القضائيين على طلبات القضاة للاستفادة من رخصة 15 يوما مدفوعة الأجر كإجازة للأبوة، اعتمادا على مقتضيات قانون الوظيفة العمومية الذي يبقى بمثابة الشريعة العامة، رفض مسؤولون قضائيون آخرون تطبيق هذا المقتضى لكونه غير مشمول بالتعديلات الجديدة التي عرفها النظام الأساسي للقضاة وقانون المجلس الأعلى للسلطة القضائية مطلع العام الجديد، خاصة أمام عدم صدور أي دورية أو منشور عن المجلس الأعلى للقضاء لحلّ هذا الإشكال.

وفي هذا السياق، أكّد رئيس نادي قضاة المغرب عبد الرزاق الجباري،  أنّ نقاشا أثير وسط الجسم القضائي بالمغرب، عقب نشر القانون رقم 30.22 القاضي بتغيير النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية في الجريدة الرسمية، حول مدى استفادة القضاة من هذا النوع من الرخص، خصوصا رخصة الأبوة بالنسبة للآباء من القضاة ورخصة الكفالة للقضاة والقاضيات معا، وقد تبيّن من خلال عدد من المكاتب الجهوية للنادي عدم منح هذه الرخص من طرف جلّ المسؤولين القضائيين بالمحاكم إلا نادرا، بعلة أنّ الفصل الرابع من قانون الوظيفة العمومية يستثني تطبيق هذا القانون على القضاة كونهم يخضعون إلى نظام خاصّ.

دفاعا على التأويل الديمقراطي للنصوص

طالب نادي قضاة المغرب بـالتأويل الديمقراطي للفصل الرابع من  قانون الوظيفة العمومية وتطبيقه على القضاة فيما لم ينص عليه نظامهم الأساسي، ويستند النادي في دفاعه عن هذا المطلب على مبدأ المساواة بين جميع الأشخاص أمام القانون، طبقا للفصل السادس من الدستور، إذ لا مبرر لتمييز القضاة عن باقي الموظفين العموميين بهذا الخصوص، فضلا على ضرورة احترام مبدأ تمتيع الرجل والمرأة، بغض النظر عن مركزيهما، على قدم المساواة، بكافة الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، طبقا للفصل 19 من الدستور، وكل ذلك تعزيزا لحقوق القضاة، رجالا ونساء، وتمكينهم من التوفيق بين حياتهم المهنية وحياتهم الخاصة، وذلك انسجاما مع مبدأ المسؤولية المشتركة للزوجين الذي تكرسه مدونة الأسرة.

وفي هذا الصدد عبر رئيس نادي القضاة عن موقف النادي الرافض للتأويل الذي يعطى للفصل الرابع من قانون الوظيفة العمومية من قبل بعض المسؤولين القضائيين، لأن “إرادة المشرع في نصه على عدم تطبيق القانون المذكور على القضاة ترتبط بعلة مراعاة بعض الخصوصيات التي تتميز بها الوظيفة القضائية، أما ما دون هذه الخصوصيات، فيبقى القانون المذكور شريعة عامة فيما لم ينظمه النظام الأساسي للقضاة وما لم يخالف تلك الخصوصيات”، معتبرا أن عدم تمتيع القضاة برخصة الأبوة والكفالة “ليس فيه مراعاة لأية خصوصية قضائية”، طالما أن هذه الرخصة “مرتبطة بإنسانية الموظف، وهو ما يشترك معه فيها القاضي باعتباره إنسانا، فلا تمييز في هذا الشأن بين القاضي وغيره من الموظفين”.

وختم رئيس نادي القضاة بالقول: “نتمنى من المجلس الأعلى للسلطة القضائية أن يصدر توجيها عاما بهذا الخصوص، يراعي التأويل الديمقراطي لقانون الوظيفة العمومية المنبني على أساس المساواة بين جميع أطر وموظفي الدولة”.

استفادة القضاة من رخصة الأبوة : محاولة لكسر الصور النمطية 

يعيد النقاش الدائر داخل الأوساط القضائية بالمغرب حول استفادة القضاة من رخصة الأبوة وكذا رخصة كفالة الأطفال حديثي الولادة، إشكالية أعمق بشأن استفادة القضاة من الحقوق والحريات المكفولة لهم كمواطنين.

 حيث يعرف الجسم القضائي وجود توجه محافظ يمثله عدد من المسؤولين القضائيين، يتشبثون بالتفسير الحرفي للنصوص، ويعتبرون أن ممارسة عدد من الحقوق والحريات المكفولة لعموم المواطنين من طرف القضاة يحتاج الى صدور نص خاص، وهو نقاش أثير عقب صدور دستور 2011 الذي كرس حق القضاة في الانخراط في الجمعيات المدنية وتأسيس جمعيات مهنية، حيث ووجهت محاولة تأسيس جمعية نادي قضاة المغرب بالمنع، بعلة عدم تعديل النظام الأساسي للقضاة لتكريس حق حرية التجمع للقضاة، كما أن مراجعة قانون الوظيفة العمومية سابقا ورفع مدة إجازة الأمومة من 12 أسبوعا إلى 14 أسبوعا، جعل عددا من المسؤولين القضائيين يرفضون تطبيق هذا المستجدّ لفائدة القاضيات متمسّكين بوجود نظام خاصّ ينظم حقوقهن، وهو نفس الإشكال الذي أثير بخصوص تعديل مدة العطل، لجعلها تشمل أيام العمل الفعلية من دون احتساب أيام العطل الدينية والوطنية..

ويركز هذا التوجه على اعتبار الحقوق والحريات العامة للقضاة منفصلة عن حقوق باقي المواطنين وهي غير قابلة للتنزيل بشكل فوريّ، وإنما تحتاج إلى تعديلات بنصّ خاصّ وصريح، في إطار تصوّر معيّن للمهام والوظيفة القضائية.

من جهة ثانية، تعوّل الجمعيات النسائية على أهمية إقرار رخصة الأبوة داخل الوظيفة العمومية في كسر الصور النمطية وتكريس ثقافة الذكورة الإيجابية، القائمة على تقاسم الأدوار والمسؤوليات العائلية  ومفهوم الرعاية المشتركة للزوجين لأطفالهما، في مقابل التصور المحافظ الذي يربط رخصة الأمومة بمهمة الإنجاب والإرضاع كدور تقليدي للمرأة. ومعلوم أن المرفق القضائي يبقى من بين أهم المرافق التي تعرف سيادة الصور النمطية وهو ما يبدو في طريقة توزيع المهام القضائية ومناصب المسؤولية حيث يسجل الحضور الضعيف للنساء القاضيات، وغالبا ما يفسر ذلك بانشغالهن بالأعباء الأسرية.

وتجدر الإشارة إلى أن نادي قضاة المغرب سبق وأن سجل استمرار العراقيل التي تحول دون وصول المرأة القاضية إلى مناصب المسؤولية القضائية بالمحاكم داعيا إلى تحسين ظروف عملها وذلك بالزيادة في الموارد البشرية لحلّ مشكل الخصاص بالمحاكم المغربية وإقرار برامج تساعد على الرفع من حظوظهن في التباري حول مناصب مهام المسؤولية  القضائية .

مواضيع ذات صلة

سابقة في المغرب: رخصة الأبوة 15 يوما مدفوعة الأجر للأب الموظف الذي ولد له طفل

ظاهرة استقالات القضاة في المغرب

أدوار الجمعيات المهنية للقضاة في الدفاع عن مطالب مهنية للقضاة

نادي قضاة المغرب يدشن حملة لرفض تعديلات قوانين السلطة القضائية

تغييب النساء القاضيات عن مناصب المسؤولية بالمغرب: إشكالية السقف الزجاجي

مشكل الخصاص في المحاكم المغربية

انشر المقال

متوفر من خلال:

قضاء ، قرارات قضائية ، تشريعات وقوانين ، مقالات ، المغرب ، المهن القانونية



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية