خصم نسبة من أجور الموظفين لمواجهة تداعيات الوباء الاقتصادية: مزيد من الأعباء على الفئات الأكثر احتياجاً في مصر؟


2020-08-21    |   

خصم نسبة من أجور الموظفين لمواجهة تداعيات الوباء الاقتصادية: مزيد من الأعباء على الفئات الأكثر احتياجاً في مصر؟
الصورة منقولة عن موقع العربي الجديد | www.alaraby.co.uk

قامت العديد من دول العالم، بعد إعلان منظمة الصحة العالمية فيروس كورونا جائحة عالمية في مارس الماضي، باتخاذ الإجراءات المختلفة من أجل الحد من انتشار المرض. تراوحت هذه الإجراءات بين الإغلاق الجزئي والكلي. وعلى الرغم من جدوى هذه السياسات على القطاع الصحي إلا أنه لا يخفى على أحد الآثار الاقتصادية السلبية المتوقعة من جراء هذه السياسات.

وفي محاولة لمواجهة هذه التداعيات الاقتصادية، قامت العديد من الحكومات باتخاذ بعض إجراءات الحماية الاجتماعية والتي تهدف إلى حماية وتقديم الدعم للطبقات الأكثر تضرراً بسبب هذه الجائحة العالمية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، قامت فرنسا باستحداث نظام البطالة الجزئية[1] والذي بمقتضاه تقوم الحكومة بدفع 80% من الأجر الشهري الصافي للعمال في أي مؤسسة من الممكن أن تتسبب الأزمة الاقتصادية الناتجة عن جائحة الكورونا في أن تتعرض للإفلاس ومن ثم تسريح العمال. وذلك من أجل حماية العاملين من أن يفقدوا وظائفهم بسبب عدم قدرة الشركات على تحمل دفع الرواتب في ظل سياسات الإغلاق الكلي المتبعة. كما أن إيطاليا قدمت مساعدات مادية للطلبة من أجل مساعدتهم على نفقات المعيشة وخاصة مع فقدانهم لبعض الوظائف التي يقوم بها هؤلاء الطلاب.

الجدير بالذكر أن التداعيات الاقتصادية التي ستترتب على تدابير الحجر الصحي الذي فرضته الدول من أجل الحد من تفشي فيروس كورونا سوف تكون وخيمة وستستمر آثارها لفترة طويلة حتى بعد انتهاء الأزمة الصحية. فمن المتوقع أن تعاني مختلف الاقتصادات من ركود يشبه الركود الذي حدث بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008.

وعليه فقد كان على الحكومات اتخاذ الإجراءات اللازمة من أجل دفع عجلة الإنتاج والتخفيف على كاهل المواطنين.

وبالنظر إلى الحالة المصرية، نجد أن الحكومة قد اتخذت بعض إجراءات الإغلاق الجزئي والتي من شأنها تقليل سرعة انتشار الفيروس. فقد أقرت الحكومة إغلاق المدارس والجامعات ودور العبادة. ومن أجل تقليل عدد العاملين في الجهاز الإداري للدولة فقد منحت الحكومة للموظفين الحكوميين من أصحاب الأمراض المزمنة بالإضافة إلى النساء الحوامل أو التي ترعى طفلا أو أكثر تقل أعمارهم عن 12 سنة إجازة استثنائية[2]. كما تم إصدار قرارات خاصة بتقليل ساعات العمل في المراكز التجارية طوال أيام الأسبوع وإغلاقها يومي الجمعة والسبت. كما تم تقليل ساعات عمل المحال التجارية خارج المولات وإغلاق المقاهي، والفنادق. فتأثرت عدة قطاعات اقتصادياً بشكل كبير.

 كما أقرّت الحكومة صرف 500 جنيها إعانة شهرية للعمالة اليومية والعمالة غير المنتظمة المتضررة من آثار الجائحة وذلك لمدة ثلاثة أشهر[3].

على الجانب الآخر، في 13 أغسطس الجاري، صدر قانون بشأن “المساهمة التكافلية لمواجهة بعض التداعيات الاقتصادية الناتجة عن انتشار الأوبئة أو حدوث الكوارث الطبيعية”[4].

وتنص المادة الأولى من القانون على خصم، شهريا، نسبة 1% من صافي دخل العاملين في كافة قطاعات الدولة المستحق من جهة عملهم أو بسبب العمل تحت أي مسمى، بالإضافة إلى خصم 0.5% من صافي الدخل المستحق من المعاش لأصحاب المعاشات، وذلك لمدة 12 شهرا. وتهدف هذه الاستقطاعات إلى المساهمة في مواجهة بعض التداعيات الاقتصادية الناتجة عن انتشار الأوبئة أو حدوث الكوارث الطبيعية ومنها بطبيعة الحال جائحة فيروس كورونا. وأشار التقرير الصادر عن اللجنة المشتركة من لجنة الخطة والموازنة ومكتبي لجنتي الشؤون الصحية، والقوى العاملة بمجلس الشعب، إلى أن القانون يساعد على إعلاء فكرة التضامن الاجتماعي التي يقوم عليها المجتمع تماشيا مع أحكام المادة 8 من الدستور[5] والتي تنص على أن: يقوم المجتمع على التضامن الاجتماعي. وتلتزم الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير سبل التكافل الاجتماعي، بما يضمن الحياة الكريمة لجميع المواطنين، على النحو الذي ينظمه القانون“. وذلك من خلال اشتراك معظم فئات الشعب في تحمل جزء من الأعباء الناشئة عن تداعيات الأوبئة والكوارث الطبيعية.

ويستدعي القانون أن نلقي الضوء عليه من خلال مناقشة إذا ما كان يحقق الهدف منه من مواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية، وإعلاء قيم التضامن الاجتماعي، أم من شأنه أن يزيد الأعباء المالية على الفئات الأكثر تضررًا.

الفئات الخاضعة لقانون المساهمة التكافلية

حدد القانون الفئات التي ينطبق عليها إعمال مواده على النحو التالي: العاملون بالجهات العامة من وزارات ومصالح وأجهزة حكومية وغيرها من الجهات التي تشملها الموازنة العامة للدولة، بالإضافة إلى العاملين بهيئات وشركات القطاع العام وقطاع الأعمال العام والبنوك والعاملين بالقطاع الخاص. وذلك إذا كان العامل شاغلا لوظيفة دائمة أو مؤقتة[6]. وهو ما يعني أن القانون ينطبق على قطاع عريض من الموظفين، مستثنياً أصحاب المهن الحرة، وأصحاب الأعمال.

كما نص القانون على إعفاء أصحاب الدخول الذين لا يزيد صافي دخلهم عن 2000 جنيه شهريا من هذه الاستقطاعات. كما يجوز لمجلس الوزراء إعفاء العاملين في القطاعات المتضررة من جراء هذه الأزمة الصحية من خصم نسبة المساهمة المنصوص عليها كليا أو جزئيا.  ولا يجوز زيادة المدة الكلية للخصم عن 12 شهرا أو تحديد المدد التي سيتم الخصم خلالها مستقبلا إلا بعد العرض على مجلس النواب[7].

وعلى الرغم مما أشار إليه تقرير البرلمان إلى ما قد يحققه هذا القانون من تضامن اجتماعي ومشاركة جميع الفئات في الأضرار الاقتصادية الناجمة عن الكوارث والأوبئة، إلا أننا نلاحظ بعض النقاط التي أغفلها المشرع: أولا؛ أنه في ظل التداعيات الاقتصادية الحالية للأزمة الصحية المتمثلة في جائحة كورونا العالمية، فقد تأثرت سلبا دخول العديد من الفئات. وعليه فإن استقطاع 1% من الأجور الخاصة بالعاملين سوف يزيد من حدة الأزمة الاقتصادية التي يعانون منها. ثانياً، إذا نظرنا إلى أصحاب المعاشات سوف نجد أن دخولهم بطبيعة الحال ليست مرتفعة ولذلك استقطاع 0.5% من دخولهم سوف يكون له تأثير سلبي على مستوى معيشتهم.

وفيما يخص إعفاء أصحاب الدخول التي تقل عن ألفي جنيها شهريا من هذه المساهمة التكافلية، يجب أن نشير إلى أن الحد الأدنى للمرتبات الحالي 2000 جنيها شهريا[8]؛ أي أن حد الاعفاء من المساهمة التكافلية لا يعفي الفئات الأقل دخلا.

يجب الإشارة أيضا إلى أن قانون المساهمة التكافلية حدد نسبة الاستقطاعات بنسب ثابتة من دخول الأفراد بصرف النظر عن حجم دخولهم. فإذا كان الهدف من هذا القانون وفقا لتقرير لجنة البرلمان هو إعلاء قيمة التضامن الاجتماعي المنصوص عليه في الدستور فقد كان من الأولى أن يتم استقطاع نسب متفاوتة تتناسب طرديا مع حجم دخول الأفراد. وبذلك يكون حجم المشاركة المجتمعية للفئات الأعلى دخلا أكبر من مساهمة الفئات الأقل دخلا مما يتوافق مع فلسفة التكافل الاجتماعي.

الجدير بالذكر أن الأزمة الصحية التي يعاني منها العالم حاليا سوف يكون لها الأثر السلبي على الاقتصاد المصري ككل وعلى الفئات التي ترتبط دخولها بالعالم الخارجي ونذكر هنا على سبيل المثال بالأخص العاملين في قطاع السياحة والمصريين العاملين بالخارج. فبالنظر عن قرب إلى قطاع السياحة، سوف نجد أنه من أكثر القطاعات المتضررة من هذه الجائحة وذلك كنتيجة طبيعية لقرارات إغلاق الحدود ووقف حركة الطيران بين الدول. ونجد أنه حتى بعد قيام بعض الدول الأوروبية بتخفيف بعض الإجراءات إلا أننا نجد أن حركة الطيران لم تعد إلى حالتها الطبيعية إلى ما قبل انتشار الفيروس. وبناء عليه، فإن العاملين في قطاع السياحة يعدّون من أكثر الفئات المتضررة من الإجراءات الاحترازية التي تبنتها الحكومات لحصر انتشار الفيروس.

أما بالنسبة إلى المصريين العاملين في الخارج، فسوف نجد أن الكثير من المصريين العاملين في دول الخليج، على الأخص، قد فقدوا وظائفهم نتيجة لسياسات الإغلاق التي تبنتها هذه الدول. مما نتج عنه توقف تحويلات هذه العمالة إلى مصر والتي تعد من أهم مصادر العملات الأجنبية.

وبالتالي فإننا نلاحظ أن الأسر التي يعمل أحد أفرادها في قطاع السياحة أو من العاملين في الخارج، قد تأثرت إجمالي دخولهم بالفعل على إثر تفشي فيروس كورونا. وعليه فإن استقطاع نسبة ال 1% من دخول باقي أفراد الأسرة الخاضعين للقانون سوف يزيد من حجم التأثير السلبي لهذه الأزمة الصحية على مستوى معيشتهم.

أوجه الصرف المتاحة لهذه الاستقطاعات

 حدد القانون أوجه صرف هذه الاستقطاعات فيما يلي[9]:

1- تقديم دعم مالي للقطاعات الاقتصادية والإنتاجية المتضررة من هذه الكوارث.

2- صرف إعانات مالية للعاملين بالقطاعات الاقتصادية والإنتاجية المتضررة.

3- صرف مساعدات مالية وعينية للأفراد والأسر التي يحددها رئيس الجمهورية.

4- المساهمة في تمويل البحوث العلاجية والصحة العامة وتطوير منظومة الرعاية الصحية وضمان استمراريتها.

5- أوجه إنفاق أخرى يحددها مجلس الوزراء للتخفيف من تداعيات تلك الكوارث.

أما عن طريقة جمع هذه الأموال، فنص القانون على قيام وزارة المالية بإنشاء حساب خاص ضمن حساب الخزانة الموحد بالبنك المركزي المصري تحت اسم “حساب مواجهة تداعيات الأوبئة والكوارث الطبيعية”. ويستحق للحساب عائدا عن الأموال المودعة به يتم احتسابه على أساس متوسط سعر الفائدة الذي يحدده البنك المركزي المصري.

 تتولى الجهات المعنية بصرف المرتبات والمعاشات باستقطاع نسبة المساهمة التكافلية وتوريدها إلى الحساب الخاص السابق الإشارة إليه. وتتولى وزارة المالية والجهاز المركزي للمحاسبات التحقق من قيام تلك الجهات باستقطاع النسب المشار إليها وتوريدها[10].

هنا نلاحظ أن أوجه الصرف المنصوص عليها في القانون هي في مجملها أوجه إنفاق حصيلة إيرادات الدولة من الضرائب والجمارك وغيرها من الإيرادات. وحيث أن استقطاعات الضرائب والجمارك المفروضة لها ما يحكمها من قوانين حيث إنها لم تتأثر بالأزمة الصحية الحالية، فيجب الإشارة إلى أن أوجه إنفاق هذه المساهمات التكافلية تتداخل مع مصروفات الموازنة العامة للدولة.

فإذا ألقينا النظر على البيان التمهيدي ما قبل الموازنة للعام المالي 2020/2021 الصادر عن وزارة المالية في ابريل الماضي، سوف نجد أن المصروفات المدرجة في الموازنة العامة للدولة لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناتجة عن فيروس كورونا، هي في مجملها نفس أوجه الانفاق المنصوص عليها في هذا القانون. فعلى سبيل المثال نجد أن أحد أوجه إنفاق المساهمات التكافلية هي تطوير قطاع الصحة. ولا يخفى على أحد أن قطاع الصحة بطبيعة الحال يعد من أبرز أوجه إنفاق الحكومات ولا سيما في ظل جائحة كورونا.  بالإضافة إلى ذلك فإن الدستور المصري ينص على تخصيص نسبة من الانفاق الحكومي لا تقل عن 3% من الناتج القومي الاجمالي لقطاع الصحة، على أن تزيد هذه النسبة تدريجيا لتتناسب مع المعدلات العالمية.  وإنه لا يغيب عن أحد أن المعدلات العالمية قد ارتفعت في ظل هذه الأزمة الصحية، وعليه كان من الأولى زيادة نسبة الإنفاق الحكومي على هذا القطاع من الموازنة العامة بدلا من تحميل كاهل المواطنين بأعباء إضافية في ظل ما يعانونه.

كما أنه في وقت سابق، تم تعديل قانون الضريبة على الدخل لرفع حد الإعفاء الضريبي واستحداث شريحة ضريبية مخفضة.[11] فإذا كان، وفقا للحكومة المصرية، أحد الإجراءات المتبعة لمواجهة التداعيات الاقتصادية لفيروس كورونا هي تخفيف العبء الضريبي عن كاهل المواطنين عن طريق تعديل قانون الضرائب على الدخل، فكيف يتم في نفس الوقت خصم نسبة 1% من أجور الموظفين؟!

أما أخيرا، نلاحظ أن هذا القانون ليس مرتبطا فقط بجائحة كورونا، فالحساب الخاص الذي سوف تنشئه وزارة المالية مخصص لمواجهة الأوبئة والكوارث الطبيعية. فبالنظر إلى الأوبئة، سوف نجد أن آخر جائحة عالمية كان لها تداعيات اقتصادية كانت منذ مئة عام. كما أن مصر ليست من البلاد التي تتعرض بصورة مستمرة إلى الكوارث الطبيعية. ما الهدف من إتاحة وإمكانية تجديد مدة سريان القانون بعد موافقة البرلمان؟

الخاتمة

بالرغم أن القانون يهدف إلى إعلاء قيم التكافل والتضامن الاجتماعي؛ إلا اننا نلاحظ، أنه في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية التي يعاني منها أفراد المجتمع يصبح خصم 1% من دخولهم أمرًا يزيد من حدة أزماتهم. وبالتالي، كان من الأحرى تبني حزمة من سياسات الحماية والضمان الاجتماعي التي تساعد الأفراد على تخطي هذه الظروف العصيبة، بدلاً من استقطاع نسبة من رواتب الموظفين الأكثر تضرراً من الأزمة. وعلى أن يتم تمويل هذه الحزمة من خلال فرض ضرائب إضافية على الأكثر ثراء، حتى تتحقق قيم التكافل والتضامن الاجتماعي.

 


[1] فرنسا: ثمانية ملايين موظف في “بطالة جزئية” بسبب فيروس كورونا. موقع فرانس 24. 11 أبريل 2020.

[2] إجازة لأصحاب الأمراض المزمنة والأمهات.. تفاصيل تخفيض عدد العاملين بالحكومة. موقع اكسترا نيوز. 16 مارس 2020.

[3] وزير القوى العاملة: 500 جنيه منحة استثنائية للعمالة غير المنتظمة. جريدة المال. 17 مارس 2020.

[4] قانون رقم 170 لسنة 2020.

[5] نص تقرير برلماني عن قانون المساهمة التكافلية لمواجهة تداعيات كورونا. موقع الدستور. 2 يوليو 2020.

[6] راجع المادة الثانية من القانون رقم 170 لعام 2020.

[7] راجع المادة الأولى من القانون المذكور.

[8] حكومة مصر تحدد الحد الأدنى للأجور.. بين 2000 و7000 جنيه شهرياً. موقع CNN بالعربية. 1 يوليو 2019.

[9] راجع المادة الثالثة من القانون رقم 170 سنة 2020.

[10] نص قانون المساهمة التكافلية لمواجهة تداعيات كورونا المعروض أمام خطة النواب. موقع اليوم السابع. 1 يوليو 2020.

[11] دليل مبسط عن إنفاق الموازنة العامة لعام 20/21. موقع وزارة المالية المصرية.

انشر المقال

متوفر خلال:

الحق في الصحة ، الحق في الصحة والتعليم ، حقوق العمال والنقابات ، قطاع خاص ، مصر ، مقالات