خاتمة قضيّة “تظاهرة لو غراي” في 2015 تقترب: محامو الدّفاع يطلبون براءة المتظاهرين وإدانة مرتكبي الفساد


2020-09-30    |   

خاتمة قضيّة “تظاهرة لو غراي” في 2015 تقترب: محامو الدّفاع يطلبون براءة المتظاهرين وإدانة مرتكبي الفساد
من تظاهرات 2015 - تصوير علي رشيد

عقدت القاضية المنفردة الجزائية في بيروت ناديا جدايل جلسة محاكمة في القضية المعروفة بـ “تظاهرة لو غراي” التي يُحاكم فيها 14 شخصاً بجرائم تجمّعات الشغب وتخريب ممتلكات. وجرت التظاهرة في 8 تشرين الأول 2015 تبعاً للتحرّكات الشعبية في بيروت على خلفية حراك صيف 2015 المعترض على سوء إدارة الدولة اللبنانية لأزمة النفايات. وقد اعتقل فيها 50 شخصأ بينهم 4 قاصرين و5 نساء، وكان بعضهم متظاهرون وآخرون صودف مرورهم في المكان بعد خروجهم من عملهم ليلاً أو بفعل الفضول.

 

أهمية القضيّة: رفض المحاكمات العسكرية للمدنيين

وتتميّز هذه القضية بتمكّن المدّعى عليهم ومحامي لجنة الدفاع عن المتظاهرين من تحويل القضية من القضاء العسكري إلى القضاء العدلي في العام 2017 عبر خوضهم معركة رفض المحاكمات العسكرية للمدنيين باستخدام دفاع الرّفض أمام المحكمة العسرية ثم انتصارهم فيها عبر إعلان الأخيرة عدم اختصاصها لمحاكمة المدنيين. وحصل المدعى عليهم على حكم بعد عامين من الواقعة بتاريخ 20 آذار 2017 أعلنت فيه المحكمة العسكرية عدم اختصاصها بمحاكمة 15 من المتظاهرين بتهم الشغب والتخريب فيما استمرت محاكمة خمسة منهم أمام المحكمة العسكرية بتهمة معاملة قوى الأمن بالشدّة.

وسبق أن ظنّ قاضي التحقيق العسكري رياض أبو غيدا بالمدّعى عليهم الـ 15 بجرم تشكيل مجموعات شغب سنداً للمادّتين 346 و348 من قانون العقوبات، فيما ظنّ بخمسة منهم فقط بجرم مقاومة قوى الأمن بالعنف والشدّة ورشقهم بالحجارة وتخريب ممتلكات الغير سنداً للمادّتين 381 و733 من قانون العقوبات. وكان هذا القرار قد شكّل سابقة قضائية حيث لم يكتف بالظن بالمدعى عليه بل خصص فقرة ضد وكلاء الدفاع بسبب تصريحاتهم الإعلامية المعترضة على توقيف المدعى عليهم.

وكان لدى المدّعى عليهم خيار عدم التوجّه إلى تقديم الدفوع الشكلية والإبقاء على المحاكمة أمام المحكمة العسكرية لتسريع إصدار الحكم، بخاصّة وأنّ تقديم الدفوع الشكلية يعني إطالة أمد المحاكمة أيّ التوجّه للمحكمة لجلسة أخرى أو أكثر حيث يتم احتجازهم طيلة النهار وحتى لساعات متأخرة في المساء إلى حين انتهاء جميع الجلسات وصدور جميع الأحكام. ومع ذلك وافق المدّعى عليهم على خوض هذه المعركة ليكسبوا حقّهم في نقل المحاكمة إلى القضاء العدلي على اعتباره القاضي الطبيعي وحامي الحقوق والحريّات.

يشار إلى أنّ تظاهرة “لو غراي” تعدّ من التظاهرات الحاشدة واستخدمت القوى الأمنية العنف المفرط أثناء فضّها. وأثبت عدد من تقارير الطب الشرعي إصابة بعض المتظاهرين بكدمات وأورام في أنحاء أجسادهم إضافة إلى إصابات مختلفة جرّاء قوّة رشّ المياه وتصويب قنابل الغاز المسيلة للدموع على المتظاهرين مباشرة. هذا إضافة إلى الاعتقالات العشوائية وفترة الاحتجاز الاحتياطي الطويلة التي تخطّت الأسبوعين أحياناً، عدا عن إشكالية إحالة ملفات الموقوفين إلى القضاء العسكري.

 

“خرجنا بسبب تدهور الأوضاع المعيشية”

جلسة الثلاثاء، حضرها 9 من المدّعى عليهم فيما غاب الآخرون وقررت القاضية جدايل المضي باستجواب الحاضرين من ثم الانتقال إلى المرافعات التي تولّاها المحامون الأربعة الموكلون بالدفاع عن المدّعى عليهم وهم تباعاً: غيدة فرنجية ومازن حطيط والشريف سليمان من لجنة الدفاع عن المتظاهرين وساندرا الحجّار.

وفيما جاء في ادّعاء قاضي التحقيق العسكري الظنّ بالمدّعى عليهم بتشكيل مجموعات شغب وتخريب ممتلكات (والمقصود هنا تكسير حائط لو غراي)، أجمع جميع من حضروا منهم الجلسة على التأكيد بأنّهم لم يخططوا مع أحد بشكل مسبق للمشاركة في التظاهرة وأنّهم توجّهوا إلى الشارع غضباً من السياسات التي انتهجتها الدولة اللبنانية وأدّت إلى تدهور الأوضاع المعيشية وإغراق البلاد في النفايات عدا عن عدم معرفتهم لبعضهم البعض من ذي قبل حيث تعرّفوا على بعضهم خلال حضورهم الجلسات أمام المحكمة العسكريّة. أكّد معظهم أنه تم توقيفهم قبل تكسير حائط فندق “لو غراي”، فيما شدّد البعض منهم على أنّهم لم يشركوا في التظاهرة بل كان تواجدهم في المكان عفوياً أو بسبب الفضول.

كما أكدّ معظم المدّعى عليهم أمام القاضيّة جدايل، أنّ محاولتهم إزالة الشريط الشائك أمام مبنى “النهار” لم يكن سوى نتيجة قناعة منهم بحقّهم في الوصول الى ساحة النجمة أمام مجلس النوّاب الممّد لنفسه وألّا يغلق أمامهم أي شارع فضلاً عن الحماسة التي سيطرت على الشارع آنذاك مما دفع الكثير من الشبّان والشابّات إلى المشاركة في محاولة إزالة الشريط أو على الأقلّ هزّه فقط.

وقد روى الشاب حسين إبراهيم، للقاضية جدايل أنّه لم يدم على تواجده في الشارع وقت طويل حتى تمّ اعتقاله عند الساعة السابعة مساءً وتم نقله إلى ثكنة الحلو حيث بقي قيد الاحتجاز 11 يوماً. وأوضح أنّ ما دفعه للنّزول إلى الشارع “كان تدهور الأوضاع السياسية والاجتماعية في البلاد”.

الشاب رامي محفوظ الذي يعاني طيلة حياته من كونه مكتوم القيد، شرح للقاضية جدايل أنّه في تظاهرة 8 تشرين الأوّل 2015 كان قاصراً ولم يتخطّ عمره 15 عاماً. وأضاف: “توجّهت إلى الشارع بسبب غضبي من عدم تمكّني من الاستحصال على هوية لأنّي مكتوم القيد وكنت غاضباً من الفساد الإداري الذي يمنعني من الاستحصال على أوراق ثبوتية… كما بسبب الممارسات العنيفة التي انتهجتها القوى الأمنيّة بحقّ المتظاهرين”.

وصبّت دوافع خضر أبو حمدي، وليال السيبلاني وضياء هوشر في المكان نفسه وهو تدهور الأوضاع المعيشية والغضب من سوء إدارة الدولة لملف النفايات، والإنكار المستمر للمطالب الشعبية.

“تم توقيفي في المستشفى وليس في الشارع”

وأكّد الشاب حسام نحولي خلال استجوابه، للقاضية جدايل أيضاً أنّ “مشاركتي كانت عفوية وغير مخطط لها، ونزلت إلى الشارع بسبب غضبي من تدهور الأوضاع في البلاد”. وذكر نحولي أنّ اعتقاله لم يحصل في الشارع إنّما حصل في المستشفى حين نُقل اليه لتلقّي العلاج نتيجة تعرّضه للإصابة خلال التظاهرة. والملفت في إفادة نحولي تأكيده للقاضية أنّه: “لم أشارك في نزع الأسلاك الشائكة بل كنت أشارك في التظاهرة فقط وأحمل يافطة بشكل سلمي”.

 

“تم توقيفي رغم أنّي لم أشارك في التظاهرة”

أمّا محمد الترك فأكدّ للقاضية أنّ “الفضول دفعني للتوجّه ومشاهدة ما يحصل في الشارع، ولم أكن مشاركاً في التظاهرة، لكن القوى الأمنية قامت باعتقالي”. وحاله كحال محمد موسى الذي كان خارجاً لتوّه من عمله في الجمّيزة ومتوجّهاً لطلب سيارة أجرة، وقال للقاضية: “كنت أمشي باتجاه الشارع الرئيسي وفوجئت بعناصر من القوى الأمنية يطلبون منّي أن أتوقّف، فلم أعرف ما أفعل، رفعت يديّ وركعت على الأرض وتمّ اعتقالي بدون مبرر”.

 

مرافعات تطلب إدانة الفاسدين وبراءة المتضررين

طالب المحامون بإبطال التعقّبات بحق جميع المدّعى عليهم لعدم وجود أيّ جرم، وأكد المحامي الشريف سليمان في مرافعته أنّ “وجود هذا الملف أمام القضاء العدلي ليس وليد الصّدفة، بل هو نتيجة معركة شرسة خاضها المحامون والمدّعى عليهم لانتزاع هذا الملف من القضاء العسكري مع ما رافقه من تدخّلات سياسية”.

سليمان شرح للمحكمة موقفه من القرار الظني الذي أصدره قاضي التحقيق العسكري واصفاً إيّاه بالقرار “المعيب”، لأنّ “من واجبات النيابة العامّة وقاضي التحقيق صياغة قرار صحيح ومعلّل”. واعتبر سليمان أنّ “المطلب اليوم ليس البراءة للمدّعى عليهم وحسب بل نطلب حكماً يدين السلطة الفاسدة وعصابة الأشرار التي تسيطر على الناس ليكون حكماً يشكّل درعاً في وجه المنظومة الفاسدة”.

بدوره عرض المحامي مازن حطيط  في مرافعته بعض الثغرات في تعاطي النيابات العامة وقاضي التحقيق العسكري سائلاً: “كيف للنيابة العامّة مع قاضي التحقيق أن يصدرا قراراً يفتقر للمهنية، من دون النّظر في أنّه تمّ توقيف اشخاص بشكل عشوائي بدون دليل، فيما لم يثبت قانوناً وجود نيّة لدى المدّعى عليهم لارتكاب أعمال الشغب أو إنشاء مجموعة شغب”. حطيط اعتبر أنّ “السّلطة سعت إلى منع الناس من النزول إلى الشارع وعملت على قتل أحلام الشباب عبر تطويع الأجهزة الأمنيّة والقضاء لتحقيق غاياتها”.

من جهتها أشارت المحاميّة غيدة فرنجية في مرافعتها إلى أنّنا “نبحث عن حكم يحمينا في المستقبل ويشكل اجتهاداً قانونياً يعتدى به من أجل التصدي للسياسات العشوائية في فض التظاهرات والاعتقالات والادعاءات”. وطلبت فرنجيّة بتطبيق المادة 183 من قانون العقوبات التي تجيز ممارسة الحق بدون تجاوز” من أجل انتزاع الصفة الجرمية عن أفعال المدعى عليهم. ورأت أنّه: “من الواضح أنّ كل ما نسب إلى المدّعى عليهم هو وجودهم في التظاهرة ووقوفهم على السياج، وتأتي هذه الأفعال في ظلّ ممارستهم لحقوق أساسيّة محمية بموجب الدستور وهي حقّ التظاهر في محيط مجلس النواب، والحقّ السياسي في محاسبة النوّاب الذين ممدوا لأنفسهم وعطلوا جميع الآليات الدستورية للمحاسبة، والحقّ بالدفاع عن النفس وعن الصحّة والبيئة في مواجهة أزمة النفايات”. وشدّدت فرنجيّة على أنّ اعتقال المتظاهرين حصل بدون توفّر عنصر الإنذار المسبق وفقاً للمادة 347 عقوبات الذي يشكّل ضمانة لحماية الحق الدستوري بالتظاهر ولحماية التجمعّات السلمية.

ومن جهتها ترافعت المحامية ساندرا الحجّار عن اثنين من المدعى عليهم وطلبت كفّ التعقّبات بحقهما وإعلان براءتهما.

واختتتمت القاضية جدايل الجلسة وحددت تاريخ 26 تشرين الثاني 2020 موعداً لإصدار الحكم. وبذلك تكون اختتمت آخر ملاحقة جماعيّة لناشطي تحرّكات 2015 في حين تستمر بعض المحاكمات الفردية.

بيان لجنة المحامين للدّفاع عن المتظاهرين

واليوم الأربعاء، أصدرت لجنة المحامين للدّفاع عن المتظاهرين النّاشطة منذ حراك 2015، بياناً اعتبرت فيه أنّ ممارسات النيابات العامّة (ما يسمّى بالقضاء الواقف) وقضاة التحقيق التي تدّعي بحق الناشطين وتتّهمهم بارتكاب جرائم بدون أيّ دراسة جدّية للملفات وبالرغم من خلوّها من أيّ دليل على وجود جرم “لا تنتهك حقوق الدّفاع فحسب، بل ترهق قضاء الحكم (ما يسمّى بالقضاء الجالس) وتشكّل محاولة لكسر إرادة المتظاهرين بدل الالتفات لمحاكمة الفاسدين والمجرمين الذين أوصلوا البلاد إلى الحالة التي وصلت إليها”.

ولفت البيان إلى أنّ محامي اللجنة طلبوا من المحكمة “إصدار حكم يشكّل اجتهاداً قانونياً يكون بمثابة درع يحتمي به الناشطون من تعسّف القضاء الواقف بالادّعاءات العشوائية المتماهي مع تعسّف القوى الأمنية بالتوقيفات العشوائية”.

وتابع البيان أنّه بناء عليه، “يهمّ اللجنة أن توضح ما يلي:

1 ـ تدعو اللجنة قضاة الملاحقة والتحقيق عامّة وبالأخصّ قضاة النيابات العامّة إلى استعادة دورهم الضروري والأساسي بحماية الحق العامّ والناس وليس حماية مصالح الطبقة السياسية الحاكمة وأصحاب النفوذ؛

2 ـ تدعو اللجنة قضاة الحكم إلى التصدّي لممارسات النيابة العامّة التعسّفية التي ترهق القضاة والمساعدين القضائيين والمباشرين كما ترهق المواطنين.

3 ـ تذكّر اللجنة قضاة الملاحقة والتحقيق أنّ الجميع تحت سقف القانون وأنّ الحماية التي يؤمّنها للسياسيين وأصحاب النفوذ ليست مستدامة ومن شأنها تدمير ما تبقّى من ثقة في القضاء اللبناني؛

4 ـ تذكّر اللجنة بأنّ فقدان الثقة بالقضاء من شأنه التسبّب بالفوضى وانتشار الجريمة وفقدان الناس لحماية القانون والمؤسسات”.

انشر المقال

متوفر خلال:

أجهزة أمنية ، الحق في الصحة ، المرصد القضائي ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، حراكات اجتماعية ، حركات اجتماعية ، حريات ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، حرية التعبير ، قرارات قضائية ، قضاء ، لبنان ، محاكم جزائية ، محاكم عسكرية ، محاكمة عادلة وتعذيب



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *