حين يحرّم ديوان الإفتاء في تونس الاحتجاجات الاجتماعية: تغيرت تونس ولم يتغير الشيخ عثمان بطيخ


2016-09-28    |   

حين يحرّم ديوان الإفتاء في تونس الاحتجاجات الاجتماعية: تغيرت تونس ولم يتغير الشيخ عثمان بطيخ

دعا ديوان الإفتاء في تونس في بلاغ له بتاريخ 26– 09- 2016 ، جميع التونسيين أينما كانوا في مواقعهم الإدارية أو في المصانع والمتاجر أو في الحقول أو في المدارس والمعاهد والكليات، إلى صرف جهودهم كاملة في الإقبال على العمل وعلى الدراسة والاجتهاد في تحسين مردودهم وتطوير مجهودهم.واعتبر ديوان الافتاء في ذات البلاغ أن ما تمر به تونس من صعوبات جمّة خصوصا منها الاقتصادية، يحتم تكاتف الجهود بين الجميع وفي كل المناطق والجهات، بما في ذلك رجالا ونساء وشبابا وشيبا.
وأضاف البيان "أنّ داعي الواجب المقدس في حماية الأوطان والعمل على تنميتها وإعزازها يفرض على جميع التونسيين الاستجابة الى ذلك وعملا بقوله صلى الله عليه وسلم: "المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". وتابع البيان أيضاً أنه "لا مناص الى ذلك إلا بترك الاحتجاجات العشوائية والاعتصامات المعطلة للعمل والإنتاج وسد الطرق والإضرار بالملك العام”، مستشهداً بالآية القرآنية التي جاء فيها: "وإذا تولّى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد".
 
الأوساط النقابية والحقوقية تستنكر
أثار هذا الرأي غضباً لدى الأوساط النقابية والحقوقية. فقد اعتبر الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل، سامي الطاهري المكلف بالاعلام ، في تدوينة له على صفحته الشخصية بالفايسبوك، "أنه لا يستغرب أن يقوم مفتي الجمهورية بتحريم رائحة أي احتجاج في المستقبل بعد أن أصدر اليوم فتوى يحرم فيها، تحت الطلب، ما سماه بالاحتجاجات العشوائية".وأضاف الطاهري أن "الاحتجاجات هي مسألة اجتماعية بالأساس تعالج بالحوار والقانون وليس بالتعليمات والرؤيا".
كما عبّر المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في بيان له صدر بتاريخ 26–09  عن استنكاره لبيان مؤسسة الإفتاء الداعي إلى "ترك الاحتجاجات والاعتصامات والانصراف للعمل والدراسة"، واعتبره تدخّلاً لهذه المؤسسة في مجال يتجاوز اختصاصاتها ويتعلق بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية والنضالات المرتبطة بالدفاع عن المواطنة الكاملة للجميع، حسب البيان. واعتبر المنتدى أن الغاية من بيان مؤسسة الإفتاء هي "تبرير سياسة رسمية تهدف الى تجريم التحركات الاجتماعية "، منبّها إلى خطورة توظيف "السّلطة الدينية لمفتي الجمهورية التونسيّة في مجال الحكم على التحركات الاجتماعية وعلى نشطاء المنظمات والجمعيات والحملات المدافعة عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمناضلة من أجل العدالة والمتصدية لعودة الفساد، كما يهدد بدفع التونسيين الى الاحتقان".
ودعا المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أيضا رئاسة الجمهورية "إلى تحمّل مسؤولياتها في حماية الدستور الضامن لمدنية الدولة وللحريات المدنية والسياسية والى مساءلة مفتي الجمهورية التونسية عن دوافع ومقاصد هذا البلاغ، خاصة وأن رئيس الجمهورية بموجب الفصل 78 من الدستور هو من يعين المفتي ويعفيه".
 
هل تجاوز المفتي الصلاحيات القانونية لديوان الإفتاء؟
بقطع النظر عن المهام الرسمية الموكولة إلى ديوان الإفتاء في تونس مثل المشاركة في المناسبات الدينية والوطنية أو لقاء الوفود الرسمية الدبلوماسية، فقد ضبط الأمر الجمهوري المؤرخ في 6 أفريل 1962 والمنشور بالرائد الرسمي بتاريخ 10 افريل 1962 مهام ديوان الإفتاء. وقد جاء في الفصل الثاني منه أن مفتي الجمهورية هو مستشار الدولة في الشريعة وأصول الدين والمراسم الإسلامية. وتتمثل مهامه كما حددها الأمر في تعيين بداية كل شهر قمري، وضبط زكاة الفطروزكاة المال. كما يتولى إسناد شهادات رسمية لطالبي اعتناق الإسلام وشهادت التثبيت على الإسلام للتونسيين وغير التونسيين من المسلمين عند طلبها، و شهادات الحلال لعدد من المنتجات. بالإضافة إلى ذلك، يتولى المفتي الإجابة على أسئلة المسلمين في المسائل الفقهية الشرعية مع إبداء الرأي في مختلف الدراسات الفقهية التي تصل الى الديوان.
وبالنظر إلى مهام ديوان الافتاء المحددة بالقانون، يصعب أن نجد تبريراً للرأي الصادر عنه في مسائل تبدو غريبة عن صلاحياته واختصاصاته حتى وإن استنجد في رأيه بالقرآن والسنة. لسنا هنا في وارد تحليل تأثير التعاليم القرآنية أو أحاديث الرسول على السلوك الاقتصادي أو الاجتماعي، فهو أمر يستدعي تحليلا يأتي على جملة المفاهيم الإسلامية المتسلسلة المرتبطة بالمال والرزق والكسب والسعي والعمل والشغل. إلا أن هذا الرأي يثير شكوكا كثيرة حول ارتباطه بالسلطة واستجابته لموقفها من الاحتجاجات الاجتماعية، مما يخرجه من أي سياق ديني أو أخلاقي ويدخله ضمن "الفتاوى" التي تصدر تحت الطلب خدمة لأغراض سياسية لا دينية.
 
تغيرت تونس ولم يتغير الشيخ بطيخ
سواء اعتبرنا كلام المفتي فتوى كما فعل ذلك المسؤول النقابي أو اعتبرناه مجرّد رأي لا علاقة له بالتحليل والتحريم كما صرح بذلك لوكالة تونس أفريقيا للأنباء المدير المكلف بالدراسات بديوان الإفتاء فتحي محجوب بتاريخ 27-09-2016، فإنه يكاد يتطابق تماماً مع رأي أصدره نفس المفتي بداية سنة 2011. فقد قال الشيخ عثمان بطيخ وقد كان هو نفسه في تلك الفترة مفتيا للديار التونسية في الشهر الأول من سنة 2011  إبان اندلاع شرارة الثورة وعقب اضرام محمد البوعزيزي النار في جسده في تصريحات نشرتها جريدة"الصباح" اليومية على موقعها بتاريخ 7–01-2011 أن "الانتحار ومحاولته جريمة وكبيرة من الكبائر، ولا فرق شرعاً بين من يتعمد قتل نفسه أو قتل غيره". وأضاف: "سيان، أكان القتل بسمّ أو بسلاح أو بحرق أو بغرق. فكله عمل شنيع، ومحاولة ذلك جريمة يعاقب عليها الشرع والقانون. والمنتحر مرتكب كبيرة وليس بكافر فيغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين ولا يصلي عليه الأفاضل من الناس استنكاراً لما صدر عنه وزجرا لغيره." وتابع أنه: "على المرء أن يكون عاقلا مسيطرا على انفعالاته متغلبا على الصعاب بالصبر والجدّ والاجتهاد، ولا يستنكف من أن يعمل أي عمل شريف لئلا يكون عالة على غيره، وعلى المرء أن لا تهزه العواطف والأقاويل المغرضة، والتعاطف مع ضعفاء الحال لا يكون بالبكاء والصراخ وإنما بتقديم المساعدات المادية".
كان هذ الرأي المطابق بالضبط لإرادة الحاكم مؤاتيا للرئيس السابق زين العابدين بن علي في سعيه لمواجهة شرارة الثورة. فهل تكون هذه "الفتوى" الأخيرة الصادرة عن نفس الشيخ اليوم رجع صدى "لفتواه" بالأمس؟
 
 

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، حريات عامة والوصول الى المعلومات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية