حين تمنّى المجلس الدستوري: عدم استسهال التشريع في فترة الشغور الرئاسي


2023-06-07    |   

حين تمنّى المجلس الدستوري: عدم استسهال التشريع في فترة الشغور الرئاسي
رسم رائد شرف

في معرض تعليقه على جواز التشريع في ظلّ شغور رئاسة الجمهورية، كان لافتا استناد المجلس الدستوري في قراريْه رقم 6 تاريخ 30 أيار 2023 (قانون التمديد للمجالس البلدية والاختيارية) ورقم 7 تاريخ 6 حزيران 2023 (تعديل قانون الشراء العام) إلى الحيثية التالية:

“وحيث إنّه نظراً لكون الأمور لا تسري على طبيعتها في فترة الشغور الرئاسي، ونظراً لأهمية موقع رئاسة الجمهورية في الهيكلية الدستورية، كونه رئيساً للدولة، ورمزاً لوحدتها، والساهر على احترام الدستور، ما يجعل دور رئيس الجمهورية محورياً وأساسياً لأنه يصون وحدة الدولة وهيبتها وشرعيتها، ويحافظ على انتظام دور السلطات العامة ومؤسساتها، فإنّه يقتضي الإسراع في انتخاب الرئيس وعدم استسهال التشريع في مرحلة الشغور”.

فعلى الرغم من أن المجلس أكد صراحة صلاحية مجلس النوّاب بإقرار القوانين بظل الفراغ في سدة الرئاسة لكنه أصر على إضافة تلك الفقرة التي تتكلم عن أهمية موقع رئاسة الجمهورية في النظام الدستوري اللبناني كي يخلص إلى إعلان ضرورة الإسراع بانتخاب رئيس وعدم استسهال التشريع في مرحلة الشغور هذه.

تثير هذه الفقرة في الحقيقة نقطة مهمة لا بد من التوقف عندها وهي تتعلق بطبيعتها القانونية والغاية من وجودها. فكما هو معلوم لا تقتصر الطبيعة الملزمة لقرارات المجلس الدستوري على الفقرة الحكمية، بل تمتدّ أيضا لتشمل بناءات القرار أي الحجج القانونية التي انطلق منها القرار من أجل تعليل النتيجة التي توصّل إليها في فقرته الحكمية.

لكن قراءة متأنية لهذه الحيثية تظهر إن قوتها القانونية منعدمة بل هي أقرب إلى التمنيات التي يوجهها المجلس الدستوري إلى السلطة السياسية بوجوب انتخاب رئيس جديد للجمهورية من دون أن يرتّب على عدم “استسهال” التشريع في ظلّ الفراغ أي تداعيات قانونية.

فتعبير “عدم استسهال التشريع” يحيل إلى وجوب التفريق منطقيا بين تشريع ضروري وأخر غير ضروري ما يعيد التذكير بمفهوم “تشريع الضرورة” الاعتباطي الذي أنتجه الخطاب السياسي لمختلف أركان النظام لتبرير التشريع والتوافقات المصلحية عند وجود حكومة مستقيلة أو في ظل الفراغ الرئاسي. والمستغرب هنا أن المجلس الدستوري يستعيد في فقرته حجة سياسية يتم استخدامها في الصراع بين القوى المهيمنة على مجلس النواب من دون أن يستخلص منها أي نتيجة قانونية فعلية، بل يكتفي بالحثّ على الإسراع في انتخاب رئيس للجمهورية نظرا لأهمية دوره في مؤسسات الدولة مع إبداء تمنٍّ بعدم استسهال التشريع في هذه المرحلة.

لا يمكن بالحقيقة تفسير وجود هكذا فقرة في قرار للمجلس الدستوري إلا كرغبة منه في الحدّ من قبوله بجواز التشريع عند حصول شغور في رئاسة الجمهورية عبر مداراة الطرف السياسي الذي يرفض هذه النتيجة وذلك من خلال التأكيد على أهمية رئيس الجمهورية ودوره المحوريّ في النظام السياسي.

ولا شكّ أن الطبيعة المبهمة لهذا “التمني” تظهر بشكل واضح من خلال مقارنته بأوضاع قانونية مشابهة. فمجلس شورى الدولة مثلا يعتبر أن القرارات التي تتخذها حكومة تصريف الأعمال تخضع لرقابته لناحية معرفة إذا ما كانت تدخل فعلا في خانة الأعمال العادية التي يجوز صدورها عن حكومة مستقيلة، أي أن التمييز بين الأعمال العادية والأعمال الأخرى التي تخرج عن تصريف الأعمال هو منتج لمفاعيل قانونية تؤدّي إلى إبطال العمل الإداري في حال تبين لمجلس شورى الدولة أنه يخالف مفهوم تصريف الأعمال. وإذ يعتبر المجلس الدستوري أن وجود ظروف استثنائية يسمح للمشترع بمخالفة بعض المبادئ الدستورية، لكن تقدير هذا الأخير يظل خاضعا لرقابته، أي أن المجلس الدستوري يتأكد من حقيقة وجود تلك الظروف ويعود له بالتالي إبطال القانون الذي يخالف الدستور بذريعة نظرية الظرف الاستثنائي إذا لم يجد أن هذه نظرية يمكن تطبيقها في هذه الحالة.    

لا بل أكثر من ذلك، لا يمكن حتى أن نعتبر عدم جواز “استسهال التشريع” من قبيل التحفظات التفسيرية التي يحصن بموجبها المجلس الدستوري أحيانا القانون بها عوضا عن إبطاله. فالتحفظات التفسيرية هي ملزمة لجميع السلطات، أي انها تتمتع بالقوة القانونية ذاتها لأي قرار من قرارات المجلس الدستوري بينما الفقرة المبهمة التي نحن بصدد دراستها هي منعدمة القوة القانونية  بل أشبه بتمنيات يطلقها المجلس كتعبير عن موقف سياسي لا أكثر.

ومن الملاحظ أن هذا النهج اتبعه المجلس الدستوري سابقا في قراره رقم 2 تاريخ 14 أيار 2018 حول موازنة العام 2018 إذ اعتبر أن عدم صدور الموازنة دون قانون قطع الحساب يشكل حالة شاذة مخالفة للدستور. وقد خلص في النهاية إلى عدم إبطال قانون الموازنة حفاظا على مصالح الدولة العليا من دون أن ينسى التعبير عن تمنٍ آخر مفاده “أن يجري سريعا وبدون إبطاء الخروج من الحالة الشاذة هذه ووضع قطع حساب وفق القواعد التي نص عليها الدستور”. وقد ذهبت أمنية المجلس الدستوري أدراج الرياح كون كل الموازنات التي صدرت منذ تاريخ هذا القرار وحتى اليوم لم يسبقها إقرار لقانون قطع حساب من دون أن يعمد المجلس إلى إبطال أي موازنة صدرت لاحقا، ما يعني أن تمنيه بضرورة الإسراع في الخروج من الحالة الشاذة بقي من دون نتائج قانونية. وهو كان في الحقيقة أقرب إلى محاولة منه لغسل يديه من تلك المخالفات.

والأمر نفسه ينسحب على التمني الجديد المتعلق بعدم استسهال التشريع في ظل الفراغ الرئاسي إذ أن افتقاره إلى أي قوة قانونية يجعل منه شبيها بالأسباب غير المنتجة التي لا يستطيع الفقيه أو الباحث القانوني الركون إليها كونها عديمة التأثير.

بخلاصة القول، يتبين أن المجلس الدستوري بتضمينه قراره نصا حول عدم استسهال التشريع في ظل الشغور الرئاسي يكون قد أبدى عن أمنية لا مكان لها في قرارات قضائية يتوجب أن تتميز بطبيعتها الإلزامية للجميع. وهو في الحقيقة يعلن عن موقف سياسي هدفه إرضاء مختلف الأحزاب والقوى المسيطرة على مجلس النواب. وهذا ما يشكل انعكاسا ليس لضرورة احترام المبادئ الدستورية لكن للتوازن القائم بين أعضاء المجلس الدستوري أنفسهم. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد البرلماني ، محاكم دستورية ، تشريعات وقوانين ، لبنان ، مقالات ، دستور وانتخابات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية