حوار مع رئيس الائتلاف التونسي لإلغاء عقوبة الإعدام شكري لطيف: “رفض القتل يجب أن يُطبَّق على الدولة وعلى الأشخاص على حدّ سواء”


2021-03-05    |   

حوار مع رئيس الائتلاف التونسي لإلغاء عقوبة الإعدام شكري لطيف: “رفض القتل يجب أن يُطبَّق على الدولة وعلى الأشخاص على حدّ سواء”

أثارت حادثة مقتل الشابّة رحمة في نهاية شهر سبتمبر 2020، موجة كبيرة من الاستنكار الذي ترافق مع تصاعد المطالَبة بتنفيذ حكم الإعدام في حقّ المتّهم. تجاوزت الدعوات المجال الافتراضي لتتحوّل إلى نقاش عامّ في الساحة السياسية والحقوقية حول طبيعة هذه العقوبة وجدواها في ظلّ مناخ عامّ مشحون وتنامي ظاهرة العنف في الشارع التونسي. وسط هذا الصخب الذي رافق الحادثة، كان للائتلاف التونسي لإلغاء عقوبة الإعدام موقف مغاير تمسّك بضرورة إلغاء عقوبة الإعدام والمضيّ قُدماً في تطوير المنظومة القانونية التونسية نحو مزيد من تكريس حقوق الإنسان. في هذا السياق، كان للمفكّرة القانونية حوار مع رئيس الائتلاف التونسي لإلغاء عقوبة الإعدام شكري لطيف الذي سلّط الضوء على تبعات الحادثة وخلفيّات المواقف الشعبية والرسمية تجاه الجريمة وأُسُسِ موقف الائتلاف تجاه عقوبة الإعدام.


شكري لطيف
: لم نتوقّف طيلة السنوات المنقضية عن مطالبة السلطات بإفساح المجال لفتح نقاش وطني حول عقوبة الإعدام. وقد اقترحنا أن يشمل النقاش كلّ جهات البلاد ويأخذ شكل حوارات وندوات جهوية تُتوَّجُ بلقاء ذي صبغة وطنية. للأسف، لاقى مقترحنا تجاوباً ووعوداً لم تمرّ إلى مستوى التطبيق، بل على العكس، شهدنا التطرّق المتكرّر إلى مسألة عقوبة الإعدام حصرياً إثر حدوث جريمة جنائية بشعة أو جريمة إرهابية. ونحن نُشدّدُ على أنّ النقاش بشأن عقوبة الإعدام لا بدّ أن يُطرَحَ في ظروف عاديّة، وليس عند وقوع جريمة فقط. من الطبيعي أن يفتقد التطرّق للموضوع في مثل هذه الوضعيّة إلى كلّ قواعد الجدل المُتّزن والمُعقلَن، حيث يصبح محلّ تجاذبات ومزايدات وتصحبه حملات ودعوات موظَّفة توظيفاً سياسوياً واضحاً تستثمر في آلام الناس ومآسيهم من دون أيّ ضوابط أخلاقية. وإذ تقدّمنا في ما يتعلّق بمقتل الشابّة رحمة بأحرّ التعازي لأسرتها، تابعنا بكل انشغال، الحملة المتجدّدة التي استغلّت الجريمة كي تستهدف مناضلات ومناضلي حقوق الإنسان. وقد ذكّرنا في هذا الإطار بأنّ من واجب الدولة بجميع مؤسّساتها ضمان أمن التونسيين والتونسيات ووقايتهم من العنف بجميع أشكاله وحماية ضحاياه وتعهّدهم، وأنّه لا يجوز تحميل الحركة الحقوقية ومناضليها مسؤوليّة الوهن الأمني وتقصير الدولة في التصدّي لتصاعد الجريمة المُنظَّمة وشبكات التهريب والفساد وإفلات باروناتها من التتبّع والعقاب.المفكّرة القانونية: أثارت قضيّة مقتل الشابّة رحمة، في خريف 2020، الجدل مجدّداً حول قضيّة تنفيذ حكم الإعدام في تونس. بدايةً، ما هو موقف الائتلاف التونسي لإلغاء عقوبة الإعدام من هذا الجدل وكيف ينظر إلى هذه الدعوات؟

المفكّرة القانونية: كيف تنظرون إلى تحوّل المجال الافتراضي إلى محاكم شعبية؟ خصوصاً وأنّ الدعوات إلى تفعيل تنفيذ عقوبة الإعدام تلقى رواجاً ودعماً هائلاً في ذلك الفضاء؟

لطيف: حرّيّة التعبير أحد أهمّ المكاسب التي تحقّقت في تونس منذ 10 سنوات. وقد أصبح جزء من المجال الافتراضي ، بشكل مُلفِت للغاية وإلى درجة تستحقّ الدراسة والتحليل العلمي المتكامل من جوانب متعدّدة وبخاصّة النفسي منها، فضاءً لتصعيد العنف وساحةً عامّةً تُستعادُ فيها رمزياً ممارسة كافّة أشكال التنكيل والتعذيب والتقتيل التي سادت في القرون الغابرة لدينا ولدى غيرنا من البلدان. ولا يخفى أنّ الأمر لا ينحصر في مناحٍ ونزعات فرديّة معزولة، بل يتجاوزها إذا كان ما يحرّكه هي صفحات مُموَّلة ومنصّات ومجموعات عملاقة تتوفّر لها إمكانيّات مادّية وتكنولوجية مُتطوّرة للتوجيه والتأثير الجماهيري، أغلبها غير واضحة المعالم وبعضها ذات توجّهات شعبوية ويمينية دينية أو مُعبِّرة عن هياكل أمنية.

المفكّرة القانونية: لم تقتصر هذه الدعوات على المواطنين، بل تبنّتها أسماء وَجِهات سياسية، من ضمنها رئيس الجمهورية، وطالبت بتفعيل هذه العقوبة وتقاطعت مع المزاج العامّ بشأن هذه النقطة. كيف تقرأون هذه المواقف الصادرة عن بعض الأطراف السياسية؟

لطيف: خلّفت سلسلة جرائم القتل البشعة التي استجدّت خلال المدّة الأخيرة في بعض مناطق البلاد حالة من الحزن والاستنكار. ونحن هنا في مستوى التعاطي الأوّل، أي المستوى الشعبي العفوي والانفعالي التلقائي. إلّا أنّ الأمر انتقل إلى مستوى ثانٍ تحكمه الحسابات السياسوية. فقد فوجئنا بتصريحات رئيس الدولة خلال اجتماع مجلس الأمن القومي يوم 28 سبتمبر 2020، لدى استقباله وزير العدل، وتأكيده على ضرورة إعادة تفعيل عقوبة الإعدام استناداً إلى قواعد الشريعة. وقد اعتبرنا أنّ التصريحات المذكورة بالغة الخطورة باعتبارها منافية لالتزامات الدولة التونسية بتعليق تنفيذ عقوبة الإعدام، ولمبادئ مدنيّة الدولة التي تستند في قوانينها وتشريعاتها إلى دستور وضعيّ وليس إلى قواعد دينية، إضافةً إلى عدم احترامها مبدأ الفصل بين السلطات واستقلاليّة القضاء.

كان من الواضح أنّ موقف رئيس الجمهورية، وبقيّة الأطراف السياسية المتماثلة معه في الانخراط في حملة الدعوة لتفعيل عقوبة الإعدام، يندرج في باب المزايدات والشعبويّة التي تصاعدتْ في الحياة السياسية منذ الانتخابات الفارطة وذلك على حساب مبادئ حقوق الإنسان.

ونحن نعتبر أنّ الحملة المنظَّمة التي شهدناها، المُعتمِدة خطاباً متشنِّجاً عنيفاً يدعو إلى السحل والقتل والإعدام ونصب المشانق والتجييش المشبوه له، هي جزء من مشروع سياسي يميني متطرّف متكامل يُعادي إرساء منظومة حقوق الإنسان والشعوب في شموليّتها. وينفي مدنيّة الدولة وعُلوية القوانين بكلّ ما يتأتّى عن ذلك من تفعيل، لا لعقوبة الإعدام فحسب بل لتبرير وتفعيل التعذيب والتمثيل وغيرها من انتهاكات الذّات والكرامة البشرية أيضاً.

المفكّرة القانونية: يستند الداعون إلى تفعيل تنفيذ عقوبة الإعدام إلى كونها الحلّ الأنجع للتصدّي لارتفاع منسوب الجريمة وردعِ القتلة أو التخفيض من منسوب العنف. هل يطرح الائتلاف مقاربة ردعية بديلة في ظل دعوته إلى إلغاء هذه العقوبة؟

لطيف: لا أظنّني أُذيع سرّاً حين أقول إنّه لم يثبتْ في أيّ بلد أنّ تطبيق عقوبة الإعدام يحدُّ من عدد الجرائم أو من نوعيّتها. على عكس ذلك، تشهد البلدان التي تُطبّقها جرائم بشعة بِنِسَبٍ أعلى، وتدور في حلقات عنف لا مُتناهية. في حين أثبتت الوقائع تَراجُعَ نسب الجرائم في البلدان التي ألغت عقوبة الإعدام. كما لا يتوفّر في الدول الأكثر تطبيقاً لعقوبة الإعدام، مثل مصر والسعودية وإيران، قضاءٌ مستقلّ، ولا وجود فيها لدولة قانون. وهذا جانب آخر في غاية الأهمية متعلّق بعقوبة الإعدام وحيثيّات تنفيذها.

المفكّرة القانونية: تخرج الأصوات المطالِبة بالتنكيل و”القصاص” ضمن سياق اجتماعي يعمّه العنف بجميع أشكاله، على مستوى الممارسة الاجتماعية وداخل المنطوق اليومي، وعادة ما تبرّره الثقافة السائدة وتجد له مسوّغات قِيَميّة وأخلاقية ودينية. فهل يمكن الحديث اليوم فعلاً عن مقاربة بديلة تلقى حدّاً أدنى من المقبوليّة لدى المجتمع الذي وصفناه سابقاً؟

لطيف: في ما يتعلّق بعقوبة الإعدام على وجه التحديد، وفي مواجهة المُسوّغات بجميع أشكالها والمُسلَّمات بجميع مرجعيّاتها، يهمُّني تأكيد أنّنا لن ننجح في مواجهة تفاقم الجرائم الجنائية والإرهابية بمجرّد تنفيذ عقوبة الإعدام في أفراد يقترفونها. لكنّ ذلك يتحقّق بمعالجة واجتثاث الجذور السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والنفسية التي تُنتجُ وتُعيدُ إنتاج ظاهرة العنف المادّي والرمزي المتفاقمة ومُتعدّدة الأوجه: عنف الدولة، العنف الإرهابي، العنف الأسري، العنف في الفضاء العامّ، العنف في مواقع الشغل، والعنف في المدرسة… العنف المختزِل لكافّة مستوياته والمُسلَّط بصفة خاصّة على النساء والأطفال.

تقوم مقاربتنا البديلة على مبدأ الدفاع عن الحقّ في الحياة وتقضي بأنّ القتل مرفوض من جانب الدولة والأشخاص على حدّ سواء. فلا يمكن أن نكون ضدّ ارتكاب أفراد جريمة القتل بينما نعطي للدولة – أيّاً كانت مرجعيّتها – الحقّ في ارتكاب جريمة نزع الحياة من الناس باسم “القانون” أو “الدين” أو “المصلحة العليا للوطن” أو باسم “تحقيق الأمن” وغيرها من المُسوّغات المُشرِّعة للظلم والقمع والاضطهاد التي جعلت من عقوبة الإعدام عقوبةً مُكرِّسةً لثقافة الثأر والانتقام البائدة، وعقوبة انتقائية تمييزية تُمارَس ضدّ الفقراء والأقلّيّات والمُهمّشين.

المفكّرة القانونية: نفّذ آخر حكم بالإعدام في تونس سنة 1991 في القضيّة المعروفة بـ”سفّاح نابل” الذي روّع مدينة بأسرها. هنا، قد يذهب البعض إلى ضرورة الإبقاء على هذه العقوبة واللجوء إليها في حالات الجرائم البشعة أو قضايا الإرهاب، خصوصاً أنّه في تاريخ دولة ما بعد الاستقلال، وطيلة أكثر من ستّة عقود، لم تتجاوز الأحكام التي نُفِّذَت حاجز الـ135 إعداماً.

لطيف: استُعْملتْ عقوبة الإعدام في تونس، في الفترة الاستعمارية المباشِرة، ضدّ المقاومين الوطنيين وسيلةً لقمع وترهيب الشعب التونسي. وخلافاً لما يُشاع لدى غالبيّة التونسيين، لم تُنفَّذ عقوبة الإعدام حصراً وفي الغالب بسبب ارتكاب جرائم جنائية، بل استُعْملتْ بعد استقلال تونس سنة 1956 كأداة لتصفية المعارضين السياسيين الذين شكّلوا النسبة الأكبر ممّن نُفّذت فيهم. ولا أظنّنا بحاجة إلى التذكير بأنّ المحاكمات السياسية التي أفضت إلى تلك الأحكام كانت محاكمات غير عادلة، وأنّ عقوبة الإعدام كانت إحدى وسائل القمع المؤسّساتي للنظام الحاكم التي يتحتّم اليوم طيّ صفحتها مع كامل منظومته الاستبدادية.

ويُعتبرُ اللجوء إليها اليوم بدعوى التصدّي للإرهاب هروباً إلى الأمام ودسّاً للرأس في الرّمل وتهرّباً من مواجهة ومعالجة أسباب تَرَعرُع وتنامي الظاهرة الإرهابية في تونس عوض اجتثاثها. وقد أثبتت الوقائع في العراق على وجه الخصوص عدم معنى مواجهة الإرهاب وجدواه عن طريق عقوبة الإعدام. حيث واصلت الحركات التكفيرية توسّعها وانتشارها فيه رغم اللجوء المكثّف لعقوبة الإعدام وعدد الإعدامات القياسي. وهو الأمر الثابت في العراق كما في غيره من البلدان التي تشهد الظاهرة الإرهابية، ومن ضمنها تونس. سواء تعلّق الأمر بجرائم جنائية أو إرهابية بشعة، لا يتمثّل الحلّ في إعادة إنتاج الجريمة بالإعدام، وإنّما في اقتلاع وإعدام أسبابها لمنع تكرارها.

المفكّرة القانونية: تستند عقوبة الإعدام إلى الأحكام التي تنصّ عليها المجلّة الجزائية في تونس. بالتالي، تنبع هذه الدعوات من صلب التشريع الرسمي. هل ترون أنّ تونس تحتاج اليوم إلى مقارَبة تشريعية جديدة تُسقط هذه العقوبة نهائياً من منظومتها القانونية؟

لطيف: نعم، نحن مع مقاربة تشريعية جديدة قوامها الإصلاح والإدماج وليس العقاب والإقصاء. وعلى هذا الأساس، ندعو إلى مراجعة الدستور وإضافة إلغاء الإعدام في الفصل الذي ينصّ على احترام الحقّ في الحياة. كما ندعو إلى مراجعة التشريع التونسي من أجل الإلغاء التامّ لكلّ القوانين والفصول التي تنصّ على عقوبة الإعدام.

ونستند في مقاربتنا ودعوتنا إلى اعتقاد راسخ بـأنّ عقوبة الإعدام لا تتلاءم مع تطوّر تونس صاحبة الريادة في إلغاء الرقّ وإعلان دستور منذ القرن التاسع عشر، وفي إصدار مجلّة الأحوال الشخصية منذ أواسط القرن العشرين، ثمّ الثورة على الاستبداد في القرن الواحد والعشرين. إنّها عقوبة موروثة عن مرجعيّة تجاوزها الزمن، هي مرجعيّة الثأر والانتقام في العصور العشائرية والقبلية، ومرجعيّة الظلم والطغيان في العهود الاستعمارية والاستبدادية، لا تتماشى مع مسار تاريخي تحديثي متواصل انخرطت فيه تونس، يطمح إلى تحقيق العدل وصون الكرامة الإنسانية. كما يندرج تجاوز هذه العقوبة ضمن الإصلاحات التشريعية الأساسية اللازمة لضمان تطابق التشريعات الوطنية مع الاتّفاقيات الدولية لحماية حقوق الإنسان والشعوب التي صادقتْ عليها تونس.

المفكّرة القانونية: ما الذي يمنع السلطة السياسية في تونس، بحسب رأيكم، من المصادقة على البروتوكول الاختياري الثاني المُلحَق بالعهد الدولي الخاصّ بالحقوق المدنية والسياسية، على طريق الإلغاء التامّ والنهائي نصّاً وتشريعاً لعقوبة الإعدام؟

لطيف: تصوّت تونس منذ سنة 2012 لصالح قرار الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة لوقف عالمي لتطبيق عقوبة الإعدام. علاوة على ذلك، هي علّقت تنفيذ الإعدام منذ سنة 1991 ما يضعها في عداد البلدان المُلغِية للإعدام في الواقع. كلّ ما تقدّم يفترض أن تتقدّم خطوة أخرى إلى الأمام بـالمصادقة على البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاصّ بالحقوق المدنية والسياسية وبـالإلغاء التامّ والنهائي نصّاً وتشريعاً لعقوبة الإعدام. وهو أمر لا يستدعي سوى الوعي بحركة التاريخ وإرادة سياسية فاعلة.

المفكّرة القانونية: تحدّثتم سابقاً عن أنّ عقوبة الإعدام انتقائية، طبقية على وجه الدقّة. فهل يمكن توضيح هذه الفكرة وكيف يكون الإعدام تمييزياً وهو يستند إلى معايير واضحة في أحكام المجلّة الجزائية؟

لطيف: الطابع الانتقائي والتمييزي لعقوبة الإعدام تدعمه المعطيات والأرقام في كلّ البلدان التي طُبّقت فيها سابقاً أو التي تُطبَّقُ فيها حالياً، حيث تستهدف العقوبة في المقام الأول الفقراء والمهمّشين والأقلّيّات العرقية والدينية والجنسية. والمثال الصارخ لذلك يأتي من الولايات المتّحدة التي يشكّل المواطنون ذوو الأصول الأفريقية أو المهاجرون من بلدان أميركا الوسطى والجنوبية، غالبيّة المحكومين بالإعدام فيها. لا تشذّ تونس عن هذا القانون العامّ. فالأحكام بالإعدام شكّلت انعكاساً صارخاً لواقع التفاوت الطبقي والجهوي السائد في مجتمعنا، حيث تنتمي غالبيّة المحكوم عليهم بالإعدام إلى الفئات الفقيرة والمناطق المهمّشة. فحسب الإحصائيات المتوفّرة لدينا، تناهز نسبة العمّال اليوميين والعاطلين عن العمل والفلّاحين الفقراء، حتى سنة 2019، ثلثَيْ المحكومين بالإعدام. وهُم ينحدرون في الغالب من الجهات المسمّاة “مناطق الظلّ” المُفتقِرة لكلّ مقوّمات التنمية والحياة الكريمة. وقد دفَعَنا ذلك إلى وضع عنوان “متلازمة سيليانة” (Le Syndrome de Siliana) لدراستنا حول عقوبة الإعدام في تونس، نسبةً إلى جهات سليانة والقصرين وجندوبة والكاف التي تضمّ أكبر نسبة محكومين بالإعدام مقارنة ببقيّة الجهات. ولا تشفع المعايير الواضحة في أحكام المجلّة الجنائية للطابع التمييزي لعقوبة الإعدام. فالحقّ في محامٍ/ية للأفراد الذين يُواجهون عقوبة الإعدام هو مسألة حياة أو موت. ولا يمكن ضمان محاكمة عادلة في غياب محامٍ/ية أثناء جميع مراحل التوقيف والاعتقال والمحاكمة وفترة ما بعد المحاكمة. لقد شهدت تونس منذ سنة 1956 أحكاماً بإعدام 135 شخصاً كان أغلبها لأسباب سياسية ونتيجةَ محاكماتٍ لم تُحترمْ فيها حقوق الدفاع ودرجات التقاضي ومعايير المحاكمة العادلة. كما أنّ انحدار غالبيّة المحكومين بالإعدام لأسباب جنائية من طبقات وفئات اجتماعية فقيرة ومُهمَّشة يُؤكِّد الطابع التمييزي للعقوبة من خلال عجز أغلبهم مادّياً وأدبياً عن تملّك وسائل الدفاع الضرورية والفعلية عن أنفسهم. بالرغم من أنّ الفصل 108 من الدستور التونسي ينصُّ على الحقّ في محاكمة عادلة فإنّ المحكومين بالإعدام المُنحدرين بمعظمهم من أكثر الأوساط الاجتماعية هشاشةً لا تتوفّر لهم مساعدة فعليّة من محامٍ/ية قبل وأثناء وبعد المحاكمة.

المفكّرة القانونية: شهدت سنة 2020، تحرّكات موحَّدة لعشرات المنظَّمات والجمعيّات. ومثّلت الائتلافات، أحد أبرز الأساليب المُعتمَدة للعمل الجماعي، صلب المجتمع المدني. كرئيس للائتلاف التونسي لإلغاء عقوبة الإعدام، كيف تمّ تشكيل هذا الإئتلاف؟ وما الذي أضافه هذا الأسلوب على مستوى العمل الحقوقي والتنسيق البيني وعلى صعيد التأثير والنتائج؟

لطيف: تأسّس الائتلاف التونسي لإلغاء عقوبة الإعدام سنة 2007 ولكنّه بقي غير معترف به إلى حدود سنة 2012 حيث حصل على وصل العمل القانوني بصفته جمعيّة قائمة الذات. في الحقيقة، إنّ الائتلاف امتداد للنضال من أجل إلغاء عقوبة الإعدام الذي خاضته أجيال متعاقبة من المناضلات والمناضلين ومن منظَّمات الحركة الديمقراطية التونسية منذ سبعينيّات القرن العشرين. وقد ارتأى عدد من الجمعيّات الحقوقية التونسية سنة 2007 أن تتشكّل في جمعية ائتلافية حول هدف أساسي هو إلغاء الإعدام في تونس عبر تطوير حركة مُواطنية الغاية وتنظيم حملات توعية وتحسيس لهذا الغرض.

وبالنسبة للعمل الموحَّد بين المنظّمات والجمعيّات، فهو في الحقيقة تقليد يعود إلى فترة الاستبداد ومنع حرّيّة التنظّم والتعبير. وقد اعتُمد في تلك الفترة في إطار التنسيق بين الجمعيات القانونية وغير المعترف بها. وقد مثّلت التحدّيات والرهانات المطروحة على المجتمع التونسي وبخاصّة إثر الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة وفي سنة 2020، عاملاً دافعاً إلى ضرورة توحيد الجهود بين مُكوّنات المجتمع المدني من الحركة الحقوقية الديمقراطيّة التونسية وتكثيف المبادرات الجماعية بينها حول قضايا وأهداف مُشترَكة جامعة لها. وقد أثمر هذا الأسلوب المعتمد نتائج إيجابيّة دفاعاً عن حرّيّة الرأي والتعبير والضمير والصحافة والتظاهر والمساواة بين الجنسين ومناهضة التعذيب والإفلات من العقاب والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وكانت من نتائجه الملموسة على وجه الخصوص النجاح في التصدّي لمشروع “قانون زجر الاعتداءات على الأمنيين” ومشروع تنقيح المرسوم عدد 116 المتعلّق بالاتّصال السمعي البصري وبإحداث هيئة تعديلية مستقلّة. وقد انخرط الائتلاف التونسي لإلغاء عقوبة الإعدام في هذا العمل الجماعي، وتمكّن من الحصول على دعم أكثر من 28 جمعيّة ومنظَّمة في مواجهة مشتركة للحملة الداعية إلى تفعيل تطبيق عقوبة الإعدام خلال شهرَيْ سبتمبر وأكتوبر 2020. كما حصل الائتلاف على دعم 30 جمعيّة ومنظّمة تونسية وقّعت على الرسالة التي وجّهها إلى رئيس الجمهورية ووزير الخارجية لدعوتهما إلى التصويت لصالح القرار الذي ستُصدره الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة تحت عنوان “وقف عالمي لتنفيذ عقوبة الإعدام” خلال دورتها الـ75 في ديسمبر 2020.

 

نشر هذا المقال بالعدد 21 من مجلة المفكرة القانونية | تونس | لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:
جائحة 2020: ملامح ثورة مغدورة

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

تونس ، قضاء ، مجلة ، مجلة تونس ، محاكم جزائية ، محاكمة عادلة ، محاكمة عادلة وتعذيب



لتعليقاتكم