حوار المفكرة مع غسان أبو ستة (2): ذلّ اللجوء أسوأ من الموت في ذاكرتنا الجماعية

،
2023-12-27    |   

حوار المفكرة مع غسان أبو ستة (2): ذلّ اللجوء أسوأ من الموت في ذاكرتنا الجماعية
من تقرير للمركز الطبّي في الجامعة الأميركية في بيروت على فيسبوك

عندما تقابل طبيب الجراحة التجميلية والترميم الدكتور الفلسطيني البريطاني غسان أبو ستة، تشعر بعدم الرغبة بالتوقف عن طرح الأسئلة. فالرجل الذي قضى 43 يوماً خلال العدوان الإسرائيلي على غزة، جرّاح يجري ما بين 10 إلى 12 عملية في اليوم، لا يتوقف دوره فقط كشاهد على استهداف المدنيين والتدمير الممنهج للقطاع الصحي كإحدى وسائل حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي على غزة. ففي جعبة أبو ستة الذي لم يترك غزة وأهلها في أيّ من الاعتداءات الإسرائيلية عليها منذ 2008 إلى اليوم، حيث وصل إلى القطاع في 9 تشرين الأول، قبل ساعات من إقفال معبر رفح وإحكام الحصار عليها، الكثير من الشهادات على كل هذه الحرب التي وصفها ب “التسونامي” بينما الحروب الأخرى كانت، مقارنة معها، فيضاناً. وبرغم استمرار عمله الطبي ل 18 ساعة يوميا، انكبّ على توثيق هدف إسرائيل الممنهج في جعل غزة مكانا غير قابل للحياة. ولم يرصد الأسلحة الفتاكة الجديدة فقط، بل تحدّث عن استعمال الاحتلال للجسد الفلسطيني كرأس مال استثماري تسويقي لها، وأطلق المفهوم المستجدّ على الإبادة لمصطلح “أطفال من دون عائلات”، ومحو عائلات بأكملها عن السجل المدني. وخرج أبو ستّة للعالم بعد قصف المستشفى المعمداني خلال إجرائه إحدى العمليات في غرفه، في شهادة ميدانية من أمام باحتها حيث الجثث والأطراف المبتورة تملأ المكان، لتشكل شهادته أحد أشكال مواجهة تبنّي الإعلام الغربي للرواية الإسرائيلية التي تقول أن المعمداني أصيبت بصاروخ فلسطيني “صديق”. وحوّل أبو ستة صفحته على X التي يتابعها أكثر من 112 ألف متابع، كما إطلالاته الإعلامية العالمية والعربية، إلى منبر لغزّة وجرحاها وأهلها وزملائه في الطواقم الطبية الذين استشهد من بينهم أكثر من 280 طبيبا وممرضة ومسعفاً، ليُعيد هؤلاء، مع أطفال القطاع، من الأرقام إلى كونهم بشراً، ومن بينهم نحو 1000 إلى 1500 طفل بتر لهم طرف واحد على الأقل.

ويعيد أبو ستة حياكة خيوط القضية الفلسطينية من التجربة المدهشة للكادر الطبي المقاوم وارتباطه بالنضال الفلسطيني منذ النكبة، وكيف قرّرت مستشفيات القطاع مواجهة الإبادة الإسرائيلية بعدم الخضوع للتهديدات بالإخلاء، إلى تضامن المجتمع الغزاوي وانصهاره ومقاومته في مواجهة آلة الحرب وعالم الموت الذي يفرضه الاحتلال، مرورا بالاستعراض الإسرائيلي بالقتل لترهيب الفلسطينيين وتهجيرهم، جاهلاً (أي الاحتلال) أنه بالنسبة للذاكرة الجمعية الفلسطينية هناك شيء أسوأ من الموت وهو ذُلّ اللجوء. ويرى أبو ستة أن الدمّ الذي تمّت إراقته بغزارة في غزة “جعل كل حدوتة منظمة التحرير البائسة وراء ظهر الفلسطينيين” ليدعو إلى إعادة تشكيل حركة وطنية فلسطينية تحمي المقاومة الفلسطينية والإنجازات المتراكمة. ولا ينسى تحليل إدارة أميركا للحرب التي كشفت أن إسرائيل مجرد ناطور في المنطقة للمصالح الغربية، وأداء الإعلام الغربي الذي فقد مصداقيته أمام نشطاء السوشيل ميديا عند الجيل الجديد في الغرب، متسائلاً عن سبب عدم إيجاد جامعة الدول العربية والنقابات العربية لمنظمة صحة عربية وأطباء بلا حدود عرب في مواجهة المنظمات العالمية التي تؤكد أن “مؤسسات السيد لا تهدم منزل السيد”.

أما ديما، زوجته، فتقول للمفكرة أن “قرار ذهاب غسان إلى غزة لم يعد موضع نقاش، هذا واجب وغسان يقوم به”. وقلق ديما كان مضاعفا، ولم يقتصر على شريك حياتها ووالد أبنائها: “كل عائلتي ما زالت محاصرة في غزة حتى الآن، لكن هذه قضيتنا جميعنا والأولاد يدركون ذلك أيضاً”.

وأخيرا وليس أخراً يجهد أبو ستة من أجل ضمان ملاحقة إسرائيل وإثبات جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي. وهو إذ خرج من غزة عندما أُقفِلت آخر غرف العمليات وتم تعجيز الكوادر الطبية، فإنه “عائد إلى غزة مع فتح أول كوريدور إنساني”.

وإذ نشرتْ المفكرة الجزء الأول من حوارها مع د. أبو ستة بشأن شهادته الطبية، ننشر هنا عن جهوده لضمان محاكمة إسرائيل على خلفية جريمة الإبادة الجماعية وتوقعاته بشأن مستقبل غزة وفلسطين عموما وعلاقة الجيل العربي بالقضية الفلسطيني.  

بم تختلف هذه الحرب عن سابقاتها؟

نسأل أبو ستة الذي عايش الحروب السابقة على غزة عمّا يميز هذه الحرب عنها. وتأتي إجابته مباشرة: “الفرق بينها هو ما بين الفيضان والتسونامي، حجماً وإجراماً وكماً. هذه حرب إبادة، تلك كانت حروب عسكرية ذا هدف عسكري. هذه الحرب كان هدفها القتل. والقتل يحصل على مرحلتين: القتل المباشر، ومن ثم القتل عن طريق القضاء على كل مقومات الحياة في غزة. فمثلاً خصصوا ليلة لتدمير شرائح الطاقة الشمسية في كل المستشفيات، وليلة أخرى دمروا فيها منشآت تحلية المياه في كل القطاع، وكذلك استهدفوا جامعات ورؤساء جامعات، والأطباء وخاصة أطباء اختصاصات غير موجودة لسواهم في غزة، مثل الدكتور همام اللوح، رئيس قسم أمراض الكلى في غزة، وغيره.. هم يفككون كل مقومات الحياة في غزة بطريقة ممنهجة وعمدا، بشرا ومنازل وطرقات وبنى تحتية بهدف إعدام أي إمكانية للعلاج، إنها الإبادة”.

ووفق أبو ستة، كان الهدف من الحرب مزدوجا: فمن جهة هي تستكمل إبادة الشعب الفلسطيني بهدف تأبيد احتلالها لفلسطين. ومن جهة أخرى، هي تتعامل مع غزة كحجر أساس في دورة تطوير أبحاث صناعة الأسلحة ودراسة أثرها، والتسويق لأسلحة جديدة. وهناك تقييم إسرائيلي وعرض مستمرّان لهذه الأسلحة بهدف التسويق والترويج لها، وطبعا استكمال الإبادة، في ارتباط عضوي للهدفين. وهذا ما يميز فلسطين عن جنوب أفريقيا، حيث أن كيان الاستعمار الجنوب أفريقي كان يحتاج إلى اليد العاملة الإفريقية لاستخراج رأس المال من المناجم، بينما رأس المال الصهيوني الاستعماري لا يحتاج إلى اليد العاملة الفلسطينية، بل إلى الجسد الفلسطيني، عن طريق صناعة الأسلحة وتجريبها والتسويق لها، هو المنجم الذي يستخرج فيه القيمة المضافة، أي يجني أمواله عن طريق قتل الفلسطينيين وبيع الأسلحة التي يقتلهم بها لأنظمة أخرى ترتكب الجرائم نفسها. وهنا تصبح الجثامين هي المختبر لصناعة الأسلحة، وتصبح سرقة الجثامين جزءاً من اختبار الأسلحة لتلمس مفعولها عملياً.

متابعة الجرائم الموثّقة في غزة

يكشف د. أبو ستة أنه فور وصوله إلى بريطانيا، تمّ التواصل مع محاميه من قبل وحدة التحقيق في جرائم الحرب وهي جزء من سكوتلنديارد، ووظيفتها التحقيق مع أي مواطن بريطاني أو مقيم في بريطانيا كان شاهداً أو ضحية جرائم حرب. وعليه، أدلى بشهادة عن كل تجربة غزة لساعات عدة، خاصة تجربة الهجوم على المستشفى الأهلي-المعمداني. بالمقابل، لم يتلقّ أي اتصال من الادّعاء العام في المحكمة الدولية الجزائيّة، لكن أخذ علما من وحدة التحقيق البريطانية أن شهادته ستودع لديها.

ويوضح أبو ستة أن اتصالاته بالمنظمات الدولية انحصرت بمنظمة “هيومن رايتس ووتش” بهدف إبلاغها استياءه من التقرير الذي أصدره فريقها حول قصف المستشفى الأهلي المعمداني، خاصة أنّه ليس مبنيا على أي مقابلة مع أي من أطباء أو الناجين أو الجرحى الذين كانوا في المستشفى، وخلا من أي معاينة ميدانية للمستشفى، كما يفتقر لشهادات أطباء عاينوا الجرحى لتحديد أنواع الأسلحة والذخائر المستخدمة فيه. كما يوضح أبو ستة أن المنظمة لم تتّصل حتى بمديرة المستشفى أو بالمدير الطبي الذي تعرض للتهديد من قبل الجيش الإسرائيلي قبل الهجوم. ويأسف أبو ستة أن المنظمة لم تعدّل التقرير أو تسحبه حتى الآن. ويعبّر هنا أبو ستة عن ذهوله حيال ما جرى عقب قصف مستشفى المعمداني. فخلال ساعة بعد حصول القصف، جرى ترديد سردية إسرائيل التي تقول أن الاستهداف ناتج عن صاروخ فلسطيني ومن دون أي تشكيك أو تدقيق من الإعلام العالمي ومن المنظمات الدولية. وأصبح على الضحية أن تبرهن العكس إلى درجة أن الأسئلة التي وجهها إليه الإعلام العالمي كانت: “شفت حدا تحت مستشفى الشفاء؟ شفت أنفاق وخنادق تحت المستشفى؟” بما يعكس تبنيّا للسرديّة الإسرائيلية.

أيّ دور للمنظّمات الدولية خلال العدوان على غزة؟

نسأل أبو ستة عن تقييمه لدور المنظمات الدولية خلال العدوان في غزة. يبدأ الإجابة بالاستشهاد بالكاتبة الأميركية، من أصول إفريقية، أودري لورد، التي تقول “أدوات السيّد لن تهدم منزل السيّد”. معتبرا أنّ هذه المنظمات هي في النهاية أدوات السيّد. وعليه، يجب علينا أن نخلق أطرنا العربية ومنظماتنا. وهنا أسأل لماذا لا تخلق الجامعة العربية منظمة صحة عربية؟ ولماذا لا يكون للنقابات العربية أدواتها لتحريك فرق طبيّة؟ الحل هو في خلق أدواتنا، بدل أن نبقى نتفاجأ في كل مرة أن هذه المنظمات تعمل تحت السقف الأميركي، وبرغم أنها تحاول تحسين الأداء الإنساني، ولكن دائماً تحت السقف عينه. فمنظمة الصحة العالمية، على سبيل المثال، تبذل قصارى جهدها، ولكن تحت سقف السياسة الأميركية وما يقبله الإسرائيلي. وبالتالي، عندما يُعتقل مدير مجمع الشفاء الطبي الدكتور محمد أبو سلمية من داخل قافلة منظمة الصحة العالمية، رغم التأكيدات والضمانات التي أعطيت له من قبلهم أنه يمكنه الانتقال مع مرضاه من الشمال إلى الجنوب، تحتجّ المنظمة، لكنها لا تذهب إلى تعليق عضوية إسرائيل في المنظمة عينها، أو المطالبة بذلك، ليبقى احتجاجها تحت السقف.

ويردف أبو ستة أن ما كشفته حرب غزة هو أن الجمهور الإسرائيلي وكل المؤسسات الإسرائيلية والنخب الغربية التي يعمل الإسرائيلي ناطورا عندها، دخلت في الذهنية الإبادية. فعندما يُوّقّع 400 طبيب إسرائيلي على عريضة، مدفوع أجر نشرها في كل وسائل الإعلام الإسرائيلي، للمطالبة باستهداف المستشفيات، فإنهم يبرهنون لنا أن هذا المجتمع دخل، كما المجتمع الألماني في العشرينات والثلاثينات، بذهنية الحل النهائي  (Final Solution). ولذا يُصبح السؤال الذي يُطرح على الشعوب العربية وفق أبو ستّة هو التالي: “أنت تسكن في مبنى واكتشفت أن أحد سكانه هو قاتل متسلسل، فهل ستنتظر إلى أن يقتل كل السكان ويصل إليك؟ أم عليك التحرك اليوم؟ لم تعد المسألة محصورة بالتضامن مع الضحية، فقد كنا نعتقد أنه في القرن 21 من الصعب على الإسرائيلي أن يرتكب ما ارتكبه اليوم في غزة وبتشجيع من الغرب، بسبب ردة فعل العالم. ولكن تبيّن لنا أن هذا العالم لا يراه، لا يرى الفلسطيني كإنسان، وهو مستعد للتساهل في قتل 10 آلاف طفل. ولذا السؤال الذي يواجه الدول العربية اليوم، وخاصة تلك الملاصقة لفلسطين، ليس مسألة تضامن، وما هي علاقتك بالضحية، بل ما هي علاقتك بالسفاح الذي يسكن قربك والذي مُنح بطاقة خضراء ليذبح على نطاق لم يره أحد من قبل منذ الحرب العالمية الثانية؟ ولذا هل الشعوب العربية ستتحرك دفاعاً عن نفسها؟ الأزمة عند فئات كثيرة في العالم العربي أنها ترى وكأن الموضوع مرتبط بـالفلسطينيين وليس بإسرائيل، بينما هناك غول وهذا الغول سيأكلك يوما ما. وهذه الجرائم التي يرتكبها في غزة هو قادر أن يرتكبها في القاهرة وفي بيروت وفي عمان وفي أيّ مكان عربي.

مستقبل غزة

نسأل أبو ستة ما هو توقعه بخصوص غزة. هل يتوقّع نهوضها من حرب الإبادة هذه؟ إذّاك يجيب أبو ستة: “غزة ستُشفى في حال سُمح لها أن تُشفى. يتأتى خوفي من إدراكي أن هدف الحرب هو طرد الفلسطينيين من قطاع غزة، وأن إسرائيل ستحاول، كما دائماً، تحقيق ما عجزت عنه في الحرب بعد الحرب. هدفت الحرب إلى تحويل القطاع إلى مكان غير مؤهل للعيش وغير قابل للحياة عبر تدمير كل المستشفيات والمباني السكنية والجامعات والمدارس والبنى التحتية واستهداف الكوادر البشرية في القطاع الطبي والحياتي والتعليمي والثقافي وغيرها. والهدف من كل هذا التدمير هو ليس فقط خلال الحرب بل ما بعد الحرب خصوصاً، ومعه تقويض صمود أهل غزة . فإذا تُرك الناس من دون منازل ومن دون مدارس، وتُرك الجرحى ليموتوا أمام أهاليهم، لسنوات، كل هذا يهدف إلى إنهاء القطاع. الحصار هو استكمال للحرب وهو إحدى أدواتها، وهذا قرار دولي أيضاً. وتبيّن في هذه الحرب أنه قرار أميركي أيضا ومدعوم دوليا، ومُنفّذ من الجميع، وقد يؤدّي إلى استكمال الحصار إذا لم يتغيّر. على سبيل المثال تحولت المدارس إلى أماكن لسكن النازحين كما خرجت نحو 70% من المدارس عن الخدمة. إذا سُمح للغزاويين ببناء القطاع، سيعيدون بناءها وهم بحاجة إلى هذا القرار، وليس إلى المساعدات.

ويلفت أبو ستّة هنا أن ثمة عاملا برز خلال هذه الحرب ولم يكن يتوقعه الإسرائيلي. فعندما قرر الإسرائيلي أن يُجرِم بالذبح والتغول في الدمّ الفلسطيني، كان يعتقد أن تخويف الفلسطيني بالموت سوف يُولّد عنده ردة فعل بالنجاة، وهي ردة الفعل العادية. لكن ما لم يتوقّعه الإسرائيلي، أنه بالنسبة للذاكرة الجمعية الفلسطينية المطبوعة بنكبة 1948، هناك شيء أسوأ من الموت، وهي حياة الذُلّ التي يحياها اللاجئ. ولذا هو يتوقع أنّ الناس ستقاوم إلى أخر لحظة كي لا يصبحوا لاجئين مرة أخرى، بدليل أنه ما يزال حتى هذه اللحظة أكثر من 700 إلى 800 ألف فلسطيني يعيشون في شمال القطاع، وأكثر من 160 ألف غزاوي في مخيم جباليا. وأيضاً ما زال هناك غزاويون في بيت لاهيا وهي أقرب للنار المباشرة من جباليا.

مع شرطة مكافحة الإرهاب…

نسأل أبو ستة عن مآل التحقيقات التي باشرتها شرطة مكافحة الإرهاب مع عائلته في بريطانيا أثناء تواجده في غزة. وهنا يوضح أن التحقيقات تمثلت في طرح أسئلة تافهة كانت في الحقيقة بمثابة محاولة ترهيب، فضلا عن أسئلة أخرى أكثر خبثا ومنها في أي قسم من المستشفى يعمل، أو من دفع ثمن تذكرة السفر وغيرها. وقد جاء رده في مقابلة مع “بي بي سي” في برنامج “News Night”، حيث عرض ما فعلوه في البرنامج الأكثر رواجا، قبل أن يباشر دعوى ضد الشرطة نفسها على خلفية ما قامت به، وإن عاد وأوضح أن الأمر انتهى اليوم.

غسان أبو ستة بعد 7 أكتوبر

وإذ نسأل أبو ستة عما تغيّر فيه بعد 7 أكتوبر، يجيب بلهجته الفلسطينية: “ببيضحك ع حاله الواحد إذا بيقول ما تغيّر شيء”. في الظروف الموضوعية للحياة تغيّرت رؤيتي لنفسي، لقد اكتشفت أموراً عن نفسي لم أكن أدركها، على سبيل المثال لم أكن أعتقد أنني قادر على العمل ل 18 ساعة في اليوم لمدة 43 يوماً متواصلا. لدي إحساس أن الإنسان أقوى بكثير مما كان يتوقع جسديا وذهنيا ونفسيا. غير ذلك، أحتاج لبعض الوقت لإدراك التأثير الفعلي لما عايشته.

ويوضح أبو ستة هنا أنه ترك غزة عندما بقي يومين في المستشفى من دون أن يتمكّن من الدخول إلى غرفة العمليات بسبب النقص في المستلزمات والوقود، وكان قرار الخروج مبنيا على انهيار القطاع الصحي وتدميره، حيث لم يعد وجود الجراح من عدمه هو العامل المؤثر، بل تدمير القدرة الاستيعابية لغرف العمليات ونقص المستلزمات الطبية، فغادرت لأن عملي انتهى بعدما تم تعجيزنا كأطباء. ونعم، هناك 50 ألف جريح 70 إلى 80% من بينهم بحاجة إلى عمليات جراحية. لذا في لحظة إعادة بناء قدرات القطاع الصحي ووقوفه على قدميه وتأمين “كوريدور” إنساني، وحتى إن لم يتوقف العدوان، أنا عائد إلى غزة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الحياة ، الحق في الصحة ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، مقالات ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، فلسطين



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية