حوار المفكرة القانونية مع رئيس نادي قضاة المغرب حول مشروع قانون التنظيم القضائي الجديد


2016-05-17    |   

حوار المفكرة القانونية مع رئيس نادي قضاة المغرب حول مشروع قانون التنظيم القضائي الجديد

يعتبر قانون التنظيم القضائي من بين أكثر القوانين ارتباطا بالسلطة القضائية. فهو يحتل الدرجة الثالثة في الأهمية بعد قانون المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والنظام الأساسي للقضاة. وتكمن أهمية هذا القانون في المواضيع التي ينظمها من قبيل تحديد أنواع المحاكم وكيفية ترتيبها وتشكيلها، وقواعد الاختصاص، وأنواع المنازعات التي تعرض عليها، فضلا عن المقتضيات المتعلقة بالجمعيات العمومية للقضاة بالمحاكم (التشكيلات القضائية)، وهي مواضيع شديدة الارتباط باستقلال السلطة القضائية. وتطرح مناقشة مشروع التنظيم القضائي الجديد في المغرب سؤال موقف الجمعيات المهنية القضائية من هذا التعديل، ومدى احترامه لمبدأ المقاربة التشاركية. وفي هذا السياق أجرت المفكرة القانونية حوارا مع رئيس نادي قضاة المغرب، عبد اللطيف الشنتوف، حول مشروع التنظيم القضائي الجديد المعروض للمناقشة والتصويت على أنظار البرلمان المغربي في ولايته التشريعية الحالية.
 
1)   هل استجاب مشروع قانون التنظيم القضائي الجديد للمقاربة التشاركية، وهل كان محل تشارك معكم كجمعية مهنية  خلال مرحلة اعداده من طرف وزارة العدل والحريات؟

ان مسودة مشروع القانون رقم 38-15 المتعلق بالتنظيم القضائي أعدت من طرف لجنة تقنية في وزارة العدل والحريات. وعندما نشرت لأول مرة في الموقع الرسمي للوزارة خلال شهر تشرين الثاني (نونبر) 2014 تقدمنا في نادي قضاة المغرب بمذكرة مفصلة اشتملت على ملاحظاتنا حول المسودة شكلا ومضمونا. كما لبينا دعوة من وزير العدل لمناقشة مضامين هذه المذكرة في اجتماع استغرق عدة ساعات.

2)   أين تكمن أهمية مشروع قانون التنظيم القضائي الجديد بالنسبة للمواطنين؟

يعدمشروع قانون التنظيم القضائيمن حيث أهميته رابع مشروع رئيسي منذ قرن من تواجد المحاكم العصرية بالمغرب. فبعد ظهير 12/08/1913 في فترة الحماية، ثم المرسوم الملكي المؤرخ في 3 /07/ 1967 عقب قانون التوحيد والتعريب والمغربة، فظهير 15 /07/ 1974 إثر ما عرف بالإصلاح القضائي، جاء المشروع الحالي في ظرفية خاصة تميزت بارتقاء دستور 2011 بالقضاء كسلطة قائمة الذات ومستقلة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية. كما سعى إلى إعادة النظر في تنظيم تشريعي أرهقته كثرة التعديلات وأخرجته عن روحه بسبب جملة من التجارب التي كان التنظيم القضائي المغربي حقلا لها.كما أن قانون التنظيم القضائي هو القانون الذي يهتم بتحديد المبادئ التي يقوم عليها هذا التنظيم القضائي وتنظيم عمل الهياكل القضائية وتأليف المحاكم بشتى أنواعها وسير عملها اداريا وقضائيا. ومن هذا المنطلق، فإنه من القوانين المهمة جدا لاتصاله أولا بالتنظيم الهيكلي للمحاكم وكيفية تقديمها للخدمة القضائية لفائدة المواطنين وقربها منهم جغرافيا ونوعيا، وثانيا لإمكانية أن يشكل هذا القانون ضربا لمبادئ استقلال القضاء المنصوص عليها في الدستور وفي القوانين التنظيمية المتعلقة بالسلطة القضائية. لهذه الأهمية، كنا نود لو أن المشرع الدستوري ارتقى به إلى مرتبة النص التنظيمي وذلك حتى يخضع لرقابة قبلية من طرف المحكمة الدستورية عوض أن يبقى مجرد قانون عادي يصدر عن البرلمان دون هذه المراقبة التي تحصن النصوص القانونية أكثر وهي ضمانة لفائدة المواطن المتقاضي طبعا.

3)   يرى بعض المراقبين أن نادي قضاة المغرب لم يعط أهمية كبيرة لهذا القانون على خلاف القوانين التنظيمية المتعلقة بالسلطة القضائية؟

كما أسلفت، قدم نادي قضاة المغرب مذكرة مفصلة إلى وزارة العدل ونشرها لاحقا بموقعه الرسمي. وقد كان النادي الجمعية الوحيدة التي قامت بهذه المبادرة، كما أنه وخلال محطات الحراك القضائي أثار العديد من المقتضيات المرتبطة بموضوع التنظيم القضائي قبل أن يفتح مجال تعديل هذا القانون، من بينها على سبيل المثال مطالبته المستمرة بدمقرطة الجمعيات العمومية بالمحاكم، واعداده تقارير سنوية حول طريقة انعقاد هذه الجمعيات في سابقة تعد الأولى من نوعها على الصعيد الوطني. لكن أتفق معكم بخصوص التغطية الاعلامية لموقف نادي القضاة من قانون التنظيم القضائي التي لم تكن تغطية واسعة. ربما مرد ذلك تزامن الاعلان عن مسودة هذا القانون مع صخب مناقشة القانونين التنظيمين المتعلقين بالنظام الاساسي للقضاة والمجلس الاعلى للسلطة القضائية اللذان اخدا منا كل جهدنا تقريبا لأهميتهما في عملية استقلال القضائية، لكن مع ذلك قمنا بدورنا في الملاحظة والترافع أمام الجهات المختصة.

4)   كيف تقيمون مشروع التنظيم القضائي الجديد وما هي أهم ملاحظاتكم الايجابية والسلبية التي سجلتموها بخصوص هذا المشروع؟

تضمن المشروع ايجابيات لا يمكن انكارها. فمنناحية الشكل، أصبحنا الآن أمام مدونة متكاملة للتنظيم القضائي احتوت كل النصوص التي كانت متفرقة كالأحكام المتعلقة بتنظيم قضاء القرب والمحاكم الإدارية ومحاكم الاستئناف الإدارية والمحاكم التجارية ومحاكم الاستئناف التجارية.كما تم التفصيل في  تنظيم الجمعيات العامة بالمحاكم وشروط وكيفية انعقادها واختصاصها، لأن هذه التفاصيل لم تكن موجودة مما جعل الكثير من المسؤوليين القضائيين بالمحاكم يسيطرون عليها وتصبح واقعا وكأنها غير موجودة مع بعض الاستثناءات. كما أن إحداث جمعية عامة في محكمة النقض يعد انتصارا كبيرا لمطلب ألح عليه نادي القضاة ويعد ثورة كبيرة بالمقارنة مع كان عليه الأمر. فمن المؤسف حقا أن أعلى هرم قضائي على الصعيد الوطني لا يستفيد من الديمقراطية التشاركية داخل محكمة النقض التي من المفروض أن يجعلها المشرع نموذج يحتدى به لبقية المحاكم الدنيا باعتبار مكانتها والنضج المفروض في القضاة العاملين بها وغيرها من الاعتبارات. لكن العكس فيما مضى كان هو الحاصل بحيث لم تكن لمحكمة النقض أي جمعية عامة وانما فقط مكتب به عدد من الأعضاء يقرر في التنظيم الداخلي للمحكمة. كما تم التنصيص على دور محكمة النقص في توحيد الاجتهاد القضائي، وكذلك وجود حالة تنازع المصالح كسبب من أسباب تجريح القضاة.

لكن طبعا المشروع لا زالت به بعض الشوائب تحتاج إلى مراجعتها أمام البرلمان، وأهمها:

  • عدم تبنيه لتأسيس قضاء اداري مستقل على رأسه مجلس الدولة.
  • بقاء السلطة  التنفيذية حاضرة بقوة في المشهد القضائي وخاصة على مستوى إحداث المحاكم والمراكز والاقسام المتخصصة بالمحاكم بحيث نص المشروع على أنها تنشأ بمرسوم حكومي بعد أخذ رأي المجلس الاعلى للسلطة القضائية. والحال أن هذا الاختصاص هو اختصاص أصيل للمجلس الأعلى للسلطة القضائية. ويمكن في إطار التعاون بين السلطات كما ينص على ذلك الدستور أخذ رأي الحكومة لا العكس. وكان من المقبول ربما مرحليا أن يكون الأمر بقرار مشترك. ويلاحظ الابقاء على نفس الحضور على مستوى التدبير المالي والاداري للمحاكم وهذا حتما سوف تنتج عنه مشاكل قريبة في المستقبل وامكانية كبيرة للتدخل في القضاء.
  • تهريب بعض اختصاصات الجمعية العامة لفائدة المسؤولين القضائيين ومكتب المحكمة (المادة 7 مثلا والمادتان 89 و 94 التي تنص على أن مكتب محكمة النقض هو الذي يضع النظام الداخلي بدل الجمعية العامة، وهو ما يشكل تعديا صريحا على قيم الديمقراطية والتسيير التشاركي).
  • إضافة أخطاء جسيمة لعمل القاضي في المادة 15 مع ان المجلس الدستوري جعلها حصريا في المادة 97 من القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الاساسي للقضاة .
  • كثير من مواد المشروع تنص على أن المحاكم والأقسام والغرف تشتغل تحت اشراف رئيس المحكمة. وهذا فيه تجنّ على استقلالية القاضي، بحيث يلزم توضيح الأمر وجعل الاشراف مقتصرا على الجانب الاداري فقط.

5)   ما رأيكم في كيفية معالجة مشروع قانون التنظيم القضائي الجديد للقضاء المتخصص؟

من سلبيات مشروع التنظيم القضائي الجديد أنه يتيح امكانية إحداث غرف وأقسام تابعة للمحاكم الابتدائية تبت في قضايا القضاء المتخصص في المادتين الإدارية والتجارية بمجرد مرسوم صادر عن رئيس الحكومة. ومن شأن اقرار هذا الأمر أن يضيع تجربة القضاء المتخصص التي راكمها المغرب لمدة تزيد عن عشرين سنة. وقد شكلت على امتداد هذه الفترة مكسبا للقضاء المغربي رغم كل ما يمكن ان يقال عنه، بحيث أشاد به المهنيون من مساعدي العدالة والمؤسسات الدولية وساهم بالدفع بترتيب المغرب عالميا في برنامج ممارسة أنشطة الأعمال Doing business،بالنسبة للمحاكم التجارية مثلا. ونعتقد أن سبب إنشاء هذه المحاكم المتخصصة لا زال قائما، ذلك أن حاجتنا للاستثمار سواء الداخلي منه أو الخارجي لا زالت ملحة وستبقى كذلك. كما أن الحاجة ملحة أكثر لتطوير القضاء التجاري وتوسعيه لا إلغائه بحكم التطور الذي يعرفه الاقتصاد المغربي وما يفرضه ذلك من ضرورة إصدار قوانين تجارية تتطلب المهارة والتخصص. كما أن القول بشساعة الدوائر الترابية للمحاكم التجارية وبعدها عن المتقاضين أحيانا، والمثال الذي يُعطى دائما هو بُعد مدينة الداخلة بأزيد من 1000 كلم عن مدينة أكادير التي توجد بها المحكمة التجارية التي تتبع لها. فمع التسليم بصحة هذا المعطى، فإن معالجته لا تكون بإلغاء المحاكم التجارية وإنما بخلق محكمة تجارية بمدينة الداخلة مثلا، أو على الأقل خلق فرع يتبع للمحكمة التجارية وليس العادية وهو حل يمكن تطبيقه في جميع المناطق.

 6)- يرى البعض من منتقدي نادي قضاة المغرب أن أفكاره متقدمة جدا تصل إلى درجة "الطوباوية"، ولا تنسجم مع واقع المحاكم الذي يبقى عصيا عن تطيبق الافكار التي تطرحونها كإسناد اختصاصات واسعة للجمعيات العامة؟

طبعا موضوع الواقع هذا يمثل اشكالا كبيرا وتعرفه جميع القطاعات داخل الدولة وهو نتيجة عدة أسباب ثقافية وسوسيو اجتماعية وتربوية. وفي نظري، لا ينبغي لهذا الواقع أن يقف حجر عثرة أمام الاصلاح والا كنا كمن يصلح خطأ بأخطاء أخرى.
اننا نطالب باعتماد المبادئ القانونية أولا، وبعدها يأتي تغيير الواقع اليومي بآليات وأساليب أخرى. لكن في كثير من الاحيان يبقى التمسك بمبررات الوضع الراهن الذي لا يسمح بتطبيق الاصلاح المنشود مجرد مبررات واهية للتهرب من سؤال الاصلاح الحقيقي. 

للإطلاع على "مذكرة نادي قضاة المغرب حول مسودة مشروع قانون التنظيم القضائي للمملكة"، و"مشروع قانون التنظيم القضائي" على الروابط أدناه:

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، استقلال القضاء ، المغرب



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية