حلّ “لجنة المادة 47” في نقابة المحامين في بيروت يُهدّد حقوق الدفاع


2023-06-02    |   

حلّ “لجنة المادة 47” في نقابة المحامين في بيروت يُهدّد حقوق الدفاع

أتى قرار نقيب المحامين في بيروت ناضر كسبار بحل “لجنة متابعة تطبيق المادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية” ليزيد الطين بلّة بعد تعدّد القرارات المثيرة للجدل التي اتخذها كسبار والتي ووجهت باعتراضات داخل الجسم النقابي. فلم يكد يعلم كسبار بأنّ ثمانية محامين من مؤسسي اللجنة يتجهون إلى تقديم استقالتهم على خلفية اعتراضهم على أداء مجلس النقابة، حتى سبقهم إلى إعلان “حل اللجنة” في قرار أصدره في 30 أيّار 2023. 

وبالتالي فالقرار المفاجئ هو خطوة استباقية لقطع الطريق أمام هذا الموقف الجماعي المعارض. كما صدر القرار من دون الإعلان عن أي خطّة لضمان استمرارية عمل هذه اللجنة التي تهدف إلى تقديم المساعدة القانونية المجانية للموقوفين الأكثر حاجة، مما قد يهدد حقوق الدفاع في ظلّ تقاعس مجلس النقابة عن تفعيل هذه الخدمة بشكل جدّي.

استباق الاستقالات الجماعية المعترضة على أداء مجلس النقابة

برّر كتاب النقيب قرار الحلّ بـ “الطلبات العديدة الواردة من قبل الزملاء المحامين الّذين أبدوا رغبتهم بالمشاركة في عضوية اللجنة”، وفي الوقت عينه أشار إلى “فتح باب الانتساب تمهيدًا لإعادة تشكيلها وتوسيع دورها ومهامها”. تبرير رفضه المحامون الثمانية المستقيلون بخاصّة وأنّ عدد أعضاء اللجنة وصل في عهد كسبار إلى 38 عضوًا. كما أنّ كسبار أعلم المحامين الأعضاء أنّ بإمكانهم البقاء في اللجنة عند تشكيلها من جديد، ما يعني أنّ مبرّرات حلّها غير مقنعة إذ كان بإمكانه توسيع مهامها واستقبال منتسبين جدد من دون اللجوء إلى حلّها، بخاصّة أنّه تم سابقًا تعديل أعضاء اللجنة من دون حلّها. هذا ما دفع البعض إلى وضع حل اللجنة في إطار سياسي يهدف إلى قمع موقف الاستقالة الذي كان ينوي المحامون المستقيلون إعلانه. 

لم يمنع حلّ اللجنة المحامين من الإعلان عن موقفهم من خلال كتاب موقّع في تاريخ 29 أيّار 2023، بأسماء المحامين النائب فراس حمدان الذي يقوم بمهام المستشار في اللجنة، ومنسقة اللجنة ملاك حمية، ومقرر اللجنة الشريف سليمان، رئيس اللجنة السابق مازن حطيط، والمحامون الأعضاء لمى الأمين، عماد عمّار، أيمن رعد وضياء حمّود. وبرّروا استقالتهم بأنّها موقف من “القرارات والمواقف التي صدرت عن مجلس النقابة وعن النقيب في الفترة الأخيرة، والتي تُظهر جليًا الاختلاف الجذري بين الرؤية والهدف الذي يحمله الموقعون على الكتاب الراهن مع الرؤية والهدف الذي يتوخاه مجلس النقابة في عهدها الحالي”. وتابع الكتاب: “أصبح لقب “محامي الشارع” تهمة مرتبطة بتمويل خارجي وأجندات مشبوهة، وأضحت حرية التعبير وجهة نظر تستوجب موافقة مسبقة وأصبح الاعتراض والنقد سببًا للمساءلة والتحقيق”، في إشارة إلى قرار مجلس النقابة بفرض الإذن المسبق على الظهور الإعلامي للمحامين واستدعاء عدد من المحامين على أثره (مثل نزار صاغية وإبراهيم مسلم) وغيرها من المواقف والمؤتمرات المتعلقة بحرية التعبير والعنف الأسري التي برزت في النقابة مؤخرًا.

وشرح المحامون في بيان الاستقالة أنّ “العمل في لجنة متابعة تطبيق المادّة 47 من أصول المحاكمات الجزائية ليس مجّرد تطبيق لمادّة قانونيّة، بل هو فكر وقضية ودمج ومواءمة ما بين المهنة والقضية والرسالة، ويعكس صورة المحامي المندفع المتفاني الحر، المتخلّي عن ذاتيته بغية خدمة الهدف الأسمى وهو الإنسان وكرامته وحق الدفاع المقدّس عنه، وإعلان الصوت دون أي قيد أو شرط في مواجهة هذه السلطة الجائرة”. 

وأوضح المحامون في رسالة مرفقة ببيان الاستقالة أنّهم كانوا متوجهين إلى تسجيل استقالتهم في الديوان لكنّ النقيب سبقهم بقرار حل اللجنة. وأكدوا أنّ “صدور قرار حل اللجنة بخطوة استباقية، لا يعني بأي حال من الأحوال تراجعنا عن كل ما ورد في الكتاب وعن موقفنا الواضح والصريح، مع تحفّظنا على عدم احترام الزملاء أعضاء اللجنة لطريقة وأسلوب حلّها”. 

وعن أسباب الاستقالة، يقول رئيس اللجنة السابق المحامي مازن حطيط، وهو أحد المحامين الثمانية المستقلين، أنّ “المحامين المستقيلين لمسوا بعد التعديلات على نظام آداب المحامين في 3 آذار 2023 أنّ مجلس النقابة يتّجه إلى تبنّي خطاب السلطة الذي نحن ضدّه من الأساس، وعبّرنا بشكل فردي عن رفضنا لها”. وينتقد حطيط الخطاب الذي وصّف بعض المحامين بـ “محامي الشارع”، معتبرًا أنّ هؤلاء “المحامين هم الّذين شاركوا مع الناس في التظاهرات وكانوا يدافعون عنهم خلال التوقيفات الاعتباطية التي طالت العشرات منذ حراك عام 2015 وصولًا إلى التظاهرات التي بدأت في 17 تشرين الأول 2019”. وشرح حطيط أنّ “لجنة تطبيق المادّة 47 كان عصبها الأساسي هؤلاء المحامين الّذين سمّيوا محامي الشارع”.  وأضاف: “حين أصبح خطاب مجلس النقابة يستخدم عبارة “محامي الشارع” على شكل اتهام، كما ذهب إلى اتهامهم بتنفيذ أجندات خارجية، وجدنا أنّ هذا الخطاب يتماهى مع خطاب السلطة”. وشدد حطيط على أنّ “تهمة محامي الشارع، ليست مذمّة بل نفتخر بها”. وعليه، يرى أنّ “هذا الخطاب الذي تبنّاه مجلس النقابة وضعنا أمام خيار لتحديد إن كنّا محامين مع الناس أم مع السلطة؟ وبالتالي بدأنا نفقد هويتنا ما جعلنا مصرّين على اتخاذ موقف”. 

ويضيف حطيط أنّ “مجلس النقابة لم يتخذ موقفًا تجاه انتهاكات القوى الأمنيّة في التحقيق مع المشتبه بهم، كما وفاة أحد الموقوفين تحت التعذيب. ولم يكن مجلس النقابة سندًا في مسألة المخالفات التي تُرتكب بحق الموقوفين، ولم يضع حدودًا له”. ويأسف حطيط للقرار الاستباقي الذي اتخذه نقيب المحامين بحلّ اللجنة، من دون اعتراض أي من أعضاء المجلس، كما “من دون التواصل معنا وسماع أسباب توجهنا للاستقالة”. ويختم حطيط بأنّ “حلّ اللجنة يهدّد حقوق الدفاع للموقوفين بخاصّة في حال تأخر إعادة تشكيلها”. 

وقد جاء قرار الاستقالة الجماعية بعد أقل من أسبوعين على إعلان جمعية المودعين اللبنانيين في 19 أيّار انسحابها من كافة اللجان التي شكّلتها نقابة المحامين في بيروت في قضايا المودعين اعتراضًا على أداء مجلس النقابة تجاه هذه القضايا وعلى منحه “الأذونات لملاحقة (المحامين) المخلصين لها”.

لجنة لضمان حقوق الدفاع: أي جهود للمأسسة؟ 

تكتسي لجنة تطبيق المادة 47 أهمية خاصّة من خلال تميّزها عن باقي اللجان النقابية كونها أُنشئت إثر تعديل المادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية بموجب القانون رقم 191 في تاريخ 30 أيلول 2020، وهي المادة التي تحمي حقوق المشتبه بهم وتضمن لهم حقوق الدفاع خلال التحقيقات الأوّلية عبر اتصال هاتفي والاستعانة بمحام (التي أصبحت إلزامية بعد التعديل) وطلب تعيين طبيب شرعي كما تمنع انتزاع الاعترافات تحت الضغط. ويقوم دور اللجنة على “تكليف محامين لحضور التحقيقات الأوّلية مع المشتبه فيهم الذين يطلبون ذلك، بالإضافة إلى دعم المحامين الخاصّين غير المكلّفين من النقابة والذين يواجهون صعوبات لتطبيق المادة 47 ودخول مراكز التحقيق وحضور التحقيقات مع موكّليهم”، بحسب دراسة لرئيسة قسم التقاضي في “المفكرة القانونية” المحامية غيدة فرنجية في العام 2022 بعنوان “الاستعانة مجانًا بمحام خلال التحقيقات الأوّلية: العوائق أمام التنفيذ”. 

وجاء القانون 191/2020 ليلزم نقابتَي المحامين في بيروت وطرابلس بتعيين محامين مجانًا للمشتبه بهم الّذين يتعذّر عليهم تعيين محامٍ لأسباب ماديّة، إذ ينبغي على الضابطة العدلية التواصل مع إحدى النقابتين لطلب تعيين محامٍ مجانًا. فأنشئت نقابة بيروت لجنة تطبيق المادة 47 في 25 تشرين الأول 2021 بعد مرور نحو عام على تعديل القانون بقرار من نقيب المحامين السابق ملحم خلف قبل أيام على انتهاء ولايته. وأُنشئت اللجنة بشكل مستقلّ عن مركز المعونة القضائية في النقابة، وضمّت أول مرّة 17 عضوًا، ثم أعاد النقيب كاسبار تشكيلها في 21 كانون الأوّل 2021 بعد تولّيه منصب نقيب المحامين خلفًا لخلف بـ 19 عضوًا، وترأس المحامي مازن حطيط اللجنة في المرتين. وفي 21 كانون الأول 2022 أعاد كاسبار تشكيل اللجنة بـ 38 عضوًا وعيّن عضو مجلس النقابة ومفوّض النقابة لدى قصر العدل المحامي عماد مارتينوس رئيسًا لها. 

في مقابل توّجه نقابة بيروت إلى إنشاء لجنة مستقلّة عن مركز المعونة، اتجهت نقابة  المحامين في طرابلس إلى  إدخال خدمة تكليف محامين لحضور التحقيقات الأوّلية ضمن مهام “مركز المعونة القضائية والمساعدة القانونية” وذلك لـ “قناعة النقابة بضرورة توفّر الجسم الإداري لضمان فعالية وجودة العمل وآليات الرقابة والتقييم” وفقاً لدراسة فرنجية، بخاصّة كون القانون فرض حضور المحامين إلى المخافر خلال مهلة ساعتين مما يفرض درجة عالية من التنظيم والجهوزية. وقد أطلقت نقابة طرابلس برنامجها لتطبيق المادة 47 في حزيران 2022 بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مع تفعيل خط ساخن لتلقي طلبات تكليف محامين، في حين لا يزال مجلس نقابة بيروت يتقاعس عن اتخاذ خطوات جديّة من أجل مأسسة المساعدة القانونية المجانية للمشتبه فيهم بشكل فعّال بعد عامين ونصف العام على تعديل القانون. 

وكانت لجنة المادة 47 قد اقترحت تفعيل خط ساخن لتلقّي طلبات تكليف المحامين وتعميمه على الأجهزة الأمنية وتكليف موظف من النقابة لإدارة الخط الساخن ومتابعة الأمور الإدارية المتعلقة بالتكليفات، كما والعمل على إشراك المحامين المتدرجين في تقديم المساعدة القانونية وعلى تأمين محامين من مختلف المناطق كون صلاحية النقابة تشمل جميع المحافظات اللبنانية باستثناء الشمال وعكار، إلّا أنّ مجلس النقابة في بيروت لم يقرّ أيًّا من الاقتراحات لغاية اليوم. وفي هذا السياق، يأتي قرار حلّ اللجنة على هذا النحو بمثابة ضربة إضافية لمبدأ المساواة في حقوق الدفاع في ظلّ تأزّم الأوضاع الاقتصادية للعديد من المقيمين في لبنان ومن ضمنهم المحامين.

سنوات من النضال لتكريس حقوق الموقوفين  

يسجّل أنّ معظم المحامين الذين قدموا استقالتهم من اللجنة هم من مؤسسي وأعضاء “لجنة المحامين المتطوّعين للدفاع عن المتظاهرين” التي نشأت على إثر حراك النفايات في العام 2015، والذين عمدوا إلى نقل الخبرة التي اكتسبوها من نضالهم في هذه اللجنة إلى قلب النقابة. فلا يُمكن الإضاءة على لجنة تطبيق المادة 47 من دون التذكير بأنّها نتيجة لمسار نضالي حقوقي طويل بهدف حماية حقوق الموقوفين والدفاع عنهم. وفي العقد الأخير، تطوّرهذا النضال بعدما كشفت التوقيفات التي طالت متظاهرين عن انتهاكات عدّة لحقوق الدفاع، من خلال منعهم من الاتصال بعائلاتهم وتوكيل محامٍ وانتزاع الاعترافات تحت الضغط والتعذيب. وظهرت مخاطر الانتهاكات التي تمثلت بتلفيق اتهامات ضدّ متظاهرين وموقوفين بشبهات مختلفة وادعاءات لا تستند إلى أدلّة من قبل النيابات العامّة، كما أخطرها وفاة موقوفين تحت التعذيب منعوا من الاستفادة من حقوقهم. 

ونتيجة هذه الممارسات خاضت “لجنة المحامين المتطوعين للدفاع عن المتظاهرين” منذ إنشائها في عام 2015 معارك مع القضاء والأجهزة الأمنيّة لتطبيق المادّة 47 لدى مراكز التوقيف، واستكملت مسارها مع تظاهرات 17 تشرين الأول 2019. واستند دفاع المحامين في المحاكم إلى حرمان المدعى عليهم من الاستفادة من حقوقهم خلال التحقيقات الأوليّة، وانتزاع اعترافات منهم تحت الضغط والتعذيب، بخاصّة في مرافعاتهم أمام المحكمة العسكريّة حيث تمكّن محامو اللجنة من انتزاع أحكام بعدم اختصاص القضاء العسكري وبالبراءة. وفي المقابل تقاعست النيابات العامّة عن وضع حدّ لهذه المخالفات الجسيمة لحقوق الدفاع. والعراقيل نفسها في المحاكم الجزائية التي غالبًا ما التزمت الصمت من دون اتخاذ أي إجراء في الملفات التي يُثبت فيها حرمان الموقوف من حقوقه وتعرّضه للتعذيب في التحقيقات الأولية.
ولطالما شعر المحامون المتطوّعون بابتعاد نقابة المحامين في بيروت عن احتضان هذه القضية، إلى أن انتخب النقيب السابق ملحم خلف الذي سارع مع تولّيه منصبه إلى تبنّى قضية حقوق الموقوفين، وظهر ذلك حين اشتكى له محامون من امتناع قوى الأمن في ثكنة الحلو عن السماح لهم بمقابلة موقوفين أُلقي القبض عليهم في تظاهرة في وسط بيروت في 19 تشرين الثاني 2019 بعد يومين من انتخابه. يومها دخل خلف إلى الثكنة برفقة المحامين وأعلن لاحقًا عبر مكبّر الصوت “لن يغلق أيّ مكان أمام محامٍ”. وبعد توالي التحركات والبيانات المنددة بأداء الضابطة العدلية من قبل نقابة المحامين في حينه، أصدر النائب العام التمييزي  غسّان عويدات في كانون الأوّل 2019 تعميمًا موجّهًا إلى الضابطة العدلية يطلب فيها تطبيق المادة 47 وذكّر في التعميم بالبنود التي على الضابطة العدلية الالتزام بها. وبحسب دراسة فرنجية فإنّه على رغم تضمّن تعميم عويدات بعض الثغرات، إلّا أنّ التعميم “شكّل سلاحًا  قانونيًا هامًّا انتزعته الانتفاضة ليس فقط لفائدة المنتفضين والمتظاهرين، بل لفائدة جميع المقيمين على الأراضي اللبنانية كون النيابة العامة التمييزية تشرف على أعمال الضابطة العدلية العادية والعسكرية”. وقد تكلّل هذا النضال بعد أقلّ من عام بتعديل مجلس النوّاب للمادة 47 من أجل توسيع ضمانات الدفاع للموقوفين، والتي أُنشئت اللجنة النقابية (التي قرر كسبار حلّها) لضمان حسن تنفيذها.

انشر المقال

متوفر من خلال:

انتفاضة 17 تشرين ، المهن القانونية ، المرصد القضائي ، حرية التعبير ، لبنان ، مقالات ، حراكات اجتماعية ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية