حلم “عجيل” في أن تكبر وتتطوّر: المؤسّسات العمومية النفطية تنتفض


2021-05-10    |   

حلم “عجيل” في أن تكبر وتتطوّر: المؤسّسات العمومية النفطية تنتفض
(الصورة من موقع tunisactus)

نهاية سنة 2020 عرضت ثلاثة بنوك أجنبية[1] تستثمر في شركة “تنكماد” المختصّة في تخزين المحروقات[2] وتمتلك ما نسبته 52% من مجمل رأسمالها أسهمها للبيع. كان العرض يهمّ بدرجة أولى مؤسستين من القطاع العام التونسي هما المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية Etap والتي تختصّ “باستكشاف وإنتاج البترول والغاز والسهر على مصالح الدولة في هذا المجال استغلالاً وتسويقاً”[3]، والشركة التونسية لتوزيع البترول التي تختصّ في توزيع المواد البترولية تحت العلامة التجارية “عجيل”[4]. ومن المعلوم أنّ كلّاً من هاتين الشركتين تملك 24% من أسهم الشركة التي يعرض أسهمها للبيع، مما يمنحهما بقوّة القانون الأساسي للشركة حق الأولويّة في الشراء.

عجيل على الخط: إطارات المؤسسة يحلمون ويخطّطون

كانت “عجيل” تعلم أنّ الشركة التي تساهم فيها ويمكن أن تكون المالكة الأكبر لحصصها مصدرة وتحقق سنويا أرباحا هامة بما يجعلها فرصتها لدخول عالم التصدير وتطوير نشاطها[5]. لذا قرر مجلس إدارتها منافسة المستثمر الإيطالي ” P I R” الذي تقدم بعرض للشراء، مطالبا وزارة الصناعة والطاقة والمناجم باعتبارها جهة الإشراف على عمله الإذن لها في المنافسة على شراء الأسهم. تضمن طلب الترخيص ما يفيد القدرة على تمويل الشراء دون صعوبات زيادة على شرح مستفيض يؤكد أن الاستحواذ على الأسهم المعروضة للبيع ستكون له مردودية مالية هامة في أفق خمس سنوات فقط خصوصا وأن تنكماد تحقق سنويا أرباحا هامّة ولها حرفاء مهمّين داخل تونس وخارجها. وكان ينتظر هنا من الجهة الحكومية أن تبادر لدعم عجيل في مسعاها لما فيه من حماية لأمنها الطاقي ولكن خلافا للتوقعات رفض الوزير ذلك[6].

القطاع العام النفطي ينتفض: الإضراب دفاعا عن الحق في النشاط

ساء الموقف الحكومي العاملين بمؤسسات القطاع العام في قطاع النفط. وقد عدّته الجامعة العامة للنفط والمواد الكيمياوية، وهي الهيكل النقابي القطاعي الممثل لهم صلب الاتحاد العام التونسي للشغل، في بلاغ صدر عنها بتاريخ 22-04-2021 قرارا غير وطني تحوم حوله الشبهات ويخدم المستثمر الأجنبي بشكل لا يمكن تبريره. ودعت منظوريها لإضراب عام عن العمل في اليوم الموالي رفضا له ودفاعا عن المرفق العمومي وانتصارا للمصلحة الوطنية. وقد نبهت النقابة لكون تنكماد تحتكر لوحدها 35% من الطاقة التخزينية للمواد النفطية بتونس[7] بما يجعلها مؤسسة ذات أهمية استراتيجية.

شكّل دخول النقابة على الخطّ ونجاح تحرّكها عامل ضغط على الحكومة التي تراجعت بعد يومين فقط عن موقفها السابق لتعلم مجلس إدارة عجيل بمراسلة رسمية أنها تصادق على طلبه المشاركة في عرض الشراء.

ينتظر تاليا أن تتقدم الشركة الوطنية بعرضها للشراء ويتوقع أن يتحقق لها ذلك دون صعوبات لكون عرضها المالي يساوي في قيمته عرض منافسها وهي تمتع بأولوية الشراء[8].

إعادة صياغة للخطاب حول المؤسسات العمومية

يسود خطاب سياسي- محاسبي بتونس يعتبر المؤسسات العمومية مصدر صعوبات المالية العمومية بالنظر لعجزها المالي. ويسوّق لكون خصخصتها ستكون السبيل للتخلص من عبئها زيادة على ما تمثله من دخل للميزانية يخفف من ضغط الحاجة للاقتراض. ويبدو أن حكاية عجيل وتوجهها للتطور تصلح أن تكون الدليل الذي يفرض مراجعة ذاك الخطاب على أكثر من بعد.

بينت عجيل التي توصلت لأن توفر من مواردها ما يكفي لتغطية ما هو مطلوب كنسبة تمويل ذاتي لصفقة الشراء أن المؤسسات العمومية يمكنها أن توازن بين اضطلاعها بمسؤولية تسيير المرفق العام وضمان توازناتها المالية لو كانت هناك حوكمة رشيدة لها. وكشف عمل إطارات الشركة على تطوير نشاطها أن الانتماء للقطاع العام لا ينفي القدرة على ضمان التنافسية وعلى تحسين التموقع في السوق. فيما أقامت عرقلة الحكومة لجهدها الدليل على أن الحكومات المتعاقبة لعبت دورا كبيرا في الحد من قدرة المؤسسات العمومية على العمل وفي فرض إفلاسها في وقت كانت فيه قادرة على أن تكون رابحة. وتبدو جملة هذه الدروس هامة في وقت قررت فيه الدولة التونسية أن تدخل مرحلة الإصلاحات الكبرى والتي منها كما هو معلوم البتّ في وضعية المؤسسات العمومية .

في ذات الإطار، يؤمل أن يستمر نجاح المؤسسات الوطنية النفطية وأن يكون نضالها في سبيل فرض حقها في الاستثمار وتطوير النشاط حافزا للمشرفين عليها لحمايتها مستقبلا.

جرى عرف الدولة التونسية على استعمال المؤسسات العمومية في حل أزماتها الطارئة سواء من خلال امتناعها عن خلاص مستحقاتها أو عبر فرض أعباء اجتماعية عليها تتمثل في الانتداب بها لا تلائم حاجياتها محاباة لكبار المسؤولين أو طلبا للسلم الاجتماعي. ويخشى هنا أن تكون شركة تنكماد بعد أن تتم تونستها وعجيل وقد كشفت عن ثرائها فريسة مقبلة لمثل تلك السلوكيات فتثقل موازناتها وتفرض عليها أن تشغل أعدادا هائلة من الأنفار لا تحتاجهم ولا كفاءة لهم بما يحوّل ما كان نجاحا ووعداً بتأسيس فاعل اقتصادي قادر على دخول مجال التصدير في مجال تعاني فيه تونس عجزا إلى سراب يماثل ما كان مع غيرهما من مؤسسات كانت في فترات من مسار عملها مزدهرة وذهبت ضحية لذات الممارسات قصيرة النظر.

  1. هي البنك التونسي الكويتي بنسبة 20 % و البنك السعودي التونسي بنسبة 12 %وبنك APICORP وهو بنك استثماري بنسبة 20 %
  2. TANKAGE MEDITERRANNEE
  3. من موقع المؤسسة الرسمي للاطلاع عليه ينقر هنا
  4. من الموقع الرسمي للمؤسسة للإطلاع عليه ينقر هنا
  5. في معدل خمس سنوات من التصرف المالي بلغ رقم معاملات تنكماد السنوي 35 مليون دينار فيما حققت ربحا صافيا يبلغ 25 مليون دينار وهو ما يؤكد أنها شركة تستثمر في قطاع عالي الربحية .
  6. حول رفض الحكومة لطلب الترخيص يراجع مقال “حكومة المشيشي تقصي الشركات العمومية من صفقة “طانكماد” وتدعم شركة إيطالية مشبوهة ” لحياة الغانمي منشور بموقع الشعب نيوز التابع للاتحاد العام التونسي للشغل بتاريخ 23-04-2021 .

  7. لها قدرة خزن محروقات بتونس تبلغ 650 ألف متر مكعب
  8. حسبما ما هو منشور بالصفحة الرسمية للتواصل الاجتماعي فايسبوك للجامعة العامة للنفط فان قيمة عرض الشراء 80 مليون دينار وأن ارباح خمس سنوات فقط يكون كافيا لتغطية تكلفته والدخول في مرحلة الربح الصافي
انشر المقال

متوفر من خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، تونس ، سياسات عامة ، عمل ونقابات ، قطاع خاص ، مؤسسات عامة