حكم مشدد في قضية الاغتصاب الجماعي في المغرب: إنصاف طفلة تيفلت


2023-05-02    |   

حكم مشدد في قضية الاغتصاب الجماعي في المغرب: إنصاف طفلة تيفلت

بعد جلسة ماراتونية استمرت الى غاية فجر يوم الجمعة 14 أبريل 2023، أصدرت غرفة الجنايات الاستئنافية حكمها في قضية الاغتصاب الجماعي الذي تعرضت له طفلة فيما بات يعرف إعلاميا بقضية طفلة “تيفلت“، حيث قضت المحكمة برفع العقوبات المقررة في حقّ المتهمين الى الحدّ الأقصى ورفع مبلغ التعويضات المحكوم بها لفائدة الضحية. وكانت هيئات حقوقية قد تبنت ملف الطفلة في وقت حذّر فيه حقوقيون من أن يشكّل الضغط الشعبي الذي يعرفه هذا الملف تأثيرا على استقلال القضاء.

محاكمة ماراتونية وجلسة مغلقة

فور نشر الحكم الابتدائي المخفّف في ملف قضية طفلة تيفلت قامت النيابة العامة باستئنافه، وتم تهيئة الملف بسرعة وإدراجه في أقرب جلسة للاستئناف ليوم 06 أبريل، بعدما طلب الدفاع مهلة للاطلاع على الوثائق ومحاضر الشرطة. وتمّ إرجاء القضية إلى جلسة 13 أبريل من أجل استماع هيئة المحكمة إلى الطفلة الضحية في جلسة واحدة مغلقة. وقد أكدت هذه الأخيرة تعرّضها للاغتصاب من طرف الجناة الثلاثة، كما استمعت للشاهدة -وهي بدورها طفلة- التي حضرت إلى المحكمة رفقة مشرفة اجتماعية وأكدت معاينتها لوقائع العلاقة الجنسية التي تمت بين الطفلة وأحد المتهمين من عائلتها، كما استمعت هيئة المحكمة للمتهمين الثلاثة، الذين أنكروا جميع التهم المنسوبة إليهم.

واعتبر ممثل النيابة العامة في مرافعته أن “الحكم الابتدائي كان صائبا بإدانته للمتهمين لكنه لم يكن صائبا في تقديره للعقوبة وتمتيع المتهمين بظروف التخفيف”، ملتمسا توقيع أقصى العقوبات في حق الأظناء.

أما دفاع الضحية فقد التمس رفع العقوبة الصادرة ابتدائيا في حق المتهمين إلى أقصاها وفق فصول المتابعة، كما التمس تعويضا شهريا بمثابة نفقة لفائدة الطفل حديث الولادة إلى أن يبلغ سن الرشد. فيما التمس دفاع المتهمين البراءة للأظناء الثلاثة، وتمتيعهم احتياطيا بظروف التخفيف لفائدة الشكّ.

موقف المحكمة

أصدرت غرفة الجنايات الاستئنافية بالرباط، ليلة الجمعة 14 ابريل 2023، أحكاما تراوحت ما بين 20 و10 سنوات سجنا نافذا في حق المتهمين الثلاثة في قضية اغتصاب طفلة تيفلت.

وقضت المحكمة في حق المتهم الأول بـ 20 سنة سجنا نافذا، وبأداء تعويض قدره 60 ألف درهم، فيما قضت المحكمة في حق المتهمين الثاني والثالث بـ 10 سنوات سجنا نافذا لكل واحد منهما وأداء 40 ألف درهم لفائدة الضحية.

وكان لافتا أن هيئة المحكمة استجابت لملتمس المجلس الوطني لحقوق الانسان لحضور أطوار الجلسة السرية بعدما سجل المجلس في محاكمات سابقة عدم تمكنه من حضور الجلسات المغلقة لغياب نص قانوني.

ترحيب حقوقي

رحّبت الجمعيات والمنظمات الحقوقية بالحكم. وفي هذا الصدد، قالت آمنة بوعياش رئيسة المجلس الوطني لحقوق الانسان: “كان لصوت المجتمع صدى في محكمة الاستئناف بالرباط ضد التطبيع مع الاعتداء الجنسي”، ونوهت جمعية التحدي للمساواة والمواطنة بكل القوى المناضلة والإعلام المغربي والدولي وكل الفعاليات الحقوقية النسائية على هذا التضامن القوي مع الطفلة الضحية، وأشارت الجمعية إلى أنّ أكثر منً ثلاثين محاميا ومحامية تنصبوا باسم جمعيات حقوقية ونسائية متعددة على الصعيد الوطني في هذا الملف.

من جهتها، قالت فيدرالية رابطة حقوق النساء إن هذا الحكم، “الذي أعاد الأمور إلى نصابها بعد موجة من الغضب والاستياء التي عبرت عنها الجمعيات النسائية والحقوقية والمدنية والرأي العام الوطني ورواد التواصل الاجتماعي بخصوص الحكم الابتدائي تعتبره الفيدرالية خطوة مهمة تعيد الثقة في القضاء المغربي ومصداقية العدالة ونزاهتها وهيبة الدولة ومؤسساتها الدستورية الساهرة على حماية حقوق المواطنين والمواطنات وممتلكاتهم وأرواحهم”.

في المقابل، وتحت عنوان “لا تَجُروا استقلال القضَاء لقفَص الضعفِ والهشَاشة”، كتب النقيب عبد الرحيم الجامعي مقالة قبيل موعد انطلاق المحاكمة حذّر فيها من مغبّة تأثير الرأي العام على وقائع الملف المعروض على أنظار القضاء، معتبرا أن هذا الملف “يدعونا للتفكير فيما هو أكبر من طلب رفع العقوبات، لأنه شئنا أم كرهنا سنسقط فيما يدخل في خانة إحراج القضاة وتضييق مجال حريتهم ووجدانهم وضمائرهم وتشجيع رؤسائهم للبحث عن التأثير عليهم ودفعهم للتطرف في قراراتهم”. وأضاف: “إن هذه القضية تنادينا لنقاش مشترك حول ظاهرة تقف السلطات عاجزة عن وضع حدّ لها ومنها الإهمال والاستغلال والانتهاكات اليومية التي لم تعدْ الفتاة القاصرة ولا الأم الطليقة أو المعنّفة أو المعذّبة قادرة أن تتخلص منها”. وهي “تسائل ضعف الأداء التشريعي والبرلماني والتأخير في صناعة القوانين الحامية لحقوق الأطفال والنساء وإطلاق مسلسل الملاءمة الذي ينتظر قوانين أساسية منذ بداية العمل بالدستور”.

إنصاف طفلة تيفلت قضائيا بداية معركة جديدة

قالت المحامية زينب الخياطي “انتهى الملف بإنصاف الطفلة قضائيا لتبقى وضعية طفلها تساءلنا عن مصيره نسبه وهويته،  لذا لا زالت أمامنا معارك المراجعة الشاملة للقوانين المتصلة بحقوق الطفل سواء تعلق الأمر بمدونة الأسرة، قانون كفالة الأطفال المهملين، القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية، قانون الحالة المدنية … وكل القوانين في شموليتها مع الإسراع بإرساء مدونة للطفل وإخراج المرصد الوطني للجريمة لحيّز التفعيل والتنفيذ، والتعجيل بالانضمام إلى اتفاقية مجلس أوروبا لحماية الأطفال من الاستغلال والاعتداء الجنسي، أنها بداية معركة جديدة، وليست نهاية المعركة الحقوقية”.

من جهتها قالت جميلة السيوري رئيسة جمعية عدالة من أجل الحق في محاكمة عادلة: “هناك حالات تمرّ ولا ننتبه لها بشكل يومي ولا علم لنا بها وهذا يدلّ على أنّه ليس هناك سياسة عمومية حقيقية لحماية الأطفال، واليوم ربحنا هذا الحكم المنصف لهذه الطفلة لكن ما مصير طفلها؟ وهل هناك مواكبة نفسية واجتماعية لهما معا، وما مصيرهما داخل المجتمع في إطار الوصم الاجتماعي الذي قد تتعرض لها الطفلة وأسرتها؟

وأضافت إن الدعم الشعبي لمثل هذه القضايا ينبغي أن يكون منبها للمشرع والقائمين على تدبير الشأن العام ووضع السياسات العمومية.

مواضيع ذات صلة

عقوبات مخففة في قضية اغتصاب جماعي لطفلة بالمغرب: جمعيات تنتفض ضد التعاطف مع المغتصبين

للنخبة وحدها انتقاد أحكام القضاء؟ خلاف فكري على هامش محاكمات الحسيمة

تقرير حول واقع التبليغ عن العنف ومناهضة الإفلات من العقاب بالمغرب

هكذا يبرر القضاة تزويج الطفلات في المغرب

امينة الفيلالي… حين يعاد اغتصاب المغتصبة

البرلمان المغربي يصادق على عدم افلات المغتصب من العقاب وأمل بان تعمّ هذه الخطوة نصوص الدول العربية الأخرى

إلغاء الفقرة الثانية من الفصل 475 من القانون الجنائي: هل ينهي افلات المغتصب من العقاب؟

انتحار خديجة.. قضية تلخص معاناة الناجيات من العنف بالمغرب

محكمة أكادير تطلق سراح متهم في قضية اغتصاب طفلة: تفعيل التنازل شرعنة لإفلات المغتصبين من العقاب

نهاية مأساوية لقصة اختفاء الطفل عدنان بالمغرب: عودة الجدل حول طريقة معاقبة مغتصبي الأطفال

ادعاءات باختطاف واغتصاب وتشويه جسد قاصر مغربية .. تنديد، تضامن، واتهامات بالكذب

عودة نقاش حماية القاصرات في المغرب عقب اغتصاب جماعي لفتاة قاصر

اغتصاب جماعي لفتاة في حافلة يعيد النقاش حول العنف ضد المرأة في المغرب

حراك من أجل الحق بالإجهاض في المغرب: كي لا تتكرر مأساة مريم

جدل بخُصوص تأخر مصادقة البرلمان على تعديلات القانون الجنائي في المغرب

توجّهات المحاكم في قضايا الاغتصاب في بيروت وجبل لبنان

منصور لبكي، اغتصاب الأطفال والقضاء اللبناني: نحو طبقية قانونية جديدة؟

قضية اغتصاب 41 طفلا في تونس: حين تنجز التحقيقات في أسبوعين ما عجزت عنه في سنتين

التحقيق المتأخر في واقعة اغتصاب أطفال تونسيين: خدعة بصرية إخفاءً للفشل

تشديد العقوبة في حق عوني الأمن المتهمين باغتصاب فتاة في تونس

انشر المقال

متوفر من خلال:

محاكم جزائية ، قرارات قضائية ، الحق في الحياة ، فئات مهمشة ، مقالات ، المغرب



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية