حكم دولي لمجتمع ما فتئ من دون عدالة: حكم من زمن ما قبل “كلن يعني كلن”


2020-08-18    |   

حكم دولي لمجتمع ما فتئ من دون عدالة: حكم من زمن ما قبل “كلن يعني كلن”
الصورة منقولة عن موقع الوكالة الوطنية NNA

بعد 15 سنة من الترقب، تصدر المحكمة الخاصة لمحاكمة قتلة رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري حكمها النهائي اليوم. وفيما شهدت الأوضاع السياسيّة في لبنان تحوّلا كبيرا منذ إنشائها، فإن حالة الإفلات من العقاب ما تزال سائدة فيه، بفعل ضعف المؤسسات الأمنية والقضائية وعجزها عن ضمان أدنى مقومات العدالة وبخاصة في الجرائم التي تستثير حساسية معينة. وقد تجلى هذا الأمر بوضوح كلي خلال الأسبوعين المنصرمين في أعقاب الجريمة المتمثلة في انفجار المواد المخزنة في مرفأ بيروت والتي تسبّبت بمئات القتلى وآلاف الجرحى فضلا عن تدمير أحياء واسعة من العاصمة بيروت. فرغم هول هذه الجريمة، سرعان ما وجد الضحايا أنفسهم أمام منظومة غير قادرة على توفير أدنى مقومات العدالة، الأمر الذي دفع العديد منهم إلى تكرار المطالب الحاصلة في 2005 بإجراء تحقيق دولي أو أيضا إلى المطالبة بتعليق المشانق إعمالا للعدالة الشعبية. هذا من دون الحديث عن مئات المجازر الحاصلة في المنطقة منذ ذلك الحين سواء في العراق أو سوريا أو غزة والتي أخذ العديد منها طابع الجرائم ضد الإنسانية من دون أن يلقى أي منها أي مساءلة.

وعليه، وبانتظار سماع الحكم، يجدر لفت النظر إلى أمور ثلاثة:

1- حكم من زمن الزعامات والعصبية

أن إنشاء هذه المحكمة تمّ في ظروف سياسية مختلفة تماما عما نحن عليه اليوم، وهي ظروف ساد فيها التجاذب الحاصل بين القوى السياسية المتنازعة. فمن جهة، فريق 14 آذار الذي اعتبر أن الجريمة هدفت لقلب ميزان القوى داخليا من خلال اغتيال زعيمها الأبرز وتشويه الديمقراطية فطالب بالحقيقة والعدالة كباب لإعادة الأمور إلى نصابها. ومن جهة ثانية، فريق 8 آذار الذي اعتبر على العكس من ذلك تماما أن الجريمة ونشوء محكمة خاصة للنظر فيها إنما يشكلان مشروع فتنة ومؤامرة ضد محور الممانعة حيال إسرائيل والمخططات الأميركية في المنطقة. وقد أخذ هذا الصراع في غالبية محطاته طابعا شموليا، هيمنت بفعله اعتبارات الهوية والعصبية على مجمل الإعتبارات الوطنية الأخرى، بما فيها أهم القضايا الاجتماعية.

وبخلاف تلك الظروف التي واكبت نشوء المحكمة وبداياتها، فإن صدور الحكم يأتي في سياق مختلف تماما: فالإنقسام اليوم لم يعد بالوضوح نفسه، وبخاصة بعدما تشاركت القوى السياسية المتناحرة في عدد من الحكومات ولم يعد الإصطفاف السياسي على أساس 8 و14 آذار قائما. إلا أن العامل الأكبر في إعادة قلب الأوراق تمثل في ثورة 17 تشرين والتي تميّزت ببروز شعار “كلن يعني كلن” والذي وضع القوى السياسية وزعماءها في السلّة نفسها، على اعتبار أنّها شريكة في تدمير المجتمع في اقتصاده ووظائفه الاجتماعية، وشكل بمثابة دعوة للتحرر منها والأهم لتجاوز صراعات الهويات والعصبيات في اتجاه إعادة الإعتبار لحقوق المواطن والصالح العام. وقد شكّل إنفجار المرفأ والمجزرة الناتجة عنه عاملا أساسيا في تعميق هذا الإنقسام وتوسيعه. وبنتيجة ذلك، تراجع مشهد الإصطفاف حول الزعماء الحاصل في سنة 2005 في موازاة إبراز مشهدية الثورة الشعبية ضدهم. وهذا ما تجلى بشكل خاصّ في المسيرة الحاصلة في 8 آب حيث تمّ تعليق مشانق صورية للزعماء كافة، جنبا إلى جنب من دون تمييز.

بهذا المعنى، وبمعزل عما قد يتضمّنه الحكم من فوائد على صعيد تحقيق العدالة في قضية معينة أو في فضح بعض جوانب إجرام المنظومة السائدة في 2005، فإنه يأتي بفعل طول أمد المحاكمة منسلخا تماما عن الوضع الحاضر. وأكثر ما يخشى أن يعيد الحكم تجييش خطاب عصبيّ، مؤدّاه إعطاء زخم جديد لنظام الزعامات، بعدما تم حسره تبعا لنضالات مجتمعية هائلة. ولعل الخطاب المتشنج الذي ساد في أعقاب صدور حكم المجلس العدلي في قضية اغتيال بشير الجميل يشكل نموذجا معبرا وإن مصغّرا عما يمكن أن يولده هذا الحكم من خطابات متناقضة. وكذلك الأحكام الصادرة بحق السيد سمير جعجع والتي شملها قانون العفو العام الصادر في 2005.

2- المحكمة تجامل في تصورها الأساسي القيم المؤسسة للإفلات من العقاب

فضلا عما تقدم، فإن المحكمة تجامل في عمقها وتصورها الأساسي القيم المؤسسة للمظالم والإفلات من العقاب. فكما أشرت مرارا ومنذ بدء التفكير بإنشائها، هي تلتقي في عمقها مع قانون العفو العام الصادر في 1991، لجهة إعلاء شأن الجرائم المرتكبة ضد الزعماء وتمييزها عن سائر الجرائم، بما فيها جرائم القتل الجماعي والجرائم ضد الإنسانية. فتماما كما استثنى قانون العفو الجرائم ضد القادة السياسيين والدينين من العفو على اعتبار أنها جرائم لا تغتفر أيا كانت الظروف، أكدت الأسرة الدولية خلافا لمبادئ القانون الدولي الإنساني، على علو شأن هذه الجرائم من خلال اجتراح سابقة إنشاء محكمة دولية من أجل محاكمة قتلة أحد هؤلاء القادة. وبذلك، ورغم اختلافهما في الشكل والنتيجة على صعيد المساءلة، فإنهما يلتقيان في تعزيز نظام الزعامات الذي هو أساس المظالم والإفلات من العقاب في لبنان.

3- محكمة فشلت أن تكون رافعة أو نموذجا لتعزيز العدالة الوطنية

أخيرا، يجدر أن نسجل أن هذه المحكمة فشلت في تحقيق أحد أهدافها الأساسية وفق ما ورد في خطاب الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان في خضم إنشائها، والذي يتمثل في جعلها رافعة لتطوير النظام القضائي اللبناني.

فبمعزل عن مضمون الحكم وسدادته، يسجل أنه طوال الفترة المنصرمة، أخذت المحكمة منحى منفصلا تماما عن منظومة العدالة في لبنان، على نحو جرّدها من أي تأثير عليها، سواء إيجابا أو سلبا.

وقد بدا هذا الإنفصال عن الواقع اللبناني فاقعا بفعل تقاعس القوى السياسية عن اتخاذ أي مبادرة لتطوير المؤسسات القضائية أو الأمنية، وذلك خلافا للمنطق والأولويات التي تذرّعت بها في سياق مناقشة امكانية اللجوء إلى المحكمة الخاصة: فالفريق السياسي المؤيّد للمحكمة (فريق 14 آذار) الذي اعتبر أن لا سلم من دون عدالة لم يعِرْ أي انتباه لتعزيز القضاء الداخلي، كأنما العدالة الداخلية لا تعنيه. والفريق المعارض للمحكمة (فريق 8 آذار) على خلفية اعتبارات السيادة لم يقمْ بأيّ جهد لتحصين المؤسسات الداخلية وتاليا السيادة المنشودة حيال مطالب اللجوء إلى العدالة الدولية عند حصول جرائم كبرى.

وعليه، نجد اليوم أنفسنا مجددا أمام معضلة الإختيار بين السيادة والعدالة بفعل قصور مؤسسات القضاء، تماما كما نجد أنفسنا أمام معضلة الاختيار بين السيادة وإعادة عجلة الإقتصاد أو تأمين المواد الحيوية. فالسيادة ليست مجرّد موقف، بل هي تتطلّب سياسات حكيمة وصولا إلى وضعية كفيلة بتحصينها والحفاظ عليها.

هذه هي أهم الخلاصات التي يجدر لفت النظر إليها، ومن الضروري التوقف عندها اليوم أكثر من أي وقت مضى.

انشر المقال

متوفر خلال:

أحزاب سياسية ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قرارات قضائية ، لبنان ، مقالات