حكاية الملكية في الدالية

حكاية الملكية في الدالية

بعد الإقفال الكليّ للشواطئ الشماليّة في بيروت عبر ردمها ووضع غالبية المنشآت الصناعيّة والخدماتيّة عليها، صارت المنطقة الممتدة من صخرة الروشة إلى آخر شاطئ الرملة البيضاء جنوباً المتنفّس الوحيد لسكّان العاصمة وبعض ضواحيها. ومع ذلك، شكّلت المنطقة محطّاً لأطماع المستثمرين، أولاً كأفراد خلال الخمسينيّات ثم كشركاتٍ عقاريّةٍ تتمتّع بالإمتيازات التي سخّرها المشرّع لهم.

مساحة الدالية هي الأكبر في المنطقة العاشرة، وتقارب 120 ألف مترٍ مربّع. تاريخياً، كانت عقارات الدالية الخاصة تحتلّ أقل من نصف هذه المساحة، وكانت تمتد من الطريق حتى بداية الصخور البحريّة العارية. وتؤكد وثائق تاريخيّة وخرائط الإستعمار الفرنسيّ والسجل العقاريّ أن العقارات كانت بعيدةً عن البحر، وتتطابق المساحة العقاريّة المذكورة مع هذه الحدود.

مثلاً، وبحسب الحجّة الشرعيّة المؤرّخة 1872 (أرشيف الدوائر العقاريّة)، فإن:

«العقار 1113 تبلغ مساحته 16 ألف ذراع مربّع (ما يعادل 11 ألف متر مربّع تقريباً) ويحدّه قبلةً وغرباً شاطئ البحر، شمالاً أرض الأمير سعيد أرسلان، وشرقاً ملك بني تلحوق».

اليوم مساحة هذا العقار 21461 متراً مربّعاً.

منح السلطان العثمانيّ هذه الأراضي للإقطاع، ثم انتقلت ملكيّتها إلى عائلاتٍ بيروتيّةٍ. وتحكي رواياتٌ عن هذه الملكيّة أنها معطاة من السلطنة كأمانةٍ لصالح عموم أهالي بيروت، تحوّلت لملكيّةٍ فرديّةٍ مع إنشاء السجل العقاريّ فسقطت المنفعة العامّة.

بالرغم من ذلك، اعتبر التنظيم الأول لبيروت (1954) هذا الشاطئ منطقةً يُمنع البناء عليها. لاحقاً، أتاح المرسوم 4811 (1966) استثماراً ضعيفاً يؤمّن إنفتاح المنطقة طبيعيّاً كمتنفّس للسكّان. ولكن الأطماع العقاريّة كانت قد بدأت قبل هذا العام عبر التلاعب بحدود العقارات بحيث تتناسب وشروط المرسوم لإستثمار الأملاك العامّة البحريّة. بطريقةٍ عجائبيّةٍ، تمدّدت عقارات الدالية لتصل إلى البحر، وفي بعض النقاط إلى صخورٍ منفصلة عن الشاطئ، في انتهاكٍ فاضحٍ لقانون تحديد الأملاك العامّة البحريّة (قرار 144/س/1925). تمّ قضم أكثر من 90% من الأملاك المصنّفة عموميّة. وتُشير خرائط قديمة إلى وجود طرقاتٍ تُؤمّن الحقّ بالوصول إلى الدالية، لكنها أيضاً اختفت في الخرائط الرسميّة الحاليّة. دليل إضافي على ذلك هي مراسلات جرت في العام 1982 بين محامي مالكي احدى العقارات ومكتب التخطيط والتنظيم المدني في بلدية بيروت، حيث يشير مكتب التخطيط في البلدية الى أنّ هناك بالفعل طريق مرور استناداً الى خرائط دورافور الفرنسية الموجودة لديهم. لقد تمّ التلاعب بحدود القسم الأكبر من عقارات الدالية. في العام 1995، بدأت شركاتٌ عقاريّة بشراء أراضٍ في الدالية من مالكيها بأسعارٍ زهيدةٍ، بالتوازي مع إصدار الدولة لمراسيم وقرارات تريّح شروط الإستثمار.

نُطالب الدوائر والإدارات المختصّة في وزارة الأشغال العامّة والنقل بإسترجاع ملكيّة الأملاك العامّة المسلوبة، عبر مسحٍ عقاريّ علميّ دقيق لأرض الموقع، تطبيقاً لمضمون المادة 2 من قانون 144 1925. إذ، وفق المستندات، يُساوي مجموع الأملاك العامّة في الدالية حوالي نصف المساحة الإجماليّة للموقع.

خريطة فرنسية لبيروت في العام 1932 المعروفة بـ Plan Danger تظهر حدود العقارات الأساسية. هذه الخريطة تستند، كما مُدوّن عليها، على مسح الأراضي الرسمي التي قامت به السلطات الفرنسية خلال سنوات 19281930 والذي يُعرف بمسح «دورافور».

أشغال عامة في العدد 46 من مجلة المفكرة القانونية، العدد 2: الأملاك البحرية

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، لبنان



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية