حكاية اعتصام امرأة في ذكرى المصادقة على مدونة الأسرة في المغرب


2015-10-16    |   

حكاية اعتصام امرأة في ذكرى المصادقة على مدونة الأسرة في المغرب

على بعد أيام قليلة من الذكرى الثانية عشر لمصادقة البرلمان المغربي على مدونة الأسرة بتاريخ 10 أكتوبر 2003، تناقلت وسائل اعلام مغربية أنباء مفادها خروج سيدة رفقة أبنائها الستة للاعتصام في الشارع العام بإحدى مدن الريف بعدما طردها زوجها من بيت الزوجية، وذلك احتجاجا على  عدم اهتمام السلطات المحلية بحالتها الإنسانية، وفي ظل غياب تعاطي ايجابي مع الشكاوي التي قدمتها للمصالح القضائية بمدينة الحسيمة
.
وتعود أسباب هذا الاعتصام بحسب ما صرحت به هذه السيدة لموقع        Rif24.com  للمصير المجهول الذي ينتظر أبناءها الستة بعد تعنت والدهم في تسجيلهم بسجلات الحالة المدنية رغم امتلاكها لعقد زواج، وهو الشيء الذي تسبب في حرمانهم من التعليم نظرا لافتقادهم لوثائق اثبات الهوية.
وتؤكد ذات السيدة انها باتت تعيش في العراء برفقة أبنائها الستة بعدما رفض زوجها إيواءهم، بعد زواجه "بالفاتحة" من شابة في مقتبل العمر.
 
مدونة الأسرة .. قانون جيد يحتاج للتنزيل

تعيد قصة اعتصام هذه المرأة التي تفجرت مؤخرا مأساة تعيشها باستمرار المئات بل الآلاف من النساء المغربيات اللواتي لم يستطعن قطف الثمار التي قدمتها مدونة الأسرة. فالمدونة المغربية التي وصفت غداة اصدارها بالثورة الهادئة في اتجاه القضاء على مختلف أشكال التمييز ضد المرأة، لقيت على مستوى التطبيق العديد من الاشكالياتالعملية من قبيل افتقاد لآليات وضعها موضع التنفيذ أو لعنصر الجزاء الذي يكفل للقاعدة القانونية احترامها. ومن أهمّ الأمثلة على ذلك معضلة إرجاع الزوجة المطرودة لبيت الزوجية.

دور النيابة العامة في إرجاع الزوج المطرود لبيت الزوجية حتى لا يبقى مجرّد حبر على ورق

لقد نصت المادة 53 من مدونة الأسرة على أنه:"إذا قام أحد الزوجين بإخراج الآخر من بيت الزوجية دون مبرر، تدخلت النيابة العامة من أجل إرجاع المطرود إلى بيت الزوجية حالا، مع اتخاذ الإجراءات الكفيلة بأمنه وحمايته".ويبدو أن هذه المادة جاءت في سياق الضمانات التي منحها المشرع بهدف حماية حق كل من الزوجين في الاستفادة من بيت الزوجية، والتصدي لبعض مظاهر العنف التي قد يمارسه أحد الزوجين في حق الآخر، حيث يقوم بطرده خارج بيت الزوجية.

لكن السؤال الذي يبقى مطروحا: هل يتم دائما إرجاع الزوجة المطرودة إلى بيت الزوجية بدون عراقيل قانونية وعملية؟ كيف السبيل للتعامل مع حالة وجود بيت الزوجية موصدا أو في حالة تغيير مفاتيح بيت الزوجية، أو في الحالة التي يكون فيها بيت الزوجية هو نفسه بيت عائلة الزوج، وترفض هذه الأخيرة عملية الارجاع؟ هل تملك النيابة العامة صلاحية تكليف الشرطة القضائية باقتحام البيت؟ وفي حالة معارضة الزوج لعملية ارجاع الزوجة، هل يمكن ارجاع الزوجة رغما عن أنف الزوج؟ وكيف يمكن ضمان حماية الزوجة من الخطر الذي قد يشكله الزوج لا سيما في حالة العنف الزوجي؟ كيف يمكن التمييز بين صلاحيات النيابة العامة وصلاحيات القضاء الجالس في كثير من الاشكاليات التي يثيرها تطبيق هذا النص من قبيل تحديد مبرر الطرد، ومفهوم بيت الزوجية؟
 
احصائيات ارجاع الزوج المطرود لبيت الزوجية ومعضلة التفعيل

من خلال الإحصائيات[1]يتضح أنه: منذ دخول مدونة الأسرة حيز التطبيق يلاحظ ارتفاع طلبات إرجاع الزوج المطرود إلى بيت الزوجية، إذ أنه سجل سنة 2004 حوالي 2011 طلب إرجاع، وارتفع هذا العدد سنة 2013 ليصل إلى 5946 طلب. أغلبية هذه الطلبات سجلت من طرف زوجات. في نفس السياق يلاحظ أن نسبة التنفيذ تراوحت بين 58.23 بالمائة سنة 2004، و75.66 بالمائة سنة 2013، مما يؤكد وجود عدة حالات يتعذر فيها على النيابة العامة ارجاع الزوجة المطرودة لبيت الزوجية، ولا تقدم احصائيات وزارة العدل دراسة تفصيلية لأسباب تعذر التنفيذ، ولا لطبيعة الاجراءات التي تسلكها النيابة العامة في هذه الحالة، ولا لنسبة التكرار في تقديم شكايات الطرد من بيت الزوجية. وهذا ما جعل عدة فعاليات حقوقية تثير مشكل الفراغ التشريعي الذي تخلقه المادة 53 من مدونة الأسرة إذ أنها تفتقد لمؤيدات زجرية تكفل لها الاحترام. فطرد أحد الزوجين للآخر غير مجرم في القانون المغربي، ولا وجود لنص واضح يمكن اعتماده من أجل الزام الزوج بإرجاع الزوجة لبيت الزوجية أو العكس. وحتى محاولات بعض النيابات العامة اعتماد تفسيراً واسعاً لبعض النصوص القانونية من قبيل تلك المجرمة للعنف الزوجي أو تحقير مقرر قضائي، لم تفلح لتعارضها مع مبدأ الشرعية الجنائية المنصوص عليه في صلب الوثيقة الدستورية.
 
هل يكمن الحل في التعجيل بإصدار قانون اطار لمكافحة العنف ضد النساء؟

تثير قضية اعتصام هذه المواطنة معضلة الهوة الموجودة بين التشريع والواقع في المغرب حيث تفتقد القوانين الحديثة لاستراتيجيات مواكبة تكفل لها التنزيل. وتنعدم البنيات التحتية اللازمة لتطبيق كثير من التشريعات. ويطرح مشكل الوعي والتحسيس، ليس فقط بالنسبة للمواطن العادي أو الفئات الهشّة كالنساء، بل أحيانا حتى لدى الجهات المكلفة بتطبيق بعض القوانين. فعلى سبيل المثال ورغم أن قانون الحالة المدنية صريح في تخويل كلا الزوجين حق التصريح عن أبنائهما، لا يزال بعض الموظفين في مكاتب الحالة المدنية يرفضون استقبال طلبات الزوجات للتصريح بأبنائهم ويشترطون حضور الزوج. بل وتؤكد تقارير منظمات المجتمع المدني أن جهات رسمية لا تزال ترفض تمكين المرأة من وثائق زوجها لترفع دعوى لتسجيل الأبناء بسجلات الحالة المدنية عندما ينصرم الأجل القانوني. وغالبا ما تبرر هذه الجهات موقفها بعدم توصلها بتعليمات في الموضوع، رغم أن النص القانوني واضح وهو أرقى من أي تعليمات كتابية أو شفوية. ورغم أن وزارة العدل والحريات فتحت خلايا للتكفل بالنساء والأطفال على صعيد كل محكمة ابتدائية إلا أن الكثير من النساء لسن على دراية كافية بهذا المستجد بسبب ضعف عمليات التحسيس.

من جهة ثانية، تطرح قضية اعتصام هذه المرأة معضلة التحايل على القانون الذي يلجأ إليه الكثير من الأزواج الذين يتنصّلون من القيود التي تفرضها مدونة الأسرة على تعدد الزوجات عن طريق اللجوء لزواج الفاتحة، الذي تحوّل في ظلّ المدوّنة الجديدة من استثناء ضيق إلى قاعدة. وهو ما يستدعي تدخّلاً عاجلاً للمشرع ليكفل للقاعدة القانونية الأسرية احترامها.

ورغم أن العديد من الفاعلين يراهنون على الإسراع بإخراج قانون محاربة العنف ضد النساء الذي ينص على تجريم واقعة الطرد من بيت الزوجية، وتجريم عدة ظواهر أخرى من قبيل الاكراه على الزواج، أو تجريم زواج القاصرات، إلا أن ذلك لن يقدم أي حل سحري لمأساة هذه المواطنة ولا لمثيلاتها من النساء المهمشات. فالقانون وحده غير كاف للتغيير، وسيبقى قاصرا إذا لم تواكبه حملات تحسيسية، وتدابير حمائية وردعية مصاحبة من قبيل الإبعاد المؤقت من الدائرة الأسرية...وخلق مراكز لإيواء المعنفات والمطرودات من بيت الزوجية، وقبل كل ذلك اذا لم يتم الاشتغال على تحسين الواقع الذي تطبق فيه تلك النصوص، وتحسيس كل المخاطبين بها، قبل محاولة تنزيلها حتى لا تبقى مجرد حبر على ورق.
 
 



[1]-القضاء الأسري الواقع والآفاق، عشر سنوات من تطبيق مدونة الاسرة، دراسة تحليلية احصائية 2004/2013، منشورات وزارة العدل والحريات ماي 2014، ص 75.
انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، المغرب



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية