حق الإضراب والإقتطاع من الأجور في تونس: أيّ معادلة؟


2015-01-28    |   

حق الإضراب والإقتطاع من الأجور في تونس: أيّ معادلة؟

عرفت دول "الربيع العربي" وخاصة تونس بعد ثورتها ارتفاع منسوب الإضرابات التي شملت أغلب المرافق العامّة والمؤسّسات الخاصّة. وقد بلغت الإحتجاجات ذروتها خصوصا مع إضراب أساتذة التعليم الثانوي خلال العودة المدرسية في 16-9-2014 وخاصّة مع تنامي ظاهرة الإضرابات الفجائية وغير المبرمجة مثل الإضراب الذي نفّذه أعوان شركات النقل العمومي حركة النقل بتونس العاصمة طيلة 4 أيّام وإلى غاية 16-1-2015 . وقد حاولت الحكومة تجاوز الشلل الحاصل باستصدار أمر في التسخير[1] إلاّ أنّ العمّال امتنعوا عن الاستجابة للأمر الحكومي. وهو ما دفع الحكومة إلى التوجّه كالعادة إلى المحكمة الإدارية طالبة رأيها بخصوص الإقتطاع من أجور الأعوان المضربين.
ورمت الحكومة من وراء إستشارة المحكمة إلى تبيّن شرعيّة الإقتطاع من أجور الأعوان المضربين تكريسا لقاعدة العمل المنجز المنصوص عليها بالفصل 13 من قانون الوظيفة العمومية والفصل 41 من مجلّة المحاسبة العمومية. وأجابت  المحكمة الإدارية في رأيها الاستشاري الذي صدر بتاريخ 23-12-2015 تحت عدد 640 بأنّ إستحقاق الأجر يرتبط بانجاز العمل وأنّ عدم إنجاز أيّ عمل خلال الإضراب يبرّر إقتطاع المبالغ الموافقة لفترة التوقف عن العمل.

وعلّلت المحكمة موقفها بأنّه بالرجوع إلى أحكام الفصل 36 من الدستور التونسي لسنة 2014 يتبيّن أنّ "الحق النقابي بما في ذلك حق الإضراب مضمون"وأنّ ممارسة هذا الحقّ تقتضي عملا بأحكام الفصل 49 من الدستور سنّ قانون يحدّد ضوابط ممارسة هذا الحقّ بما لا ينال من جوهره و"يحدّد القانون الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمونة بهذا الدستور وممارستها بما لا ينال من جوهرها. ولا توضع هذه الضوابط إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير، أو لمقتضيات الأمن العام، أو الدفاع الوطني، أوالصحة العامة، أو الآداب العامة، وذلك مع احترام التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها. وتتكفل الهيئات القضائية بحماية الحقوق والحريات من أي انتهاك.". وبالتالي في غياب نصّ قانوني حتى الآن ينظّم ضوابط ممارسة حقّ الإضراب بالنسبة إلى أعوان الدولة، فإنّ الأحكام الواردة بالمنظومة القانونية النافذة تبقى ملزمة ما لم تتعارض مع جوهر ممارسة هذا الحقّ. وعليه، فإنّ الإضراب يعدّ تركا إراديّا للعمل وتخلّيا عن ممارسة المهامّ الموكلة إلى العون العمومي المنصوص عليها بالفصل السادس من قانون الوظيفة العمومية وكذلك بالأنظمة الأساسية الخاصّة المنطبقة عليه والتي تفتح للموظف الحقّ في المرتّب. وطالما أنّ القاعدة القانونية في المحاسبة العمومية هي إستحقاق الأجر بمقدار العمل المنجز، فإنّ عدم إنجاز أيّ عمل خلال الإضراب يبرّر إقتطاع المبالغ الموافقة لفترة التوقف عن العمل وهي قاعدة محاسبية لا تعدّ عقوبة إداريّة ولا يمكن أن تعدّ تعطيلا لممارسة حقّ الإضراب باعتبارها توازن بين فصلين من الدستور الأوّل يتعلّق بإقرار حق الإضراب (الفصل 36) والثاني يتعلّق بحسن التصرّف في الأموال العمومية وعدم إهدارها وضمان إستمراريّة المرفق العامّ (الفصلان 10 و15).

وانتهت المحكمة بذلك إلى أنّ الإدارة تكون محترمة للأحكام الدستوريّة عندما تقتطع النسبة المعادلة لأيّام الإنقطاع عن العمل للأعوان المعنيين بعنوان عمل غير منجز خلال مدّة الإضراب، شريطة أن لا يكون هذا الإقتطاع آليّا وعامّا وذلك بأن يسلّط حصرا على الأعوان الذين امتنعوا عن إنجاز العمل المكلفين به خلال مدّة العمل المنصوص عليها بمختلف التراتيب المنظّمة لتوقيت العمل بالإدارات العمومية كلّ حسب السلك الذي ينتمي إليه.

ويبدو أنّ الحلّ الذي إهتدت إليه المحكمة ليس سابقة قضائيّة وإنّما هو تكريس لما دأب عليه فقه القضاء الإداري والدستوري المقارن الذي كرّس على غرار القضاء الإداري التونسي شرعية الإقتطاع من أجور الأعوان المضربين متى ثبت عدم إنجازهم للواجبات المحمولة عليهم فضلا عن أنّأغلب المعاهدات الدولية تسير في نفس الاتجاه [2] .

غير أنّه، من جهة أخرى، يجدر التذكير بأنّ آراء المحكمة الإستشاريّة لا تقيّد هيئاتها القضائيّة وهو مبدأ سارت عليه المحكمة في مناسبات عديدة. فلا مانع مبدئيّا من أن يكون موقف المحكمة في قضائها مخالفا لما ورد برأيها خاصّة أنّ بعض الإتّجاهات في فقه القضاء المقارن ذهبت إلى إلغاء قرارات الإقتطاع من أجور الأعوان المضربين عند عدم إحترام إجراءات الإعلام والدفاع، من ذلك تأكيد المحكمة الإدارية بالرباط على أنّ الإقتطاع من الأجر مهما كان سببه ليس حقّا مطلقا للإدارة ويجب أن تحترم فيه إجراءات الإعلام المسبق وضمانات حقّ الدفاع ويخضع لرقابة القاضي الإداري على شرعيّته كغيره من القرارات الإداريّة باعتبار أنّ الإقتطاع من الأجور بسبب الإضراب يختلف عن الإقتطاع من الأجور بسبب التغيّب غير الشرعي أو غير المبرّر عن العمل الذي يتيح للإدارة الخصم المباشر والآلي من الأجر دون إحترام حقوق الدفاع[3].

كما تجدر الإشارة إلى أنّ المنظومة القانونية القائمة اليوم في تونس تتّسم بعدم تنظيم ممارسة حق الإضراب حتى الآن، ذلك أنّ الفصل 36 من الدستور التونسي لسنة 2014 أقرّ صراحة حقّ الإضراب وأقرّ أنّ ممارسة هذا الحقّ تقتضي عملا بأحكام الفصل 49 من الدستور سنّ قانون يحدّد ضوابط هذه الممارسة بما لا ينال من جوهره و"يحدّد القانون الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمونة بهذا الدستور وممارستها بما لا ينال من جوهرها" وهو قانون تنظيمي لم يصدر حتى اليوم.

وقد يقال بأنه في غياب مثل هذا القانون الموعود لا يمكن قبول ممارسة هذا الحقّ المطلق بل لابد من مراعاة ضوابط النظام العام. غير أنّ ذلك لا يقبل كذلك أن يفضي إلى إطلاق يد الإدارة في تقييد حقّ الإضراب. وهنا يأتي دور القضاء الإداري كمؤتمن على تحقيق هذه المعادلة الصعبة بين الحقّ النقابي والدفاع عن المصالح المهنية الذي يمثل الإضراب أحد وسائله، وتأمين إستمرارية المرافق العامة وحماية المصلحة العامة التي قد يمسّ بها الإضراب وذلك في إنتظار صدور القانون التنظيمي الموعود الذي يجب أن لا يطول إنتظاره، كما أنّه على السلطة أن تسعى لتحقيق نفس المعادلة متوخيّة في تحقيقها المحافظة على المناخ الاجتماعي السليم.



[1]التسخير عبارة  عن انتقاء مجموعة من العمال  لمواصلة تأدية الخدمات العاجلة خلال أيام الإضراب وأكبر عملية تمت في هذا الباب كانت خلال أحداث الخميس الأسود بتاريخ 26  جانفي 1978.
[2] رصدت لجنة الحريات بمنظمة العمل الدولية أهم صور انتهاك الحرية النقابية في ممارسة حق الإضراب وضمنتها بتقاريرها الدورية كما يلي: الحظر التام للإضرابات (تقرير الحريات 1983)؛ التعليق المؤقت للإضرابات؛ استبدال الحق في الإضراب بالتحكيم الإلزامي؛ فرض شروط مطولة وشاقة تسبق الإضراب للتفاوض، والمصالحة، بحيث تصعب الدعوة إلى إضراب قانوني (تقرير الحريات 1983)؛ حظر الإضرابات في مناطق معينة (تقرير الحريات، 1994)؛ التعريف الفضفاض بعبارة "الخدمات الأساسية" (التقرير العام 1996)؛ التدخّل الجسدي أو تهديد العمال (التقرير العام 1996)؛ فرض عقوبات مبالغ فيها على الإضرابات (مثل السجن أو العمل القسري)؛ الاعتماد على الشرطة لإنهاء إضراب. ولم تتضمّن تقارير المنظّمة بذلك أيّ إشارة تعتبر الاقتطاع من الأجر إضرارا بالحق في الإضراب.
[3] الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بالرباط تحت عدد 3772 بتاريخ 27/11/2013 حيث لئن أقرّت المحكمة الإدارية بالرباط مبدأ الاقتطاع من الأجر للمضربين في دعوى قضائية رفعها موظف عمومي ضد كل من رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، ووزير العدل المصطفى الرميد، ووزارة الاقتصاد والمالية محمّد بوسعيد، والخازن العام للمملكة نور الدين بنسودة، معتبرة إيّاه قانونيا إلاّ أنّها قضت بالإلغاء لأنّ الإدارة خرقت "المسطرة الواجبة قبل الاقتطاع بعدم توجيه إنذار بهذا الاقتطاع قبل مباشرته".
انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية