“حقوق المرضى” تحت رحمة اللوبيات القطاعية في تونس: إعادة مشروع قانون حقوق المرضى والمسؤولية الطبية للجنة الصحة


2020-01-22    |   

“حقوق المرضى” تحت رحمة اللوبيات القطاعية في تونس: إعادة مشروع قانون حقوق المرضى والمسؤولية الطبية للجنة الصحة

كان من المنتظر أن تنظر الجلسة العامة ليوم الأربعاء 15 جانفي 2020 في فصول مشروع القانون الأساسي المتعلق بحقوق المرضى والمسؤولية الطبية، وهو أحد مشاريع القوانين الموروثة من المدة النيابية الفارطة. لكن النواب صوتوا بأغلبية 124 صوتا لصالح إرجاع مشروع القانون الأساسي للجنة الصحة، كي تعيد مناقشته بتركيبتها الجديدة ويتسنى لمختلف الكتل الاطلاع عليه جيدا. قرار اعتبره البعض، ومنهم سامي الطاهري الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل، انتصارا "للوبيات القطاع الصحي الخاص".

 

لئن شكلت الجلسة العامة ليوم الأربعاء 15 جانفي الجاري مادة للجدل سياسي، إلا أن هذا الجدل لم يتعلق بمشروع قانون حقوق المرضى والمسؤولية الطبية، وإنما بمساءلة رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي على خلفية زيارته إلى تركيا ولقائه الرئيس التركي اردوغان، والمشاحنات التي أصبحت معتادة بين رئيسة كتلة الحزب الدستوري الحر من جهة، وكتلتي النهضة والكرامة من جهة أخرى.

رفضت أغلبية النواب المرور للتصويت على فصول مشروع القانون، الذي انتهى النقاش العام حوله في المدة البرلمانية الفارطة، قبل أن تصوت لصالح إعادته مجددا إلى لجنة الصحة والشؤون الاجتماعية. الطلب جاء من اللجنة نفسها، حيث تحجج رئيسها خالد الكريشي بأن أغلب أعضاء وعضوات البرلمان جدد، لم يتسن لهم مناقشة مشروع القانون ولا حتى الاطلاع عليه، واعتبر أن هنالك نقاطا "تحتاج لإعادة النظر فيها من جديد مع مراعاة مصلحة كل الأطراف المتداخلة". المقصود، على ما يبدو، هما نقابتا أطباء القطاع الخاص وأطباء الأسنان الممارسين بصفة حرة، اللتان لم تكونا راضيتين على محتوى مشروع القانون وسعتا إلى تعديله.

 

الإطار القانوني الحالي لا يحمي المرضى ولا الأطباء 

لم تخفِ وزيرة الصحة بالنيابة سنية بالشيخ، التي كانت حاضرة في الجلسة العامة، استياءها من إرجاع مشروع القانون للجنة الصحة وما يعنيه ذلك من مزيد تعطيل المصادقة عليه أسابيع أخرى (على الأقل). فقد بدأ العمل على مشروع القانون، حسب الوزيرة، منذ نوفمبر 2015، بطريقة تشاركية، والتأم بخصوصه أكثر من 80 اجتماعا داخل الوزارة وخارجها، وناقشته لجنة الصحة بالبرلمان باستفاضة، وبعد الاستماع لجميع الأطراف، قبل أن تتعطل المصادقة عليه في جلسة 31 جويلية 2019، وهي آخر جلسة قبل خروج المجلس في عطلته البرلمانية، نظرا لضعف حضور النواب.

برزت الحاجة إلى مشروع قانون خاص بالمسؤولية الطبية نظرا للمشاكل التي سبّبها خضوع هذه المادة للقواعد العامة للمسؤولية المدنية الواردة بمجلة الالتزامات والعقود، والفصل 17 من قانون المحكمة الإدارية بالإضافة لفقه قضائها بالنسبة للمسؤولية الإدارية للمؤسسات الاستشفائية العمومية. وبذلك، فالإطار القانوني الحالي "لا يكرس المساواة في التعويض عن الأضرار العلاجية، سواء بين القطاعين العمومي والخاص أو داخل كل قطاع في حد ذاته"، مثلما ورد في تقرير لجنة الصحة. وهو يثقل كاهل المتضرر، حيث أن مسار الحصول على تعويض يستغرق عدة سنوات نظرا لطول الإجراءات القضائية.

أما المسؤولية الجزائية لمهنيي الصحة، فهي تخضع إلى الفصلين 217 و225 من المجلة الجزائية المتعلقين بجريمتي القتل غير العمد وإلحاق أضرار بدنية بالغير بسبب القصور أو الجهل أو عدم التنبه أو التغافل أو عدم مراعاة القوانين. تطبيق هذين الفصلين أدى إلى التوسع في تجريم الأخطاء الطبية، مما ساهم في انتشار ظاهرة "الطب الدفاعي"، أي لجوء مهنيي الصحة، والأطباء بصفة خاصة، إلى المبالغة في طلب التحاليل الطبية دون أن تكون مبررة -مع ما يعنيه ذلك من كلفة مادية على كاهل المرضى والمستشفيات العمومية-وتجنبهم أي مبادرة غير مضمونة النتائج، خوفا من الوقوع تحت طائلة هذه الأحكام الجزائية. وكان أطباء القطاعين العام والخاص قد نفذوا إضرابا عاما سنة 2017 بعد إيداع طبيبة مقيمة بالسجن على ذمة التحقيق في قضية وفاة رضيع بمستشفى سوسة، تزامنا مع إيقاف طبيب مبنج بمصحة خاصة في محافظة قابس للاشتباه في ارتكابه خطأ طبيا أدى إلى وفاة مريض.

ساهمت هذه الحوادث، بالإضافة إلى تدهور وضع المستشفيات العمومية وانتشار شهادات وقصص المرضى وعائلاتهم عن أخطاء طبية دون أن يقع بالضرورة إثباتها، في خلق مناخ من عدم الثقة بين المريض والطبيب، كثر فيه اللجوء إلى التتبعات الجزائية، وتحميل المسؤولية للأطباء في كل ضرر يحصل بالوسط الاستشفائي، وتحصُّن هؤلاء بردود أفعال قطاعية وتشجيع عدد كبير منهم على الهجرة.

 

مشروع قانون "ثوري" لإرساء "دعائم الديمقراطية الصحية"

تصرّ وزيرة الصحة على أن مشروع القانون، قبل أن يعنى بالمسؤولية الطبية، هو "قانون حقوق المرضى". تصور تشاطره الدكتورة عائدة البرجي، وهي عضوة في "لجنة التفكير" التي صاغت المشروع، والتي عبرت خلال اتصال "المفكرة" بها عن تفاجؤ أعضاء اللجنة، عند بداية عملهم في فيفري 2016، من ضعف التنصيص على حقوق المريض في المنظومة التشريعية، حيث لا نجدها تقريبا سوى في مجلة واجبات الطبيب (التي صدرت في أمر رئاسي)، وفي "ميثاق المريض" (الذي صدر في منشور وزاري)، وكان في الحالتين فقط كواجبات على مؤسسات الصحة ومهنييها.

وبالتالي، وضعت "لجنة التفكير" حقوق المرضى صلب الباب الثاني من مشروع القانون، الذي يشمل الفصول من 4 إلى 25، بالإضافة إلى الحقوق المكرسة بالدستور والمعاهدات الدولية والنصوص الخاصة ببعض الشرائح من المرضى. يعطي الفصل الخامس لكل مريض "الحق في حماية صحته في أفضل الظروف الممكنة دون أي تمييز"، مع مراعاة الحالات الاستعجالية وخصوصيات بعض الفئات من المرضى، في حين يفرض الفصل السادس على الهياكل والمؤسسات الصحية تقديم خدماتها في نطاق احترام حقوق وحريات قاصديها وحفظ كرامتهم.

كما يظهر التوجه الجديد في التركيز على حرية المريض، سواء في اختيار المؤسسة الصحية التي يعالج بها (الفصل 7)، أو في مغادرتها وعدم مباشرة أو تلقي العلاج بها (الفصل 14)، مع ضرورة إعلامه (أو وليه أمره الشرعي) «بمختلف الكشوفات والعلاجات المقترحة والتدابير الوقائية الضرورية وأخذ رأيه بشأنها» بالإضافة إلى «المخاطر متكررة الحدوث والمخاطر الجسيمة المتوقعة» في مثل حالته، وذلك «بلغة مبسطة ومفهومة مع مراعاة صعوبة الفهم والتواصل بالنسبة لبعض الشرائح» (الفصل 15). هذا التنصيص على واجب الإعلام، الذي يخضع لبعض الاستثناءات المبررة (الفصل 16)، والذي يشكل عدم تطبيقه خطأ مهنيا موجبا للتتبعات التأديبية (الفصل 17)، يهدف إلى تلافي الغياب شبه التام للحوار بين الإطار الطبي والمريض، مما يؤدي في حالات عديدة إلى جهل هذا الأخير بمرضه وبالتالي إلى عدم قدرته على أخذ القرارات بنفسه فيما يتعلق بشؤونه الصحية.

كما فرض الفصل 9 على الهياكل والمؤسسات الصحية عند تعهدها بالحالات الاستعجالية "إعطاء الأولوية لتقديم الخدمات الصحية الضرورية على أن تتم تسوية المسائل ذات الصبغة الإدارية والمالية لاحقا"، وهو ما يتناقض مع واقع الحال في العديد من المؤسسات الصحية الخاصة.

تضمّن الباب الثاني كذلك أحكاما حول الوقاية من المخاطر والأضرار المرتبطة بالعلاج، منها إحداث «لجان قيادة وخلايا» في كل مؤسسة صحية لمتابعة الجودة والتصرف في المخاطر العلاجية، وأقسام أو وحدات خاصة للنهوض بالجودة والتصرف في المخاطر، وخلايا لإدارة الطوارئ الصحية (الفصل 24)، وهو أصبح ضروريا بعد تواتر الحوادث الطبية، لعلّ أبرزها فاجعة وفاة الأطفال بمستشفى الرابطة.

 

فلسفة جديدة للمسؤولية الطبية

يبقى أحد أهم حقوق المرضى (أو ورثتهم) هو المطالبة بالتعويض عن الأضرار المرتبطة بالعلاج، وهو ما يحيلنا إلى المسؤولية الطبية المدنية. انطلق مشروع القانون من نقائص الوضع الحالي، ومن دراسة للقوانين المقارنة. وتتمثل أبرز إضافاته أولا في التشجيع على التسوية الرضائية، وذلك نظرا لطول وتعقد اجراءات التقاضي. فقد جعل مشروع القانون المرور بطلب التسوية الرضائية إجباريا، وذلك أمام لجنة جهوية تحدث بكل إدارة جهوية للصحة، يكون من مشمولاتها النظر في مطالب التسوية وإقرار التعويض في أجل لا يتجاوز ستة أشهر. ومع انقضاء هذه المدة دون إبرام كتب الصلح، يمكن لطالب التعويض اللجوء إلى القضاء. وتعيّن اللجنة الجهوية لجنة خبراء من ضمن الخبراء العدليين المعتمدين بالمحاكم لإجراء اختبار طبي والمصادقة عليه بأغلبية الثلثين في أجل شهرين قابلين للتمديد بمثلهما وذلك بطلب معلل. هذا الأجل اعتبرته الدكتورة عائدة البرجي ضروريا، نظرا لأن أحد أسباب تعطل النظر في قضايا التعويض حاليا هو "انتظار الاختبارات الطبية لمدة تصل إلى ستة أشهر بل وحتى سنة دون أي موجب".

واجب المرور عبر طلب التسوية الرضائية، رغم أنه يقيّد حق المتضرر في اللجوء إلى القضاء، لكنه يمكنه من الحصول على تعويض في أجل معقول (ستة أشهر)، وفق مسار سهل ومجاني. ويشمل التعويض الضرر البدني والمعنوي والمهني وكذلك الجمالي، وخسارة الدخل خلال مدة العجز المؤقت عن العمل، ومصاريف العلاج والتنقل والاستعانة بشخص عند الاقتضاء.

كذلك، من بين أهم الخيارات التي أخذها من صاغوا مشروع القانون هو صرف التعويضات من صندوق خاص، يتم تمويله من الدولة والمؤسسات الصحية العمومية والخاصة، وكذلك من قبل مهنيي الصحة وفق أقساط سنوية يحددها قانون المالية. كان البديل المعمول به في القانون المقارن، حسب تقرير لجنة الصحة، هو أن يُترك الأمر لمؤسسات التأمين، لكن هذه الأخيرة رفضت مبدأ تأمين الحوادث الطبية نظرا لصعوبة توقعها، وأرادت الاكتفاء بالتعويض عن الأخطاء الطبية مثلما هو الشأن حاليا.

وقد أقر مشروع القانون تأسيس المسؤولية الطبية على الخطأ الطبي، الذي عرفه الفصل الثالث بأنه "كل إخلال غير قصدي من مهني الصحة بالتزامه ببذل العناية الواجبة طبقا للأصول والقواعد العلمية المتعارف عليها ووفقا للوسائل المتاحة له في حدود وظيفته وتخصصه ومؤهلاته ينتج عنه إلحاق أضرار بالمريض". كما أقر مسؤولية المؤسسات الصحية، سواء العمومية أو الخاصة، عن الأخطاء الطبية المرتكبة من مهنيي الصحة الراجعين إليها بالنظر أو المباشرين بها، وكذلك مسؤوليتها عن الأضرار الناتجة عن التعفنات المرتبطة بالعلاج أو عن المواد والتجهيزات والمنتجات الصحية التي تستخدمها، مع حفظ حقها في الرجوع على مزوديها.

أما بالنسبة للمسؤولية الجزائية، فقد أسسها مشروع القانون على "الإهمال الجسيم"، الذي عرّفه الفصل الثالث ب "اللامبالاة بسلامة المريض مع ثبوت وجود فارق هام وملحوظ بين العناية المقدمة والقواعد الطبية الثابتة نتجت عنهما الأضرار الحاصلة"، مما يحمي الأطباء من تطبيق الفصلين 217 و225 من المجلة الجزائية بشكل لا يتلاءم مع خصوصية مهنتهم. 

 

نقابتا أطباء القطاع الخاص وأطباء الأسنان وراء إرجاع مشروع القانون

رغم إجماع جميع المتدخلين على أهمية وأولوية صياغة إطار قانوني جديد للمسؤولية الطبية، لم ينل مشروع القانون رضا نقابتي أطباء القطاع الخاص وأطباء الأسنان الممارسين بصفة حرة. فقد أصدرت كل من النقابتين بيانا، قبل يوم من الجلسة العامة المخصصة لمناقشة فصوله، للمطالبة بإرجاعه للجنة الصحة ومزيد التشاور حوله، وأخذ ملاحظاتهما بشأنه بعين الاعتبار.

فصّلت نقابة أطباء القطاع الخاص في بيان ثانٍ ملاحظاتها التي سبق وأن قدمتها داخل "لجنة التفكير"، ثم أمام لجنة الصحة في المدة البرلمانية الفارطة، دون أن تنجح في الإقناع بها. أول هذه الملاحظات تتعلق بتركيبة اللجنة الجهوية للتسوية الرضائية ذات الدور المحوري في عملية التعويض، حيث تطالب نقابة أطباء القطاع الخاص بأن تكون ممثلة صلبها. لم يحدد مشروع القانون تركيبة اللجان الجهوية، وإنما أحال ذلك إلى نصّ تطبيقي. كذلك، يرفض أطباء القطاع الخاص تركيبة لجنة الخبراء، التي تضم وجوبا من بين ثلاثة أعضاء (على الأقل) طبيبا شرعيا وطبيبا استشفائيا جامعيا، ويطالبون بإلغاء هذين الشرطين، وبالتالي، فتح الباب أكثر لتعيين خبراء من أطباء القطاع الخاص.

لم تخفِ الدكتورة عائدة البرجي معارضتها الشديدة لهذه المطالب، فهي تعتبر أن تمثيل أطباء القطاع الخاص داخل لجنة التسوية الرضائية سيضرب الثقة في هذا المسار وفي شفافيته. كذلك الأمر بالنسبة للجنة الخبراء، حيث أن تمثيل الاستشفائيين الجامعيين والأطباء الشرعيين داخلها "ليس انتقاصا من كفاءة بقية الأطباء، وإنما هو مبرر ومعمول به في القوانين المقارنة، خاصة وأن مشروع القانون لم يغلق الباب أمام انتداب خبير من أطباء القطاع الخاص". تصر الدكتورة البرجي على أهمية أن لا تظهر لجنة التسوية الرضائية تابعة للقطاع الطبي، لكي تحظى بثقة الشاكين، وهو ما جعلهم يقترحون صلب "لجنة التفكير" أن يترأسها قاض. وهي تعتبر أن ملاحظات النقابة سبق وأن نوقشت باستفاضة، وحُسمت بالتصويت داخل لجنة التفكير، ثم نوقشت مرة ثانية أمام لجنة الصحة ولم يقتنع بها النواب، لأنها تهدف "لخدمة مصالح فئوية وقطاعية ضيقة".

 

كما طالبت نقابة أطباء القطاع الخاص بتحديد "نسبة ضرر دنيا لا يمكن دونها المطالبة بتعويض"، ومقدار أقصى للتعويض، كي "لا يفلس الصندوق" بمجرد انطلاق العمل به. وقد أعربت النقابة عن خوفها من أن يتحمل القطاع الخاص وحده عبء تمويل صندوق التعويض. ورغم أن لجنة الصحة أدرجت الدولة ضمن مصادر تمويل الصندوق في الفصل 30، تطالب النقابة في بيانها بتحديد نسبة لتمويل الدولة، وقد سبق وأن اقترحت أمام لجنة الصحة نسبة ثلث الموارد. وفي نفس الإطار، تطالب النقابة بالتشاور مع نقابات المهنيين عند تحديد نسب مساهماتهم في الصندوق، وبالبحث عن مصادر تمويل أخرى، وهو ما يبقى ممكنا حسب الفصل 30 من مشروع القانون. هذا وشكلت مسألة تمويل صندوق التعويض أهم اعتراضات أطباء الأسنان على مشروع القانون، مما يدلّ على مركزية المسألة المالية لدى معارضي مشروع القانون الذين يهدفون للحدّ من مبالغ التعويضات (عبر ربطها بنسبة ضرر دنيا ومبلغ أقصى)، وعبر تمثيلهم داخل اللجنة الجهوية ولجنة الخبراء، وكذلك إلى الحدّ من حصتهم في تمويل الصندوق.

حضر ممثلو النقابتين يوم الأربعاء في بهو المجلس، وضغطوا كي لا تصوت الجلسة العامة على فصوله ونجحوا في ذلك. صوت النواب بأغلبيتهم ضد المرور إلى التصويت على فصول مشروع القانون، ثم طلب خالد الكريشي رئيس لجنة الصحة إرجاعه إلى اللجنة، نظرا لأن جل أعضائها نواب جدد لم يتسنى لهم الاطلاع عليه، وهو ما أقرته أغلبية النواب، ما يشير إلى توافق بين مختلف الكتل البرلمانية على ذلك. وحده عماد أولاد جبريل، النائب عن حزب قلب تونس حاليا، والذي كان مقررا مساعدا للجنة الصحة في المدة البرلمانية الفارطة، اعتبر في نقطة نظام أن مشروع القانون قد "استوفى شروط مناقشته"، وأن احترازات أطباء القطاع الخاص وأطباء الأسنان حوله سبق وأن قدمت للجنة الصحة وحُسم الأمر فيها بالتصويت. بل أنه بالعودة إلى تقرير اللجنة، يظهر أن مشروع القانون برمته، وكذلك معظم فصوله (ومنها التي تطالب النقابتان بمراجعتها) حظيت بإجماع أعضاء اللجنة السابقة.

 

تعطيل ناتج عن تجديد تركيبة البرلمان، أم عن سوء تنظيمه؟

صحيح أن أربعة أخماس أعضاء لجنة الصحة من النواب الجدد، الذين لم يكونوا بالبرلمان عند مناقشة مشروع القانون. لا يتعلق الأمر فقط بلجنة الصحة، فقد أفرزت الانتخابات التشريعية تركيبة برلمانية تقارب فيها نسبة النواب الجدد 78%. لكن هل يبرر هذا التجديد إلغاء أعمال اللجان البرلمانية السابقة وإعادة مناقشة مشاريع القوانين التي صادقت عليها ولم تصوت عليها الجلسة العامة بعد؟ وهل سيتكرر الأمر بالنسبة لمشاريع القوانين الأخرى التي تنتظر تصويت الجلسة العامة، ومنها مشروع قانون تنظيم حالة الطوارئ؟

فالمبدأ يبقى استمرارية الدولة ومؤسساتها، والمراكمة على عمل اللجان المتخلية. كما أن معظم الكتل البرلمانية الحالية كانت ممثلة في المدة البرلمانية الفارطة، إن لم يكن مباشرة، فعبر نواب كانوا ينتمون لكتل أخرى كما هو الحال بالنسبة لقلب تونس، وبالتالي، يفترض أن تكون مطلعة على النقاشات التي حصلت وكونت موقفها من مشروع القانون.

إرجاع مشروع القانون للجنة الصحة يكشف أيضا ضعف إلمام معظم الأحزاب بمثل هذه الملفات التي، على أهميتها، لا تنتج انقساما سياسيا واضحا. فمواقف النواب وكتلهم عادة ما تتحدد حسب موازين قوى القطاعات المهنية داخلها وقربها من نقابات معينة، لا على رؤية وبرامج.

مشروع قانون حقوق المرضى والمسؤولية الطبية لم يكن فقط ضحية ضغط لوبيات قطاعية وضعف جاهزية الكتل البرلمانية، وإنما دفع أيضا ثمن سوء اختيار توقيت مناقشته، وبصفة عامة، سوء التنظيم داخل البرلمان. فقد تقرر إدراجه في الجلسة العامة قبل ستة أيام من موعدها، وتم إرسال جدول الأعمال إلى وزارة الصحة وللنواب بعد ذلك بيوم، في مخالفة للفصل 138 من النظام الداخلي الذي يفرض أجلَ أسبوع على الأقل لإعلام الحكومة والنواب مع امكانية اختصاره ليومين «في الحالات الاستعجالية». تزامن ذلك مع جلسة التصويت على منح الثقة لحكومة الحبيب الجملي- والتي فشلت في نيلها- مما أثر سلبا على أولوية دراسة مشروع القانون الذي وضع مع ثمانية مشاريع قوانين أخرى في جلسة الأسبوع الماضي، في حين لم تبرمج أي جلسة عامة تشريعية لهذا الأسبوع.

سوء التنظيم ليس جديدا في البرلمان. إذ لم يكن له في الخماسية المنقضية رزنامة تشريعية واضحة، وحتى عندما حاول في بعض المرات وضع رزنامة تقديرية، فشل فشلا ذريعا في احترامها. وقد سبق وأن دفع مشروع قانون حقوق المرضى والمسؤولية الطبية ثمن هذه الارتجالية. فقد وقع النظر فيه كآخر نقطة في جدول أعمال جلسة يوم 31 جويلية 2019، الموافقة لآخر يوم في الدورة البرلمانية. وعندما حل موعده، كانت أغلبية النواب قد غادرت المجلس، ليتعذر التصويت عليه في غياب النصاب المطلوب، ويُرحّل الأمر إلى ما بعد الانتخابات. وقد سنحت للبرلمان المغادر فرصة استكمال المصادقة على مشاريع القوانين التي اشتغلت لجانه عليها، بمناسبة الدورة الاستثنائية التي فرضها استحقاق تنقيح آجال القانون الانتخابي لتتوافق مع الآجال الدستورية للانتخابات السابقة لأوانها (بعد وفاة الرئيس الباجي قائد السبسي). لكنه اكتفى بذلك التنقيح، وانشغل النواب وأحزابهم بالاستعداد للانتخابات.

 

إرجاع مشروع قانون حقوق المرضى والمسؤولية الطبية للجنة الصحة لا يعني فقط تأجيل المصادقة عليه لأسابيع أخرى، رغم انتهاء مناقشته منذ ستة أشهر، بل يسلط الضوء كذلك على تواصل نفس الإشكاليات التي أعاقت عمل مجلس نواب الشعب في المدة البرلمانية الأولى، من سوء التنظيم، إلى غياب الأجندة التشريعية، دون أن ننسى دور مجموعات الضغط القطاعية أو الاقتصادية، في غياب إطار تشريعي ينظم دورها وعلاقة النواب بها، وفي غياب برامج ورؤى واضحة لدى معظم الأحزاب، حتى في المجالات الحيوية في علاقة بالمجتمع.

انشر المقال

متوفر خلال:

الحق في الصحة والتعليم ، تونس ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *