حطيط ضدّ نعمة: أو عندما يصبح التدخّل في القضاء أمراً عادياً


2021-05-11    |   

حطيط ضدّ نعمة: أو عندما يصبح التدخّل في القضاء أمراً عادياً
وزير الاقتصاد في حكومة تصريف الأعمال راوول نعمة

بالرّغم من تكريس الوظيفة القضائية كسلطة دستورية ومستقلّة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية[1]، لا يزال القضاء يعاني من كافة أوجه التدخّلات. وأدّى امتناع الملاحقة والمحاسبة إلى الاستخفاف بالتدخّل، لدرجة تعدّد ما كان يمكن أن يشكّل فرضيات مدرسية للتعدّي على استقلالية القضاء. وهي فرضيات ما كنّا سلّمنا بتحقّقها واقعياً لولا ما شهدناه بالصورة والصوت والكتابة.

وزير عدل يخاطب رئيس محكمة الجنايات عبر مكالمة هاتفية تنقل على شاشات التلفزيون (2017)، بشأن ملف قضائي يصنّفه ملفاً ساخناً، ويذكّره بقرب المناقلات القضائية حيث تعود الكلمة الأخيرة للسلطة السياسية[2]… ومؤخّراً، وهو تدخّل لا يقلّ خطورة، وزير اقتصاد يوجّه كتاباً إلى المحقّق العدلي بصفته مسؤولاً عن لجنة مراقبة هيئات الضمان، في جريمة انفجار مرفأ بيروت طالباً منه ما حرفيّته: “إصدار تقرير رسمي يُخرج الأعمال الحربية والإرهابية من دائرة الأسباب التي أدّت إلى وقوع انفجار 4 آب 2020…”[3].

أثار هذا الكتاب نقمةً كبيرة لدى الرأي العام اللبنانيّ، وبخاصّة لدى ذوي الضحايا. فالتفاهة التي تمّ بها لم يكن يوازيها في ضخامتها إلّا حجم المأساة التي نواجهها. وهذا ما دفع الناطق الإعلامي باسم لجنة أهالي الضحايا إبراهيم حطيط إلى التقدّم بشكوى مع اتّخاذ صفة الادّعاء الشخصي، في تطبيق هو الأوّل من نوعه، لجرم المادة 419 من قانون العقوبات، في مواجهة وزير تعسّف في استعمال صلاحيّاته الوزارية، فحاول بسطها على القضاء، بدلاً من أن يوجّهها على شركات التأمين.

التدخّل في القضاء باسم شركات التأمين

خلفية الكتاب المذكور، شركات تأمين ترفض تغطية الأضرار التي تسبّب بها الانفجار بحجّة ضرورة انتظار نتائج تحقيق المحقّق العدلي من أجل تحديد ما إذا كان هنالك أعمالاً حربية ساهمت في انفجار مواد نيترات الأمونيوم التي كانت قد خزّنت في العنبر رقم 12 من المرفأ. جواب الوزير: الطلب من القاضي الذي لم ينتهِ من التحقيقات إصدار قرار مسبق يستبعد الأعمال الحربية والأنشطة الإرهابية من مسبّبات الانفجار.

لوهلة، يبدو الوزير يتكلّم باسم المتضرّرين حيث أنّه قد علّل الطلب الوارد في كتابه، بأن هكذا قراراً من شأنه أن يسمح لمئات المواطنين المؤمّنين إصلاح منازلهم وإعادة إطلاق أعمالهم، لكون شركات إعادة التأمين تستثني هذه الأعمال من نطاق تغطيتها، الأمر الذي قد يُدخل ما يزيد 1.2 مليار دولار إلى لبنان.

لكنّ التمعّن في النصوص القانونية يؤكّد عكس ذلك: فالمادة 969 من قانون الموجبات والعقود التي تتذرّع بها شركات التأمين تنصّ بالفعل على أنّه “لا يكون الضامن مسؤولاً عن الهلاك أو الضرر الذي تحدثه حرب خارجية أو حرب أهلية أو فتنة أو حركة قومية، ما لم يكن هناك اتفاق على العكس”، ولكن الفقرة الثانية منها تضيف أنّه “على الضامن إقامة البيّنة على أنّ الهلاك أو الضرّر ناشئ عن أحد هذه الأسباب. وكلّ نصّ يوجب على المضمون إقامة البرهان على أنّ الضرر أو الهلاك غير ناشئ عن أحد هذه الأسباب يكون باطلاً”. وهذا يعني أنّ شركات التأمين ملزمة بالتغطية إلّا إذا أثبتت أنّ الأضرار موضوع التغطية نتجت عن أعمال حربية، وليس العكس. وعليه، تكون شركات التأمين فرضت بقوّة الأمر الواقع انقلاباً على النص القانوني، فرفضت التغطية من دون أن تثبت كيف ولماذا التحقيق في انفجار المرفأ قد يؤدّي إلى استبعاد موجبها بالتغطية. فلو افترضنا “أنّ ثمّة عملاً أو فعلاً حربياً أدّى إلى تفجير العنبر رقم 12، فإنّ نتائجه وامتداد الدمار الناجم عنه إلى أحياء واسعة في بيروت لم يكن بسبّب هكذا فعل بل بسبب أفعال أخرى ساهمت بشكل مباشر وحتمي في حصول الضرر، ونعني بذلك الإهمال وقلّة الاحتراز ومخالفة القانون، وكلّها ناجمة عن مسألة تخزين مادّة الأمونيوم في مرفأ بيروت، وهي مخاطر غير مستثناة من موجب الشركات المؤمّنة”[4]. فالأضرار الشاملة تسبّب بها حريق وانفجار مواد نيترات الأمونيوم بشكل مباشر، وهذا الأمر غير مشكّك في صحته لغاية تاريخه.

وعليه، بدلاً من أن يقوم الوزير بملاحقة ومعاقبة هذه الشركات كما كان قد صدر عن لجنة الرقابة على شركات الضمان بتاريخ 13 آب 2020، عمد باتجاه معاكس لدوره وواجبه، إلى إعطاء غطاء قانوني لممارساتها عبر التوجّه إلى المحقق العدلي. وكأنه يقرّ ضمناً بأنّه بالفعل، يحقّ لشركات التأمين التحجّج بالتحقيق، وليس للمتضرّرين إلّا الانتظار من أجل صدور نتائجه. إلّا أنّ هذه الأفعال التي تخالف الفقرة الثانية من المادة 969 من قانون الموجبات والعقود تشكّل أيضاً جرم التدخّل في عمل القضاء، الذي لا بدّ من تفعيل معاقبته من أجل خلاص ما يتبقّى من العدالة وحق الوصول إليها في لبنان.

المادة 419 من قانون العقوبات بوجه التدخّل في عمل القضاء

نصّت المادة 419 من قانون العقوبات على أنّه: “من التمس من قاض أو محكم أو من شخص يقوم بمهمّة قضائية أو بمهمّة تحكيمية، بأيّ وسيلة، أيّ طلب متعلّق بدعوى أو بمراجعة قضائية، يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبغرامة تتراوح بين عشرة أضعاف الحد الأدنى للأجور ومئة ضعفه. تشدد هذه العقوبة وفق أحكام المادة 257 من قانون العقوبات إذا كان الفاعل أو الشريك أو المتدخّل أو الـمحرّض موظفاً وفق المعنى المقصود في المادة 350 من هذا القانون”. قبل تعديلها بموجب القانون رقم 165 الصادر بتاريخ 8/5/2020، كانت تنصّ المادة المذكورة على أنّه “من استعطف قاضياً كتابة كان أو مشافهة لمصلحة أحد المتداعين أو ضدّه عوقب بالغرامة من عشرين ألف إلى مئة ألف ليرة”. بمعزل عن انعدام وجود أي عقوبة رادعة قبل التعديل، يؤكّد البحث في الاجتهاد أنّه لم يتمّ تطبيق هذه المادة، وذلك، في تعارض صارخ مع الانتقادات التي وجّهت ولا تزل ضدّ التدخّل المتواصل في أعمال القضاء.

غياب نصّ المادة 419 من قرارات المحاكم لا ينمّ فقط عن انعدام المحاسبة والملاحقة بهذا الخصوص، ولكنّه يعبّر أيضا” عن تحوّل التدخّل في العمل القضائي إلى أمر عادي أو حتى تافه. وهذا ما ترجمه رئيس مجلس النواب عندما تمّ طرح التعديل معلّقاً عليه بطريقة ساخرة، بما معناه أنّ مقدّمه يرغب “بوضعنا جميعاً في الحبس”[5]. وهذا ما يتبيّن حالياً من البيان الذي أصدرته نقابة الأطباء في بيروت بتاريخ 9 أيار 2021 على إثر صدور القرار عن محكمة الاستئناف في قضية الطفلة إيلّا طنوس داعية من جملة المطالب إلى ” زيارة وزيرة العدل لإيجاد حل قضائي عادل والسعي لإبطال مفاعيل الحكم قضائيا أو عبر قانون”[6]، أي بمعنى آخر إلى التدخل الوزاري أو التشريعي في العمل القضائي للمدافعة عن مصالح الأطباء. فبعد شركات التأمين، جاء دور الأطباء، وهذه المرة، ليس لاستصدار حكم مسبق ولكن، وأبعد من ذلك، لقلب القرار القضائي الذي صدر.

إذاً تشكّل في هذا الإطار الشكوى المقدّمة من حطيط، الشكوى الأولى من نوعها في محاولة لتفعيل المحاسبة والملاحقة لمن يتدخّل في العمل القضائي. ولعلّ أهميّتها تكمن قبل كلّ شيء في كونها ردّة فعل على عمليات استباحة القضاء، وذلك، دفاعاً عن الحق في الوصول إلى العدالة لضحايا تفجير المرفأ.

  1. E. Rabbath, La Constitution libanaise : origines, textes et commentaires, éd. Université Libanaise, 1982, p. 160.
  2. رانيا حمزة، ” تدخل وزير العدل في دعوى الريف يبطئها، المفكرة القانونية، 15/6/2017. آنذاك كان الوزير هو سليم جريصاتي.
  3. زينب حمود، ” أهالي الضحايا يتّجهون إلى مقاضاة نعمة: من نصّبه قاضياً؟”، المفكرة القانونية، 11/4/2021.
  4. نادين عرفات، ” لماذا شركات التأمين مُلزمة بتسديد تعويض عن تفجير المرفأ؟” المفكرة القانونية، 7/5/2021.
  5. “إقرار من رئيس المجلس النيابي بتدخل نواب لبنان في القضاء: حبس من يستعطف القضاء يضعنا كلنا بالحبس”، المفكرة القانونية، 28/6/2019.
  6. “نقابة الأطباء: إضراب تحذيري لمدة أسبوع احتجاجا” على القرار الصادر في قضية الطفلة إيلا طنوس”، الوكالة الوطنية للاعلام، 9 ايار 2021، http://nna-leb.gov.lb/ar/show-news/543470/
انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قرارات قضائية ، قضاء ، قطاع خاص ، لبنان ، مجزرة المرفأ ، محاكم جزائية ، مقالات