حصيلة الاستعراض الشّامل الرابع لتونس: سياسة ماكرة تترصّد الحريات الفردية والعامة


2023-03-28    |   

حصيلة الاستعراض الشّامل الرابع لتونس: سياسة ماكرة تترصّد الحريات الفردية والعامة

قدّمت تونس تقريرها الدوري الشامل الرابع أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف في 8 نوفمبر 2022 . وقد نبّه د. وحيد الفرشيشي في تعليقه الأول على التقرير إلى أنه ينمّ عن كثير من سوء النية فضلا عن تعمّده إغفال العديد من المسائل الهامة. بعدئذ، واكبنا التوصيات التي قدمتها الدول وردود تونس عليها في ثلاثة مقالات نشرتها المفكرة خلال شهر مارس الحالي ( 1 و 2 و 3 )  . وننشر هنا تعليق د. الفرشيشي بشأن الحصيلة النهائية للنقاشات التي دارت في 24 مارس (المحرّر).  

عندما عرضت تونس تقريرها الدوري الشامل في 8 نوفمبر 2022 أمام مجلس حقوق الإنسان[1]، تقدّمت منها 112 دولة متدخّلة ب 283 توصية قبلت منها تونس 185 وأخذت علما ب 54 وأرجأت موقفها بشأن 44 توصية[2]. مثلت هذه التوصيات ال 44 محور الدورة 52 لمجلس حقوق الإنسان، حيث قدمت تونس يوم 24 مارس موقفها النهائي منها[3].

وكانت نتيجة القرار التونسي: قبول 7 توصيات جديدة وأخذ علم ببقية التوصيات أي 37 تُضاف إلى التوصيات السابقة التي أخذت علما بها في 8 نوفمبر 2022.

وتكون الحصيلة النهائية كما يلي: قدمت لتونس ما مجموعه 283 توصية، قبلت منها 192 وأخذت علما ب 91، ولم ترفض صراحة أي توصية[4]. هذا العدد الهائل من التوصيات المقبولة لا يجب أن يحجب عنا التعامل الماكر للدولة التونسية مع عديد التوصيات ذات الدلالات العامة. حيث تراوغ تونس بشأن العديد من التوصيات وتوحي بقبولها ولكنها تفرغها من محتواها وهو ما لاحظناه بشأن التوصيات التي قبلتها تونس يوم 24 مارس.

فمن مجموع ال 7 توصيات التي قبلتها تونس صراحة، نلاحظ أنها واصلت نفس إستراتيجية 8 نوفمبر الفارط وذلك بقبول العموميات التي يصعب متابعتها لاحقا، ومراوغتها إن لم نقل مغالطتها بالنسبة لعديد التوصيات، مما يعطي انطباعا خاطئا بقبولها مبطنة الرفض لمجموعة منها.

الإصلاحات التشريعية: المراوغة

قبلت تونس صراحة توصية المالاوي بشأن “التصديق التدريجي على الصكوك الدولية البارزة لحقوق الإنسان”(7.6) ، و توصية نفس البلد للإنجاز الفوري لتعديلات القانون الجزائي و قانون الإجراءات الجزائية (7.3) ، و توصية كندا بإلغاء أمر 26 جانفي 1978 متعلق بتنظيم حالة الطوارئ (7.13) .

هذا القبول بالتوصيات يثير لدينا الملاحظات التالية.

– إن قبول التوصية المتعلقة بالمصادقة التدريجية على صكوك حقوق الانسان (ملاوي التوصية عدد 7.6) يدخل في إطار قبول التوصيات العامة التي يصعب متابعتها لاحقا. كما أنها لم تقبل عديد التوصيات الصريحة المتعلقة بالمصادقة على اتفاقيات دولية بعينها مثلاتفاقية اسطنبول واتفاقية منظمة العمل الدولية عدد 190 واتفاقية تجارة الأسلحة ومعاهدة حظر الأسلحة النووية.. وهو ما يؤكد إفراغ هذه التوصية العامة من أي محتوى.

– إن قبول تونس التوصية المتعلقة بإنجاز تعديلات القانون الجزائي وقانون الإجراءات الجزائية (مالاوي التوصية عدد 7.7) بالرغم من أهميته يحتوي مغالطة كبرى، حيث أن مشروع تعديل المجلة الجزائية جاهز منذ 2018 والعمل على مشروع المجلة الجزائية الجديدة انطلق منذ 2014. إلا أنه لا وجود لأي إرادة سياسية لتمريرهما. كما أن قبول إصلاح هذين النصين الأساسين يتعارض تماما مع تحفظ تونس على إصلاح مجلة الإجراءات والعقوبات العسكرية وخاصة محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري (وردت على تونس 14 توصية بهذا الشأن). فلا يمكن إصلاح المنظومة الجزائية دونما رؤية شاملة لها بما في ذلك المنظومة القضائية العسكرية وإلا نكون أمام مغالطة ومخاتلة.

– في إصلاح منظومة الطوارئ ودور الأجهزة الأمنية؛ قبلت تونس توصية كندا بإلغاء أمر 1987 المتعلق بحالة الطوارئ وإصلاح الأمر المنظم لوزارة الداخلية (7.13)، وهي مسألة غاية في الأهمية إلا أن التوضيح الذي قدمته تونس يدعو إلى الريبة والشك في نواياها الحقيقية. حيث ادّعت تونس وجود مشروع قانون حول تنظيم حالة الطوارئ من ناحية ومشروع يتعلّق بزجر الاعتداءات على القوات الحاملة للسلاح. وهي مشاريع عرضت فعلا على مجلس النواب سنة 2018. إلاّ أنه تمّ سحبها من الحكومة، وكانت تلك المشاريع قد أثارت انتقادات المنظمات والهيئات والجمعيات نظرا لعدم احترامها لحقوق الإنسان وفتحها المجال واسعا لضرب حرية التعبير، والتظاهر وتشديد العقوبات على كل رأي أو عمل صحفي أو بحث علمي يمسّ بالأجهزة الحاملة للسلاح.

وخشيتنا الكبرى الآن تتمثل في إعادة هذه النصوص إلى نقاش المجلس النيابي. وبالنظر لتركيبته والأيديولوجيات السائدة بداخله، سيتم إقرارها دونما الأخذ بعين الاعتبار اعتداء هذه المشاريع على الحقوق الإنسانية. ومن المؤشرات الواضحة على هذا التوجه هو تحفظ تونس على التوصية المتعلقة بمراجعة المرسوم عدد 54 لسنة 2022 والذي جاء ليعاقب أي حرية تعبير على الشبكات التواصل (التوصيتين 7.30، 7.31) وتحفظها إزاء تعديل الفصل 86 من القانون المتعلق بمجلة الاتصالات الذي يفعّل لضرب حرية التعبير وعقاب أي انتقاد للشخصيات العامة الحاكمة [التوصية 7.12].

كلها مؤشرات واضحة على المنحى الزجري الذي يمكن الدخول فيه قريبا مع مصادقة المجلس النيابي الجديد على أول النصوص القانونية.

الإصلاح المؤسساتي: غياب الانسجام

قبلت تونس توصية رومانيا (عدد 7.29) بشأن اعتماد خطة عمل للإصلاحات على النحو المنصوص عليه في توصيات هيئة الحقيقة والكرامة من أجل ضمان عدم تكرار انتهاكات حقوق الإنسان بما يتماشى مع قانون العدالة الانتقالية.

هذه التوصية العامة، والتي تقر بأهمية مسار العدالة الانتقالية وتوصيات هيئة الحقيقة والكرامة و[تعترف بها صراحة] والتي قبلتها تونس تبدو في تعارض تام مع موقفها من توصيتين أخريين تتعلقان بمواصلة مسار العدالة الانتقالية وتنفيذ توصيات هيئة الحقيقة والكرامة [لوكسنبورغ عدد 7.27 والبيرو عدد 7.28]. فهل هي انتقائية غير مبررة أو سهو من قبل الدولة التونسية التي تقبل هذه التوصية دونما إدراك لمحتواها العام بالنسبة لمسار العدالة الانتقالية؟ فقبول توصية رومانيا يعني أنها تقبل بتوصيات هيئة الحقيقة والكرامة وتواصل مسار العدالة الانتقالية. وفي ذلك غياب الانسجام في موقف الدولة من مسار العدالة الانتقالية.

التوصيات التطبيقية: رهاب الاختلاف

قبلت تونس توصية فرنسا فيما يتعلق بمواصلة الجهود لمكافحة العنف والتمييز ضد المرأة [7.34] وتوصية هولندا فيما يتعلق بتعزيز إنفاذ القانون عدد 5 ومنع الفحوصات الشرجية والعذرية[5] [7.37].

 القبول بهذه التوصيات يستوجب منا بدوره الملاحظات التالية:

بالنسبة لقبول توصية مكافحة العنف و التمييز ضد المرأة، فإننا نلاحظ أن تونس قبلت جزئيا توصية فرنسا [7.34]، إذ تحفظت إزاء الجزء المتعلق بالمصادقة على اتفاقية إسطنبول. وقد ورد في ردّ تونس بهذا الشأن أن اتفاقية إسطنبول [وكذلك الاتفاقية عدد 190 لمنظمة العمل الدولية] تتضمنان مصطلحات غير منسجمة مع الواقع التونسي على غرار “نوع الجنس” و”المعاشرة” و”الميولات الجنسية و الهوية الجنسانية”… وأن التزام الدولة بهذه التوصية يعني ملاءمة تشريعاتها الوطنيّة وخاصة إلغاء الفصل 230 من المجلة الجزائيّة، وقد سبق للدولة التونسية رفض التوصية المتعلقة بالفصل المذكور”. هذا التوضيح العام يؤكد من جديد أن قبول بعض التوصيات حول حقوق الأشخاص من مجتمع الميم عين هي من باب المغالطة الكبرى، وهو ما يتضح من قبول التوصية المتعلقة بمنع الفحص الشرجي.

– مغالطات قبول التوصية 7.37، المتعلقة بإنفاذ القانون عدد 5 ومنع الفحص الشرجي: حيث قبلت تونس الجزء المتعلق بالقانون عدد 5 وأجابت بصفة ماكرة فيما يتعلّق بالفحص الشرجي: مبينة بأنه “لا يمارس إلاّ برضا الشخص وأنه تتوفر في تونس الضمانات الدستورية والتشريعية الكفيلة بحماية حرمة الجسد والخصوصيات الفيزيولوجية للأشخاص وتوفر النصوص الكفيلة بضمان حماية الحرمة الجسدية للأشخاص المعنيين…”.  هذه الإجابة المطولة والتي تخفي رفضا مبطنا لمنع الفحوص الشرجية خاصة وأن تونس تقول أيضا بأنه سبق الدولة قبول التوصية منذ سنة 2017. ولكن تواصلت الفحوصات الشرجية أيضا منذ 2017. وما يؤكد هذا التوجه هو أن تونس لم تقبل التوصية الموالية 7.35 المقدمة من أيسلندا والمتعلقة بحظر الفحص الطبي الذي ليس له مبرر وأجابت على ذلك بقولها: “يعتبر الفحص الطبي وإن لم يكن له مبرر طبي ضمانة في عديد الحالات… ولا يتم دون موافقة المعني”. وهي إجابة ماكرة تتناقض مع ما كانت تدعيه في اجاباتها السابقة [وخاصة بقبولها التوصية 7.37]، مما يضمر رفضها الواضح لكلّ ما يتعلق بالمنع المطلق للفحوص الشرجية وإلغاء الفصل 230.

إن قبول تونس يما يفوق 192 توصية و تحفظها على 91 منها، يخفي توجها عاما نحو تقييد الحقوق والحريات من ناحية ويرسّخ قناعة المتابعين والمتابعات للشأن العام في تقييد حقوق الإنسان في تونس وأن مرحلة الاستبداد ستتواصل مع المجلس النيابي، لتصبح الانتهاكات بموجب القوانين بعدما كانت بموجب المراسيم مما سيقلص من مسؤولية رئيس الجمهورية [المباشرة/المعلنة] في ضرب الحقوق و الحريات، وليصبح ممثل الشعب الذي انتخب ﺒ 11،3% من مجموع الناخبين هو الناطق بمصالحه وبإرادته وخاصة ليمثل اﻟ88،6% ممن لم ينتخبوه.


[1] أنظر/ي:

Conseil des droits de l’homme Cinquante-deuxième session 27 février-31 mars 2023 Point 6 de l’ordre du jour Examen périodique universel Rapport du Groupe de travail sur l’Examen périodique universel* Tunisie ; A/HRC/52/6

[2] أنظر/ي: وحيد الفرشيشي, مجموعة المقالات الصادرة بالمفكرة القانونية حول موقف تونس من توصيات مجلس حقوق الإنسان في الاستعراض الدوري الشامل لتونس

[3] أنظر/ي:

مجلس حقوق الإنسان الدورة الثانية والخمسون 27 شباط/فبراير – 31 آذار/مارس 2023 البند 6 من جدول الأعمال الاستعراض الدوري الشامل تقرير الفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل*تونس إضافة آراء بشأن الاستنتاجات و/أو التوصيات، والالتزامات الطوعية والردود المقدمة من الدولة موضع الاستعراض

A/HRC/52/6/Add.1

[4] أنظر/ي:

24 mars 2023, Compte rendu de séance : Le Conseil des droits de l’homme adopte les documents finals résultant de l’EPU de l’Équateur, de la Tunisie et du Maroc : lien https://www.ungeneva.org/fr/news-media/meeting-summary/2023/03/afternoon-human-rights-council-adopts-universal-periodic-review

[5]الى جانب توصية إيران بوضع و تنفيذ تدابير فعالة بخصوص نظام التأمين الاجتماعي ضد البطالة [توصية عدد 7.33]


انشر المقال

متوفر من خلال:

تونس ، عدالة انتقالية ، تشريعات وقوانين ، مرسوم ، فئات مهمشة ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية