حروب ضد المثلية في ساحات الدين والسياسة… والقانون: إعادة عقارب الساعة عقدين إلى الوراء


2023-08-23    |   

حروب ضد المثلية في ساحات الدين والسياسة… والقانون: إعادة عقارب الساعة عقدين إلى الوراء
رسم رائد شرف

في 22 تموز الماضي، وجّه أمين عام حزب الله حسن نصر الله تكليفاً لكل من هو في عمر التكليف لمواجهة ما سمّاه مشروعاً يهجم من خلاله “الشيطان” على مجتمعنا ويقوم على ترويج ونشر “الشذوذ”، داعياً إلى أعلى سقف من المواجهة إزاء المشروع المزعوم. لم يتأخر وزير الثقافة محمد المرتضى عن الاستجابة لهذا التكليف، حيث سارع إلى الإعلان في تغريداته أنه يعمل على منع فيلم “باربي” على اعتبار أنّ هذا الفيلم يروّج لما سماه “الشذوذ” ويضرب قيم الأسرة. وكما رافق الأمر حملة شنّتها الجيوش الإلكترونية على منصة (x)، أغلبها حسابات وهميّة وبعض الصحافيين المناصرين للحزب. كان الأمر مشابهاً للحملة الإعلاميّة الممنهجة أواخر حزيران 2022 والتي حرّضت على أفراد LGBT، وقادها آنذاك كل من مفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان ووزير الداخليّة بسّام مولوي، وانضمّ إليها حشد من ناشطين وسياسيين ورجال دين من مختلف الأديان.

وفيما بُنيت حملة “المفتي” على اعتبار ندوة علميّة مزمع إقامتها في جامعة AUB على أنها عمل ترويجي للمثليّة الجنسيّة، بُنيت حملة “السيّد” على مقال “تحذيري” في جريدة “الأخبار” مما سمّي ب “ترويج للشذوذ” في المدارس. وممّا أثار الجدل أيضاً العام الماضي، لوحة إعلانيّة مرخّصة من بلديّة الأشرفيّة مغطاة بأزهار ذات ألوان متدرّجة، وقد أثارت اللوحة آنذاك حفيظة “جنود الرب” فأزالوا اللوحة على نحو استعراضيّ متوعّدين بما هو أعظم. وبالمقارنة مع الحملة المقامة منذ بضعة أسابيع، فقد نزعت بلدية فاريا زينة مهرجانها السنوي وهي على شكل طائرات ورقيّة تحمل ألوانا متدرجة، إذ توجّس البعض من كونها ترمز للمثليّة. وكان المُشترك بين الحملتين، صورة الحلوى ذات الألوان المتدرجة (ليالي الشام) التي اعتبرت ترويجاً للمثليّة، ما يوحي بوجود تصورات ساذجة تفترض بعداً سيميائياً لشعار قوس قزح يؤثّر على لا وعي المستهلك. وقد بنيتْ كلا الحملتين على شائعات من هذا القبيل، وعلى مواقف تحريضيّة من نواّب ووزراء ورجال دين..

البداية كانت مع راجح

في 18 تموز 2023، نشرت جريدة “الأخبار” مقالاً تحت عنوان “ورشة للترويج للمثلية في المدارس؟” جاء فيه أن منظمة “الدولية للتربية” دعت “روابط التعليم الرّسمي بشكل عام، والأساسي بشكل خاص” إلى ورشة تدريب نقابية في أحد فنادق بيروت، وأنها كانت ستدفع أموالاً للروابط في حال حضروا. وأشار المقال إلى تحذيرات من المشاركة بالورشة على اعتبار أن هذه المنظمة تلعب أدواراً دوليّة في “الترويج للمثليين والمتحوّلين جنسياً”. ورغم تأكيد رئيسة البنية العربية للدولية للتربية منال فارس حديفة في اليوم نفسه أنّ مقال جريدة الأخبار هو افتراء لا أكثر، فإنّ تحذيرات المقال فعلت فعلها في إثارة رهاب المثليّة. ولم ينقضِ يومان، إلا وحذّرت كتلة “الوفاء للمقاومة” أنّه “مع تنامي ظاهرة الشذوذ والانحلال والتفكك والفوضى الأسرية في المجتمعات الغربية” بدأت هذه الظاهرة تنتقل إلى مجتمعنا.  وأردفت أن التغافل سيؤدّي إلى مشاكل تهدّد استقرار البلاد وتركيبة المجتمع الديموغرافية والطائفية.

رغم تهويل السرديّة، والتي صرفت النظر عمّن يتحكّم اليوم في التعليم الرسمي والخاص، فهي اليوم أشبه بذرّ الرماد بالعيون نظراً إلى تعاسة الوضع الماديّ للقطاع التربوي وطواقمه، فيتأخّر نقاش مثل هذه المواضيع الكبرى ذات الطابع المعيشي والتربوي الشامل، وتتقدّم هواجس وهميّة من قبيل الذي نناقش. وعملياً، فإنّ ما يمكن تسميته ب “المقال الظنّي” في جريدة الأخبار، فتح باباً لتحوير الجدل من مشكلة محليّة وحكوميّة ترتبط بالموازنة والسياسات الماليّة إلى مشكلة خارجيّة غربيّة ترتبط بهجمة ثقافيّة ما تبعاً ل “نظريّة المؤامرة”.

ومن الشائعات التي جرى تداولها في وقت لاحق أن أحد الكتب في حقيبة الأنشطة المخصّصة للمدرسة الصيفية يحوي رسومات قوس قزح. وكأنّ السرديّة في تركيزها على هذا الأمر توحي بأبعاد سيميائيّة تؤثّر على لاوعي الطفل فتجعله متقبلاً للمثليّة حين يرى شعار قوس قزح. وبطبيعة الحال، لم يكن هذا الموضوع على خفّته وسذاجته ليثير أحداً، لولا استشهاد أمين عام حزب الله السيد نصر الله في خطاب له في 29 تموز بهذه الرواية أولاً على أنها ذات أهميّة وثانياً على أنها حقيقيّة. والملفت في هذا الصدد قوله “لا نخترع معركة، ولا نخترع خطر، هو خطر حقيقي وداهم وبدأ”. أمّا في ما بدا تسليماً بالسرديّة، فقد ارتأى وزير التربية عباس الحلبي في اليوم نفسه أن يكلّف المدير العام للتربية بإجراء تدقيق حول أنشطة تلامذة المدرسة الصيفية، ليتبيّن حتّى أن صورة الكتاب مأخوذة عن صفحات وسائط التواصل الاجتماعي في كندا، وأن الكتاب غير موجود لا في حقيبة المدرسة الصيفية ولا في أيّ مدرسة خاصة. وبدا لنا أن أخذ هذا الموضوع على محمل الجد يضمر تسليماً بالتوجّس من تعليم الأطفال تدرّج  الألوان، ما يعني تغييب الأهداف التربويّة التي يلحظها واضعوا المناهج في هذا الصدد.

علاوةً على شائعتيْ “ورشة الترويج” و”الكتاب المدرسي، قامت حملة على وسائل التواصل الاجتماعي، بدا كأنها ترصد كل غرض يحمل ألوانا متدرجة تشبه قوس قزح، ليُتّخذ منه دليلاً على “مؤامرة الترويج”. على سبيل المثال في 27 تموز، وخلال التحضير لمهرجانات فاريا السنويّة، علّقت زينة على شكل طائرات ورقيّة تحمل ألوانا متدرّجة. ويبدو أن البعض “تنبّه” أو أوحى أنّ هذه ألوان علم “المثلية الجنسية”، كما فعل مقدّم البرامج الكوميديّة شربل خليل بمشاركة فيديو قصير على صفحته. على الإثر، قرر رئيس البلدية نزع الزينة. وقد احتفى خليل معلّقاً أن “شباب فاريا مسحوا الأرض بالشذوذ وبأعلامو، هيدا الشغل الصحّ”.

لم ينفع نفي “العربية الدولية للتربية” للشائعة الأولى، ولا نفي وزارة التربية للشائعة الثانية، فيما انتقلت مهام رصد “قوس قزح” إلى “غروبات الواتساب”، حيث جرى تداول تحذيرات من ألوان قوس قزح في الكتب والمجلات أفلام الكرتون، الخ.. وساهمت الصحف والمواقع في السرديّة. مثلاً عنونت جريدة اللواء في 31 تموز “الشذوذ الجنسي في صفوف المدارس!”، وقالت أن “المسألة تجاوزت الحرية الفردية والميول الشخصية، إلى محاولات مكشوفة ومرفوضة لنشر «ثقافة المثليّة»”. ثم ناشدت وزارة الداخليّة كما فعلت في حملة 2022 فقالت “هل تدري وزارة الداخلية مثلاً، أن الاستعدادات لعقد اجتماع موسّع لجماعة الشذوذ قائمة حالياً على قدم وساق”. ورأت أنّ الأمر يستدعي استنفاراً من المرجعيات الروحية. وتجد مساهمة أخرى ترويجيّة، على موقع القوات اللبنانية في 2 آب، في مقال منشور تحت عنوان “لا للعبث بهوية أطفالنا… نرفض تشريع المثلية الجنسية في لبنان”. وتحدّث المقال عن مخططات أجنبية مبرمَجة تسعى لضرب قدسية العائلة، وأردف أنه “على المؤسسات الدينية، ومن جميع الطوائف، وضع خطة لمواجهة هذا الخطر، وإعادة إدخال التعليم الديني إلى المدارس”. معتبراً أن “الساكت عن الحق شيطان أخرس.”

خطاب مطوّل وحادّ من نصر الله… وانضمام لاحق لرجال الدين

قام خطاب رجال الدين على أن التدرّج والاختلاف موجود في كل شيء في الطبيعة وفي الجينوم البشري مثل في لون العينين وطول الأصابع، إلا في بيولوجيا الجنس حيث لا مقاييس ولا اختلافات. وقُدّم الاختلاف بالتالي، على أنه هويّة ثقافية “مستجدّة” بفعل الغزو الثقافي الغربي. وكان خطاب نصر الله في 22 تموز، فاتحة التحريض ضد أفراد LGBT، بالاستناد إلى ما روّج من شائعات على الصحف ومواقع التواصل الإجتماعي.

وخلال خطاب له إحياءً لمناسبة عاشوراء، خصّص نصر الله أكثر من أربعين دقيقة للحديث عن مشروع تقوده الولايات المتحدة وتعمل له ليلاً ونهاراً ل “إشاعة الشذوذ الجنسي في العالم”، داعياً إلى عدم استخدام عبارة “المثليين” بل عبارتي “اللواط والمساحقة”.  وقال أن التركيز هو على البرامج التربويّة للأطفال على اعتبار أن الكبار يعون ما هي “فطرتهم”، مُشيراً أيضاً إلى خطورة برامج الإنترنت، واصفاً الأمر كما لو أنّ “الشيطان هنا حاملاُ لمشروع ويهاجم”. وقارن المشروع المزعوم بالعمل على تدمير علاقة الزواج بين المرأة والرجل من خلال “ثقافة الزنا” التي برأيه سبق وأشاعها الغرب في مجتمعاتنا. وانتهى إلى أنّ هذا الأمر سيؤدي إلى شيخوخة المجتمع فإلى إندثاره على اعتبار أن “هؤلاء لا ينجبون أولاداً”. وأردف معتبراً أن كل إنسان بالغ سنّ التكليف “هو مكلّف في أن يواجه هذا المنكر العظيم والخطير”. مشيراً إلى أن المثلي عقوبته القتل في الشريعة الإسلاميّة داعياً إلى المواجهة “دون أسقف”، وداعياً إلى الزواج المبكر كأحد أشكال المواجهة.

عليه، تحرّكت في اليوم التالي الجيوش الإلكترونيّة على تويتر، وتحوّل وسم “#الشذوذ_الجنسي” إلى “ترند”، وجرى تداول بعض العبارات التي وردت في سياق خطبة نصر الله. كما جرى تداول صور كاريكاتوريّة أغلبها من حملة 2022 وهي تحرّض على المثليّة وتنبّه من ألوان قوس قزح، وجرى تناقل بعض الاكتشافات من قبيل قطعة حلوى ليالي الشام (أو ليالي الميلاد) والتعليق بأنها ترويج للمثليّة. علماً أن مصطلح الترويج نفسه لا ينطبق على حالة مفردة أو اثنتين يتم رصدها.

ثمّ انضمّ رجال الدين إلى حملة التحريض. فاعتبر المفتش العام المساعد لدار الفتوى الشيخ حسن مرعب في 1 آب، أنّ “المثلية الجنسية هي مشروع خبيث تقف خلفه الماسونية العالمية ونواب “التغيير” هم جزء من هذا المشروع”.

أمّا  نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الاعلى الشيخ علي الخطيب فاعتبر في كلمة له في 2 آب أن الإعلام ينشر الفساد في الأسرة، يعمل على “إشاعة الفحشاء والفساد والى محاولة جعلها أمراً طبيعياً ومشروعاً وتزيينها للناس كما في الشذوذ الجنسي”. ونقل الخطيب شائعة أن “هناك 9 نواب تقدّموا من المجلس النيابي من أجل تشريع الشذوذ الجنسي”، وكأنّه بذلك يتبنى مسألة العقاب والتجريم للمثليّة. بل ذهب أبعد إذ قارن مواجهة “المثليّة” بمواجهة العدو الإسرائيلي.  فيما لم يفوّت المفتي الجعفري الممتاز أحمد قبلان فرصته في خطبة الجمعة في 4 آب، وذهب أبعد من الخطيب إذ قال “لن نقبل بأية صيغة أو تشريع أو تحريض أو حملة إعلامية أو لعبة دولية للتعاطف مع الشذوذ الجنسي، حتى لو أدى ذلك إلى الحرب”.

وفي 8 آب، دعا مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان من دار الفتوى إلى “الاستمرار في مواجهة الأفكار الدسيسة و الخطيرة على مجتمعاتنا من شذوذ و أفكار مشبوهة” بحجة الديمقراطية وحقوق الإنسان.

من ناحية أخرى، لم يصدر موقف صريح من قبل البطريركيّة المارونية، ما يشير إلى التزام بتصريحات البابا الصريحة بشأن عدم تجريم المثليّة وتقبّل التعدديّة. أمّا في ما بدا التفافاً على الموقف الرسمي للبابوية، انعقد في الديمان لقاء وزاري تشاوري مع البطريرك بشارة الراعي في 8 آب، حضره رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، قيل أنه “ابن ساعته”. ومما ورد في البيان الصادر عن اللقاء، تشديده على “التشبث بالهوية الوطنية وآدابها العامة وأخلاقياتها المتوارَثة جيلاً بعد جيل، وقيمها الإيمانية لا سيما قيمة الأسرة وحمايتها”، ودعوته “إلى مواجهة الأفكار التي تخالف نظام الخالق والمبادئ التي يجمع عليها اللبنانيون”، والتنبيه من “مفردات خطابٍ مموَّه بدعاية الحداثة والحرية وحقوق الإنسان، يناقض القيم الدينية والأخلاقية”. وفي البيان إشارة واضحة إلى الجدل المُثار وسرديّة “تهديد القيم” والدعوة ل”المواجهة”. كما كان تصريح قبيل اللقاء للنائب جورج بوشكيان استخدم فيه تعبير “الشذوذ الجنسي”، وأنه أحد المواضيع التي ستناقش.

مساهمات القوى السياسية في الخطاب التحريضي

من أول النواب المتحدثين في هذا المجال، النائب محمد رعد الذي حذّر في 25 تموز من تسلل “وباء المثلية” إلى المجتمع اللبناني مكرراً بعض ما جاء في خطاب نصر الله. وقد برز في 29 تموز، حوار تغريدات بين النائبين مارك ضو وجميل السيّد، إذ اعتبر ضو أن قوس القزح ظاهرة طبيعة وتجريمها ليس طبيعيّاً”، فردّ السيد معتبراً أن قوس القزح لا يمكن مقارنته بالمثلية التي اعتبرها “حالة مخالفة للطبيعة البشرية والحيوانية المحددة حصراً بالذكر والأنثى”، وأردف أن كل ما هو خارجهما هو شاذ “يريدون اليوم فرْضه على المجتمعات كأمرٍ واقع”. 

وفيما بدا استجابةً ل”تكليف” نصر الله، ومستنداً إلى مضمون البيان الصادر عن لقاء الديمان، أصدر وزير الثقافة القاضي محمد مرتضى في 9 آب قرارا أعلن فيه مآخذه على فيلم “باربي” المزمع عرضه مطالباً بمنعه. والفيلم كان جرى منعه في دولة الكويت، ولم يجرِ منعه في دول أخرى مثل السعوديّة ومصر والإمارات كما تنبأ البعض. وكان الوزير اعتبر في تغريدة أن الفيلم يتعارضُ مع القيم الأخلاقية والإيمانية وأنّه “يروّج للشذوذ والتحوّل الجنسي ويُسوّق فكرةً بشعةً مؤدّاها رفض وصاية الأب وتوهين دور الأم وتسخيفه والتشكيك بضرورة الزواج وبناء الأسرة”. وأردف أنّه باشر بالإجراءات لمنع عرضه.

وما أن تراجعت حدّة التفاعلات بشأن حادثة الكحّالة في هذا الجدل، حتى انطلقت ردود الأفعال على وزير الثقافة والمبررات التي أدلى بها لمنع الفيلم، ومنها ما نشرته المفكرة القانونية لجهة خلو خطابه من أي سند قانوني لمنع الفيلم أو حتى لإثبات صلاحيته في التدخل في هذا الشأن. واللافت أن وزير الثقافة بدا وكأنه تبنى الدفاع عن المواقف الأكثر تشددا في هذا الشأن وصولا إلى إعطاء مواقفه أساسا دستوريا قوامه الانقضاض على حرية المعتقد، بعدما كان كتابه الأول خلا من أي معطى قانونيّ. لهذه الغاية، غرّد مرتضى معتبراً أنّ “المادتين 9 و10  من الدستور تفرضان على الدولة تأدية فروض الإجلال لله”. وقد سجلت المفكرة القانونية أنه أسقط من المادة المذكورة جملتها الأولى ومفادها أن “حرية الاعتقاد مطلقة”، ليؤكد على وجوب إخضاع القانون للمعتقدات المسيحية والإسلاميّة التي تدين وفق رأيه الشذوذ الجنسي. وقد أبرز مرتضى مفهوم “نظام الخالق” مصرحا أنه مفهوم طلب البطريرك الراعي استخدامه في إطار مكافحة الترويج للشذوذ الجنسي. وأعاد الحديث حول اقتراح القانون الذي يدعو إلى إلغاء تجريم  المثليّة، داعياً النوّاب الذين وقعوا عليه للتراجع عن توقيعهم. وقد تطوّر الأمر إلى اشتباك كلامي بين وزير الثقافة والنائب ضو، على خلفيّة الحديث عن منع الفيلم. إذ عبّر ضو عن سذاجة الحديث عن منع الفيلم قائلاً “عندما ينحط ذو صفة رسمية إلى هذا الحضيض، يصبح عندها مشاهدة باربي أفضل من ضياع الوقت عليه”. ما أثار الوزير المرتضى ليتحدّث عن “قانون انتخاب شاذ” أفرز نواب “شذوذ”، وأضاف “مثل جنابك” في إشارة إلى ضو. لا بل ذهب إلى حدّ التنمّر على ضو ومخاطبته بالمؤنّث.

ورغم هذه الحملات ومواقف رجال دين دروز، تمسّك النائب مارك ضو بموقفه مصرّحا في إحدى المقابلات على قناة “الجديد”: “نحن لم نشرّع أو نروِّج لأي شيء ضد الدين… بل اقتراح قانون يحترم حقوق الإنسان”. في الاتجاه نفسه ذهب نائبان آخران ممن وقعوا على اقتراح القانون بإلغاء المادة 534، وهما النائبين جورج عقيص وندى البستاني. واللافت أن كلاهما برّر موقفه بمواقف البابا بوجوب احترام المثليين وكراماتهم. وإذ نشرت البستاني في إحدى تغريداتها صورة البابا فرنسيس، أعلنتْ حرفيا: “نعم أنا ضدّ تجريم المثليين وضد معاملتن بطرق مخجلة خلال توقيفن، انسجامًا مع موقف البابا فرنسيس الشديد الوضوح بانتقادو القوانين يللي بتجرّم المثلية، فـالله يحب كل أولاده. اذا كان عندك شخص قريب مثلي، بتقبل يتعامل بهيدي الطريقة الوحشية؟”

بالمقابل، بدا أن تصاعد الحملة أثّر على النائب أديب عبد المسيح، فأصدر بياناً تراجع فيه عن توقيعه لاقتراح إلغاء قانون تجريم المثليّة. ورغم تأكيده على أحقيّة مضمون الاقتراح، إلّا أنه برر تراجعه ب” حالة الاستياء عند البعض، أو أقلّه حالة عدم الارتياح، التي سادتْ بعض الأوساط الإسلامية والمسيحية والتي أحرص دومًا على احترامها ومراعاة مقدّساتها”. ويلحظ أيضا أنه ذهب حدّ استخدام عبارة الشذوذ الجنسيّ.

ومن آخر المواقف السياسية إزاء المثلية الجنسية، موقف رئيس تكتل “لبنان القوي” جبران باسيل والذي ذهب في اتجاه تعزيز السرديّة التحريضيّة، من دون مراعاة موقف زميلته في الكتلة ندى البستاني، ومتجاهلا عددا من البيانات السابقة للتيار الوطني الحرّ كان أعلن فيها تأييده للحريات الفردية وتحديدا حقوق المثليين. وعليه تحدّث في 19 آب عن أطراف تعمل على تفكيك العائلة “بالترويج وحتى الفرض لأساليب التلاعب بالطبيعة البشرية وتغييرها”. وقال في مناسبة أخرى، أن مبادئ التيار الوطني الحر تقدّس حريّة الفرد وتدعو لعدم التعدّي عليها، لكن أردف أن “الحرية الفرديّة لا تسمح لصاحبها أن يعتبر نفسه أكثر أهميّةً من خالقه فيحاول تغيير الطبيعة البشرية التي خلقنا الله عليها”. مستعيداً بذلك سرديّة نظام الخالق و”مخالفة الطبيعة”. كما تحدّث عن حركات ممولة عالمياً “تهدف لتشجيع المجتمع الاستهلاكي وقتل المجتمع القيمي كمجتمعنا”.

بعد الخطابين الديني والسياسي، خطاب في القانون

تبعا لتنامي الخطاب الديني والسياسي، أخذت معاداة المثلية منحى تشريعيا.

أول المؤشرات على ذلك صدر عن مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير (المقرب من إيران وحزب الله) الذي حرّر ما أسماه مشروع قانون تحت عنوان “مناهضة الشذوذ الجنسي في لبنان”, وقد أوحى المركز أنّ المشروع لم يأت بطلب سياسي بل كرأي خاص للمركز. وقد دعا المركز إلى جعل جريمة “الشذوذ” حناية فضلا عن معاقبة الترويج ل “الشذوذ الجنسي”.  

وفي 16 آب، استكمل وزير الثقافة نشاطه التحريضي، فتحدّث في تغريدة عن تقديمه اقتراح قانون إلى مجلس الوزراء، ربط أسبابه الموجبة ب”الهجمة” المزعومة التي تشن من خلال المنظمات غير الحكومية. وقد دعا في اقتراحه إلى معاقبة الترويج للشذوذ الجنسي أو لإمكانية إجراء عملية تحوّل جنسيّ، علما أن الترويج المعاقب عليه ليس فقط الترويج الصريح إنما أيضا الترويج الضمني. وقد كتبت المفكرة القانونية مبينة أن اقتراح التجريم هذا إنما يستهدف الحركة الحقوقية وحرية النقاش العام، بحيث يعتبر أن أي مطلب بوجوب احترام كرامة المثليين أو حقوقهم أو أي مقاربة للمثلية على أنها أمر طبيعي إنما يشكل ترويجا ضمنيا لها.  

وأخيرا، أعلن النائب أشرف ريفي عن تقدمه باقتراح قانون سجله أمام مجلس النواب في تاريخ 17 آب 2023. والجديد في اقتراح ريفي أنه لا يكتفي بتجريم “كل علاقة أو فعل منافٍ للحشمة أو مجامعة على خلاف الطبيعة”، بل يضيف أنه يعاقب بالعقوبة نفسها (غرامة وسنة إلى 3 سنوات حبس) “كل من روّج أو سهّل أو خبّأ أو حرّض غيره على ارتكاب الفعل المذكور”. بمعتى أنه يدعو إلى الوشاية بكل من يقيم علاقات مثلية تحت طائلة التجريم، مع ما يستتبع ذلك من كوارث اجتماعية وعائلية وفردية.

خلاصة:

بالمحصّلة، بدت حملة 2023 أكثر تأثيراً من سابقتها عام 2022، بخاصة أنها لم تكتفِ بالحديث عن مخالفة الطبيعة، بل رتّبت مجموعة شائعات لتضعها في إطار “المشروع الأميركي” الذي يعمل على ضرب الأسرة اللبنانية وقيمها. في المقابل كانت حملة 2022 قد أنتجت ردود عكسيّة إيجابيّة، مفادها تقبّل أكثر لفكرة “التعددية”، ورفضاً واسعاً للعنف إزاء أفراد LGBT وتجريمهم على أساس هووّي. وفيما كان اقتراح إلغاء تجريم المثلية منذ بضعة أشهر، نتاج كسر “التابوهات” بعد حملة 2022، تأتي الاقتراحات الرجعيّة اليوم كرد فعل على الاقتراح، في مسعى منها لإعادة فرض تابوهات باتت شبه مستحيلة، ولكن أيضاً في سبيل التعميّة عن المواضيع التربويّة والحقوقية والمالية الكبرى. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، تشريعات وقوانين ، قرارات إدارية ، حرية التعبير ، حرية التجمّع والتنظيم ، فئات مهمشة ، لبنان



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية