حركة تشريعية “علوية” انطلاقًا من 22 مطلبًا: مكافحة مظلومية طائفة بالطائفية


2024-05-16    |   

حركة تشريعية “علوية” انطلاقًا من 22 مطلبًا: مكافحة مظلومية طائفة بالطائفية
جانب من بلدة ضهور الهوا التي خصها احد اقتراحات القوانين بتسميتها قرية تمهيدا لإنشاء بلدية فيها

لحظ “المرصد البرلماني” في المفكرة القانونية حركة تشريعية لافتة خلال الأسابيع الماضية. تمثلت هذه الحركة في تقديم ستة اقتراحات قوانين خاصة بالطائفة العلوية وإدارة شؤونها، بالإضافة إلى مشروع قانون قدم من الحكومة في هذا الشأن. بداية الغيث تمثلت في تقديم اقتراح قانون بتنظيم المحاكم الشرعية العلوية الجعفرية عبر تعديل القانون 450/95 (إنشاء المحاكم العلوية الجعفرية) من قبل النائب قاسم هاشم إثر زيارة وفد المجلس الإسلاميّ العلوي لرئيس المجلس نبيه بري، ومشروع قانون يرمي إلى تعديل القانون رقم 449/95 وتعديلاته (تنظيم شؤون الإفتاء الإسلامي العلوي وتحديد أملاكه). بعد تقديم هذين المقترحين، عاد النائب حيدر ناصر ليقدم خمسة اقتراحات بدا من خلال اثنين منها أنّه يستردّ المبادرة التشريعية في شأنيْ تنظيم المحاكم الشرعية العلوية الجعفرية وتنظيم شؤون الإفتاء الإسلامي على خلفية أن مبادرات متصلة بتنظيم مؤسسات طائفية كهذه يجب أن تصدر عن نواب هذه الطائفة وليس عن الحكومة أو نواب من طوائف أخرى. أما الاقتراحان الآخران فقد رميا إلى إنشاء حيّ جبل محسن في طرابلس، وبلدية جديدة وهي ضهور الهوا في الكورة (وسكّانهما من العلويين) بهدف تمكين الناخب العلوي من التفرد في اختيار مخاتيره وإدارة شؤونه المحلية. 

دفعنا هذا العدد من مقترحات القوانين المقدمة بشيء من التنافس من مراجع مختلفة وفي فترة زمنية قصيرة لإجراء هذا التحقيق. فهل نحن أمام حراك جديد لتعزيز مأسسة الطائفة العلوية وإبراز حقوقها ضمن لعبة الطوائف المعهودة؟ وهل لدى القيمين على الطائفة أو ممثليّها في المجلس النيابي إشارات عن لحظة سياسية ما مؤاتية لتحقيق مطالب طالما سعوا إليها، بما يستكمل  التغيّرات التي حملها اتفاق الطائف برعاية الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، عبر تخصيص هذه الطائفة بنائبين في كل من عكار وطرابلس وبحصة في وظائف القطاع العام بنسبة 2.5%؟ هذه التغيرات التي لم تكن كافية لمحو المرارة العالقة في نبرة شخصيات ومواطنين من الطائفة العلوية التقتهم المفكرة لدى تطرّقهم لحقوق العلويّين، في نظام دفعهم ويدفعهم إلى التقوقع حول الطائفة والتمسك بها كسبيل وحيد للنجاة. فما هي أبعاد مقترحات القوانين الخاصة بالطائفة العلوية المقدّمة إلى المجلس النيابي اليوم؟ وهل هم يسعُون إلى التكتّل ومأسسة شؤونهم لفرض الطائفة شريكا فاعلا بين طوائف لبنان لتحصيل الحقوق المضمونة في الدستور وبخاصة لجهة المساواة في تولّي الوظائف العامة من دون أن يكون لمواطن على آخر ميزة إلاّ من حيث الكفاءة والجدارة؟ وهل أن الطائفة العلوية، أو بعضها، يرغب، إضافة إلى السعي لمأسستِها، في تحقيق استقلاليتها الكاملة عن بقية الطوائف الإسلامية وخصوصا الطائفة الشيعية التي يخضع أبناؤها في أحوالهم الشخصية إلى قانون الأحوال الشخصية الخاص بها وإلى محاكمها الجعفرية من دون أن يتمثلوا فيها حتى بقاضٍ شرعي علوي واحد. 

وسياق الإقبال على التشريع لا يمكن فصله عن المخاض الحامي الذي واكب الانتخابات الأخيرة للمجلس الإسلامي العلوي رئيسا وهيئة عامة وأخرى شرعية، تزامنا مع وصول النائب حيدر ناصر كممثل لمقعد الطائفة عن طرابلس، والذي لم ينسق في اقتراحات القوانين التي قدمها إلى المجلس النيابي مع مجلس الطائفة، وهو ما لمسناه عند الشيخ قدور على شكل عتب دبلوماسي، وضعه في إطار “أننا كأبناء طائفة نحاول أن نعمل لمصلحة مأسستها، لكن ابن الطائفة الدكتور حيدر ناصر لم ينسّق معنا أو يطلعنا على الاقتراحات المقدمة”. كما أكد النائب عن المقعد العلوي في عكار أحمد رستم للمفكرة أنه لم يطّلع على هذه الاقتراحات أيضاً، ولم يتم التنسيق معه بشأنها، من دون التعليق على الموضوع. 

وتشي البلبلة التي تغلف الأجواء المحيطة بالسعي إلى تشريع قوانين خاصة بالطائفة بتسابق واضح، كل من موقعه، لتثبيت تحقيق إنجازات تحسب له في بناء مدماك مأسسة الطائفة وتحصيل حقوق أبنائها، من دون أن يلغي ذلك أنّ جميع المعنيين بهذه المأسسة يعتبرون أنّ سعيهم يقع في قلب مسؤولياتهم ومهامهم كممثلين للعلويين سواء في المجلس النيابي أو في المجلس الإسلامي العلويّ. وتؤكّد ازدواجيّة المطالب من قبل المجلس والنائب حيدر هذا المنحى، إذ نجد اقتراحين (اقتراح النائب هاشم واقتراح النائب ناصر) حول إنشاء المحاكم الشرعية العلوية الجعفرية، كما قوبل قبول المجلس بمشروع قانون مجلس الوزراء بتسمية المفتي العلوي في بيروت ب”متولي شؤون الطائفة”، باقتراح قانون مضاد للنائب ناصر أيضا، يقضي بتسميته “المفتي الأول في جبل لبنان”، على أن تشمل صلاحيته أبناء الطائفة في بيروت وجبل لبنان والإغتراب وكافة الأراضي اللبنانية باستثناء طرابلس وعكار اللتيْن تتمتّعان بمفتٍ. ويوحي الاقتراح، وفق شخصية علوية متابعة لما يحصل، وكأن ناصر يزايد على المجلس انطلاقا من أن تسمية “مُتولي” تضع مفتي العلويين في مرتبة أقلّ من مفتي الطوائف الإسلامية الأخرى. 

وتنسحب الازدواجية عينها، على اقتراح النائب ناصر بإنشاء حيّ جبل محسن، وفي خلفيته خلل التمثيل الاختياري للعلويين في طرابلس نتيجة انتخابات 2016، في مواجهة كتاب المجلس إلى وزير الداخلية الذي يقترح تعيين ثلاثة مخاتير، هم أول الخاسرين في الانتخابات، بانتظار الانتخابات البلدية والاختيارية المقبلة. 

ولكن يبقى أنه بمعزل عن هذه التنافسية أو عدم التنسيق، يجمع الأطراف على رضوخ الطائفة العلوية للمظلومية، وتاليا على ضرورة اتخاذ تشريعات وتدابير لرفعها. 

مظلومية الطائفة: تغيير المذهب أو الدين كسبيل إلى الحق بالوظيفة

“عن المظلومية حدثي ولا حرج” بهذه الكلمات افتتح رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الشيخ علي قدور حديثه معنا عند سؤاله عن أسباب الحركة التشريعيّة الأخيرة. هذه المظلومية دفعت وفق الشيخ قدور علويين إلى تغيير دينهم أو مذهبهم للحصول على وظيفة، مقدّرا إياهم بحوالي 20 ألف علوي وهو أمر لم يتغير  إلا بعد الاعتراف بحصة 2.5% من الوظائف للعلويين بعد اتفاق الطائف. وما أن ينهي الشيخ قول ذلك حتى يباشر المفاخرة بأنّ هناك على الأقل 300 علوي قدّموا أوراقهم منذ انتخابه في خريف 2023 ولغاية اليوم للعودة إلى كنف الطائفة العلوية. 

ومن جهة أخرى، يسرّ ضابط علوي متقاعد من المؤسسة العسكرية للمفكرة أن أعداد العسكريين في السلك العسكري بخاصّة كبيرة: “عم ياخدوا غالبية ل بيقدموا لأن هناك نقص في حصة المسيحيين من جهة، وبسبب ترك كثر للجيش بعد الأزمة الإقتصادية الحالية”. لكن هذا “الترحاب” بالعلويين لا ينسحب على ترقيتهم فعليا وليس إسمياً “لحد رتبة مؤهل أول ما بيتميز ضده، من بعدها منترقى بالرتبة بس مش بالمسؤوليات، يعني لا تعطى لنا المهام القيادية”. ويفسّر ما يعتبره استمرارا للسلطة السياسية بظلم العلويين بالقول: “بيوصل الواحد منا لرتبة عميد ركن ولكنه لا يمنح مهام ومسؤوليات، ليبقى لقب من دون فعل”. وإثباتا لكلامه يستشهد بما قرره أحد زملائه، وكان “ضابطا ناجحا نال تقدير قيادته أكثر من مرّة”، حيث تمنّع عن التقدم إلى دورة عميد ركن يأسا منه أن هذا المركز لن يعود عليه بالفائدة المرجوة “قَلّي ليش بدي أدرس سنة وأتعب وبعدين ما يطلع لي مركز قيادي متل غيري، خليني هيك ع القليلة بوفر ع حالي قهر”. ويعطي الضابط نفسه مثالا على المسؤوليات التي يشغلها ضباط علويون في قوى الأمن الداخلي اليوم، على سبيل المثال لا الحصر، “عنا عميد قائد سرية، وهيدي بيقدر يستلمها ملازم أول”. أما أعلى رتبة حصل عليها عسكري علوي، فتتمثل بتولي سيدة علوية عميد مسؤولية مديرية في وزارة الدفاع خاصة بالنوع الإجتماعي، وهو مركز إداري وتوعوي يُعنى بالجنديّات.

ولا يوازي حسرة الضابط المتقاعد سوى الظلم الذي يشعر به أحد خرّيجي كليّة الحقوق في الجامعة اللبنانية من العلويين والذي يعمل اليوم في مكتب أحد المحامين كمساعد: “طلعت من الأوائل بالجامعة وكان حلمي وحلم أهلي إني إعمل قاضي”. جاء قرار دارس الحقوق بعد تفاؤله وعائلته بما أقرته جمهورية الطائف من اعتراف بحقوق أبناء ملته “بعتذر عن هالمستوى بالحكي، يمكن يبيّن طائفي، بس هيدي الحقيقة”. لم يكن الرجل الخمسيني اليوم يدرك أن أحلامه تقف عند هويته الطائفية: “درست كتير وتحضّرت وقصدت المقابلة الشفهية في معهد الدروس القضائية، ولدى عودتي، قلت لأمي التي كانت تنتظرني على أحرّ من الجمر، عن إيماني بنجاحي لأفاجأ باستبعادي قبل أن أخضع حتى للامتحان الخطي”. ومع ذلك، أقنعته والدته بتكرار المحاولة: “يمكن يا أمي يحالفك الحظ: كرمالي جرّب بعد مرة، بس مرّة”، وهكذا فعل، لكنه لم يحصد سوى الخيبة نفسها ومن المقابلة الشفهية عينها. “وفي متلي كتار” يؤكد. يقول للمفكرة أنه فكّر بالهجرة “بس أنا بحبّ هالبلد وما بدّي إتركه، رغم أني شعرت بيأس كبير وبانسداد الأفق أمامي”. حتى أنه لم يحاول الانتساب إلى نقابة المحامين “لأن بآخر دورات لم يحالف الحظ أقراني من العلويين بذلك “معقول كلهم مش كفوئين لا عالقضاء ولا ع المحاماة؟ الأعداد القليلة للمنتسبين للنقابة من بيننا تفضح ما يحصل”، يقول وهو يعترف أنه لم يتقدم للنقابة خوفا من أن يتسبب فشله بذلك بدفعه إلى الهجرة: “ما كنت رح إقدر إحمل خيبة إضافية، يعني بدهم غيّر مذهبي لأقدر آخذ حقّي بالمعاملة متلي متل غيري؟ بالمساواة التي ينص عليها دستور وطني؟”.   

المجلس العلوي قدم 22 مطلبا إلى برّي وميقاتي

وتأكيدا على شهادتيْ الضابط المتقاعد ودارس الحقوق، شكلت حقوق أبناء الطائفة العلوية في الدخول إلى ملاك وزارة العدل وتحديدا إلى القضاء وكتّاب العدل حيث لا يوجد قاضٍ أو كاتب عدل علويّ واحد، وفي التمتع بالمساواة الكاملة مع أقرانهم في الأسلاك العسكرية والأمنية، بنديْن أساسييْن من بين 22 بندا مطلبيّا حملها الشيخ علي قدور ووفد المجلس الإسلامي العلوي إلى رئيس المجلس النيابي نبيه بري ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. الأمر نفسه بما يتّصل بالمحامين، حيث أعلمنا الشيخ قدور أنّه فاتح نقيب المحامين في طرابلس سامي الحسن بالعدد القليل من محامي الطائفة الذين يتاح لهم دخول النقابة “ووعدنا أن كل من ينجح بالامتحانات في الدورات المقبلة سوف ينتسب للنقابة من دون أيّ تمييز”.

وقد قُسّمت لائحة المطالب الـ 22، وفق النسخة التي قدّمت إلى رئيس المجلس النيابي نبيه بري، وإلى رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، وحصلت المفكرة على نسخة منها، إلى محاور بعضها “خاص بالمجلس الإسلامي العلوي وعلى رأسها إقرار اقتراحات القوانين 449/95 الخاص بتنظيم شؤون الطائفة الإسلامية العلوية، والقانون الرقم 450/95 الخاص بإنشاء وتنظيم المحاكم الشرعية العلوية الجعفرية، واقتراح قانون إضافة وظيفة أمين السر الخاص برئاسة المجلس إلى ملاك المجلس. ويركز المحور الخاص بالطائفة العلوية على المطالبة بتمثيل العلويين بوزير في الحكومة، وبوظائف الفئة الأولى حيث كان للطائفة مركزا مدير عام (شؤون اللاجئين ومجلس المشاريع الإنشائية الكبرى لمدينة بيروت) وفي الفئة الثانية حيث لا يوجد ممثل للطائفة في 8 مراكز خاصة فيها، وفي وزارة العدل لأن الطائفة تفتقر إلى وجود قاض واحد أو كاتب عدل وكذلك قائمقام من أصل 23 في كل لبنان. وطالب المجلس أيضا باستعادة مركز مدير كلية من 8 كليات في الشمال، وبلحظ حصة الطائفة في ملف تفرغ أساتذة الجامعة اللبنانية، وفي المراكز القيادية في المؤسسات العسكرية والأمنية حيث لا مراكز مرموقة مع مهام مسؤولية لأبناء الطائفة، وبممثل عن الطائفة في الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، وكذلك تعيين عضو يمثل العلويين في مجالس إدارة كل من المؤسسات العامة: معرض رشيد كرامي، مرفأ طرابلس وغرفة الصناعة والتجارة في طرابلس، فضلا عن تثبيت موظفي المجلس الذين لم يثبّتوا منذ تأسيس المجلس في 2003، بينما تمّ تثبيت موظفي مجالس الطوائف الإسلامية الأخرى كافة وهم يتمتعون بكامل حقوقهم بما فيها الرواتب التقاعدية. كما لحظتْ المطالب أيضاً تنفيذ قرار استحداث قلم نفوس في بلدة الحيصة في عكار، وهي عاصمة العلويّين الدّيموغرافية في السهل،  والذي أُقرّ منذ 4 سنوات مع قلمي نفوس آخريّن في منطقة قريبة من حلبا وفي بلدة بيت ملات. وفيما نُفذ قرار قلميْ بيت ملات والبلدة الأخرى، وحده قلم الحيصة لم يُنفّذ، برغم من تمركز 38% من العلويين في لبنان في سهل عكار، إضافة إلى بلدة عين الزيت الواقعة في الدريب بين حلبا والقبيات.   

وسلم المجلس كتابا آخر لقائد الجيش جوزف عون يطالب فيه بإنصاف الطائفة العلوية عبر تعيين، على سبيل “التعداد وليس الحصر” كما ورد في الكتاب، ضباط من الطائفة في مراكز “رئيس قسم رعاية شؤون العسكريين في منطقة الشمال، ورئيس مكتب أمن في مخابرات الشمال، ضابط في مكتب أمن طرابلس، ومساعد قائد فوج، ومساعد قائد مقرّ وقائد موقع”.   

وينفي رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الشيخ علي قدور في حديثه للمفكرة استشعار الطائفة العلوية أو تبلغها  بأيّ إشارات تفيد أن هناك لحظة سياسية معينة قد تساعد في تحقيق مطالبها التشريعية ومعها حقوق أبنائها التي طال زمن السعي وراءها لسنوات طويلة: “لم نأخذ مطالبنا بعد، ما زلنا بانتظار تنفيذ وعد الرئيس بري بخصوص قانون المحاكم، والرئيس ميقاتي بالنسبة لمرسوم الإفتاء. ويضع سعي الطائفة التشريعي والمطلبي اليوم في سياق انتخاب مجلس إسلامي علوي جديد “وعلينا أن نتحرك”، ليؤكد أنه بعد الاعتراف بحقوق الطائفة، وهي معترف بها منذ 1936 ضمن الطوائف الأساسية الإسلامية في لبنان، هناك ظروف سياسية وأمنية أخّرت تحقيق هذه الأهداف وعلى رأسها أحداث جبل محسن-التبانة التي استعرّت في 2009 لغاية 2014، ثم أرختْ ذيول تفجير مسجديْ التقوى والسلام في 2013 بظلالها على وضع أبناء الطائفة الذين استهدفوا هم أيضاُ بتفجيرات وسقط لهم 63 ضحية بعض من بقي منهم على قيد الحياة يحملون إعاقات لغاية اليوم. ويلفت الشيخ قدّور إلى تقديم المجلس السّابق لاقتراح قانون إنشاء المحاكم الشرعية العلوية الجعفرية وإلى المطالبة بالمرسوم المتعلق بانتخاب 3 مفتين ولكن ذلك لم يتحقق، وكأن بعض الجهات في لبنان لا تريد أن يكون للطائفة العلوية وجودها وأن تكون قوية”.

وإذ يحرص الشيخ قدور على التمسّك بتحصيل حقوق أبناء الطائفة ومأسسة مؤسساتها كهدف للمجلس من دون الحديث في تفاصيل أكثر تبرهن مظلوميّتها، يؤكد مصدر متابع لما يحصل للمفكرة أنّ الحديث في هذا الموضوع لا يجلب سوى الوجع والقهر والشعور بالتمييز. ويعطي مثلاً، “على سبيل البيان وليس الحصر” كما يقول، عن عدم قدرة رجل الدين العلوي على ارتداء الكسوة الدينية والعمامة بسهولة قبل تشكيل المجلس الإسلامي العلوي “وإلا كان يتهم بانتحال صفة، بعضهم كان يأخذ بطاقة من الرابطة الخيرية الإجتماعية العلوية، تنجّيه من الملاحقة، وإنما لم يكن هناك الآلية التي تحددها المادة 32 الخاصة بالكسوة الدينية في القانون 449/95”. ما زال العلويون لغاية اليوم لا يمتلكون ترخيصا بإنشاء مدارس أو جامعات للعلوم الدينية، “ولا يوجد لديهم قاضٍ عدلي علوي للاضطلاع بوظيفة قاضي التفتيش الذي تنتدبه وزارة العدل في المحاكم الشرعية الإسلامية العلوية في حال إقرار قانون إنشائها، ونقترح تاليا أن يتمّ الاستعانة بمحامين ضمن شروط استثنائية إلى أن ننجح بتحصيل حقنا بدخول القضاء”، يؤكد. ويضيف “حتى أن اعتراض الطائفة السنية التي نجلّ ونحترم على تسميّة مفتي العلويين في بيروت هو الذي عرقل إصدار مرسوم الإفتاء بعدما وقعه رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية العماد ميشال عون قبل انتهاء ولايته الرئاسية”. وبعدما يشدد على تفهم اعتراض السنة على تسمية مفتٍ “كونه هناك مفتي واحد للجمهورية في بيروت، ونحن نحترمه ونجلّه”، قَبِل وفد المجلس وعلى رأسه الشيخ قدور وبعد موافقة الهيئة الشرعية في المجلس بتعديل اقترحه الرئيس ميقاتي بإطلاق تسمية “مُتولي شؤون الطائفة العلوية في بيروت” درءا للحساسيّة المرتبطة بتسمية المفتي.

طائفة قوية، حقوق مصانة

برغم الدبلوماسية الناعمة التي يمرّر بين سطورها الشيخ قدور المطالبة بالحقوق “المنقوصة للطائفة العلوية وأبنائها”، إلا إنه يتحدث بوضوح لا لبس فيه عن سؤاله عن الحاجة إلى إنشاء محاكم شرعية علوية بينما يتبع أبناء الطائفة المذهب الجعفري ويلجأون اليوم إلى المحاكم الجعفرية. يرد الشيخ علي القدور على السؤال بأسئلة: “لماذا لا يوجد علوي واحد في المجلس الإسلامي الشيعي؟. لماذا لا يوجد قاضي شرع علوي واحد ولا حتى موظف واحد في المحاكم الجعفرية؟”، ليجيب: “حتى أحد المشايخ الذي وظّفه الإمام موسى الصدر في 1969 كاتبا كان قد غيّر مذهبه العلوي إلى شيعي وبالتالي توظف كشيعي جعفري، وهي التسمية التي تعطى للعلوين الذين يغيرون مذهبهم إلى الطائفة الشيعية”. ويختم بالقول إن المجلس الإسلامي العلوي “هو الذي سيحافظ على حقوق العلويين وعلى هويتهم،  ولا سبيل لطائفتنا إلاّ أن تكون مستقلة كسائر الطوائف من حيث مجلسها وشيوخها ومن حيث عاداتها وتقاليدها. ونحن والشيعة دين واحد ومذهب واحد ولكننا لسنا متشابهين”. ويؤكد الشيخ القدور أن المجلس مجتمعا وافق على تسمية “مُتولي” شؤون الطائفة العلوية في بيروت بدل مفتٍ، “لأننا نتفهم وجود مفتٍ واحد للجمهورية الإسلامية في بيروت، ولذلك هناك المفتي الجعفري الممتاز للطائفة الشيعية، وعلينا أن ننظم وننتخب المفتين الثلاثة، (حتى لو تمت تسمية مفتي بيروت ب”مـُتولي شؤون الطائفة” في بيروت) الذين سيتولون أيضا تنظيم موضوع الأوقاف العلوية، وهي كثيرة وقيّمة وذي أهمية دينية بالنسبة لنا، ولكن معظمها الساحق مسجّل باسم الطائفتين السنية والشيعية وكذلك المسيحية وإن بنسبة أقل، لأنه لم يكن لدينا مجلس إسلامي علوي ولا مفتين”.

لكن قبول المجلس الإسلامي بتسمية “مُتولي” بدل مفتٍ، لا يلقى قبولا لدى النائب حيدر ناصر الذي سارع إلى تقديم اقتراح قانون مضاد، من ضمن اقتراحاته، أشار فيه إلى أنّ مشروع القانون المُحال من الحكومة والذي يهدف إلى استبدال مركز المفتي في بيروت بمركز متولّي أوقاف شؤون الطائفة، هو “إجحاف بحقّ الطائفة الإسلامية العلوية وأبنائها في باقي المحافظات اللبنانية وفي الاغتراب ولا يلبّي حاجتها في المجتمع اللبناني”. وبناء عليه، يصرّ النائب حيدر في اقتراحه على ضرورة أن يكون للطائفة العلوية ثلاثة مفتين موزعين على: المفتي الأول: يرأس الهيئة الشرعية ويكون مقره في محافظة جبل لبنان وينوب عن رئيس المجلس الإسلامي العلوي في حال غيابه في الشؤون الدينية، ويشمل اختصاصه المواطنين اللبنانيين من أبناء الطائفة حيثما وجدوا خارج محافظتي لبنان الشمالي وعكار. ويُنتخب من مجموع علماء الدين العلويين المسجلين في المجلس الإسلامي العلوي وتكون ولايته لأربع سنوات، ويكون له نفس الامتيازات والحقوق التي يتمتع بها المفتي الجعفري الممتاز بلا تخصيص ولا استثناء بما فيها التعويضات. 

وفيما يفضل النائب الدكتور حيدر ناصر عدم التعليق على اقتراحات القوانين التي قدمها إلى المجلس النيابي، فإنّ مصدرا متابعا لعمل النائب ناصر صرح لنا “أن النائب ناصر هو الأوّلى بتقديم اقتراحات القوانين المتعلقة بالطائفة العلوية، كونه نائبا عن المقعد العلوي في طرابلس، وأنه ترشح لكي يوصل الصوت ويصحّح التمثيل في المجلس النيابي”. وأكد المصدر نفسه أن النائب ناصر “يدرك بالتجربة ماذا يعني أن يكون المواطن في لبنان من الطائفة العلوية في بلد النظام السياسي الطائفي”، رافضا القول أنّ هناك صبغة طائفية تطبع هذه القوانين، بدليل أنه تقدّم خلال الجلسة النيابية الخاصة بالانتخابات البلدية باقتراح زيادة مخاتير كلّ الأحياء في طرابلس وليس جبل محسن وحده، وأنّ اقتراحه بتسميّة ضهور الهوا في الكورة قرية (سكانها علويين) يعود إلى حاجة أهلها للخدمات البلدية ومن حقها وفق القانون أن تتمتع ببلدية كونها مهملة. ويختم المصدر بالتأكيد على أن “النائب ناصر من عائلة وطنية ساهمتْ من موقعها بنهضة الطائفة العلوية، وهو يطمح مثلها إلى تحقيق دولة المواطنة والمساواة والعدالة”. ويضيف “الموضوع بالنسبة له (للنائب ناصر) موضوع كينونة، حقوق الطائفة العلوية يجب أن لا تكون مرتبطة بأيّ طائفة أخرى، لأنها تتمتع بإرث عريق، وعلى أبنائها أن يشعروا بهذه الكينونة وهذا الإرث”. وفي “ظل مجتمع طائفي ونظام سياسي طائفي، المواطنة هي هاجسه (هاجس ناصر).

النائب ناصر نفسه، سارع وبعد سلسلة الاقتراحات الخاصة بالطائفة العلوية التي قدمها إلى المجلس النيابي، إلى تقديم اقتراح إعادة خدمة العلم كسبيل، كما يبرر في الأسباب الموجبة، لمواجهة ما فرضته صعوبة الانتقال وغياب النقل المشترك من “غربة وعدم التلاقي بين مكونات المجتمع مما أثّر على اللحمة الوطنية”. كما تزخر الأسباب الموجبة عينها بتعابير الوحدة الوطنية والانتماء إلى الوطن ومفهوم الهوية الوطنية… اقتراح يأتي كمحاولة للخروج من الدائرة التي تحيط بالإقتراحات الخاصة بالطائفة نحو المروحة الوطنية الأوسع في وقت يترك فيه عناصر الأسلاك الأمنية والعسكرية وظائفهم بسبب فقدان مستحقاتهم قيمتها ومعها حقهم بالعيش الكريم، ومن لم يترك فهو يعمل في أي عمل، مهما كان ومنها حراس أمن في شركات خاصة أو حتى نواطير أبنية أو في قطع الأشجار، لتأمين مدخول داعم يؤمن قوته وقوت أسرته. 

دفع تاريخي للّتكتل الطائفي

تقول إحدى الروايات أن الشاب علي عيد، وبعد أن حاول عبثا تولّي وظيفة في إحدى مؤسسات الدولة اللبنانية، قصد في الستينات العميد ريمون إدّه، وكان الزعيم المسيحي البارز في حينه، ليطالب بإثارة إنصاف الطائفة العلوية وحقوقها. في تلك المرحلة، كان العديد من أبناء الطائفة العلوية في لبنان يضطرّون إلى تغيير مذهبهم أو ديانتهم للحصول حتى على وظيفة متواضعة في القطاع العام. يومها، قال له العميد إدّه، ما معناه “هذا هو لبنان. يمكنك، ببساطة، مغادرته. ولكن على من يبقى أن يدخل في لعبة الطوائف، وبالتالي عليك أن تؤسس لحراك تجمع به شمل أبناء طائفتك لتصبح قادراً على الضغط وتحصيل الحقوق”.

في المقابل، يضع الأستاذ الجامعي والمحامي محمد ناصر في ورقة بحثية له نُشرت في 2008 على موقع المكتبة الإسلامية العلوية تحت عنوان “العلويون في لبنان: محنة المواطن في جمهورية الطوائف”، تأسيس هذه الجمعيات في إطار ما يسميه “اليقظة بين الشباب (العلوي) لترتيب البيت الداخلي للطائفة”، في رد فعل على اللحظة السياسية التي أعقبتْ إقرار قانون 1960 الانتخابي حيث رفع عدد النواب في لبنان إلى 99 نائبا. يومها، اقترح رئيس الجمهورية فؤاد شهاب أن يكون المقعد التاسع والتسعين من نصيب الطائفة العلوية التي لم تكن، عكس بقية الطوائف في لبنان، تتمثل بأي مقعد نيابي، برغم ورورد اسمها في الجدول الملحق بالقانون 60 ل.ر الصادر في 1936 بين الطوائف الـ17 المعترف بها في لبنان. ولكن رياح الحقل الشهابي لم تتطابق مع حسابات بيدر السياسة اللبنانية، ولم يخصص أي مقعد للطائفة العلوية. فتداعى الشباب العلوي إلى تأسيس حركات مختلفة منها حركة الشبيبة العلوية، واتحاد الشباب العلوي، فضلا عن نادي الفتوة وحركة النهضة العلوية، وهي جمعيات عاكستها رياح حرب 1975 وأسقطتْها، فيما نجا مشروع عيد المتمثل بـ “حركة الشباب العلوي” ومعها الحزب العربي الديمقراطي. وقبل هذه الجمعيات لم يتأطر علويو لبنان، وفق ناصر نفسه، في كيانات سوى في الرابطة الخيرية الإسلامية ومسجد الإمام علي بن أبي طالب في طرابلس. ويومها كان العلويين في عكار قابعين تحت نير سلطة الباكوات. 

هذه الضرورة الحتمية لفرض هيبة الطائفة العلوية لتحصيل حقوق أبنائها أسوة بباقي الطوائف الشريكة في النظام السياسي الطائفي للبلاد، وضعت العلويين، كما تؤكد مرجعياتهم وممثلوهم اليوم أمام “حتمية” ما يمكن تفسيره ب”التطيّف الإلزامي” كسبيل وحيد للإفادة من مكتسبات هذه الشراكة وتحديدا حقوقهم البديهية والمكتسبة بحكم مواطنيتهم، وإن كانوا يعلنون أنهم لا يريدون سوى دولة المساواة والمواطنة والعدالة لجميع اللبنانيين. 

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد البرلماني ، البرلمان ، إقتراح قانون ، فئات مهمشة ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني