حركات مقاطعة “داعمي إسرائيل” لبنانيًا


2023-12-29    |   

حركات مقاطعة “داعمي إسرائيل” لبنانيًا
بعض من المنتجات المطلوب مقاطعتها لدعمها الكيان الإسرائيلي

“جنّيت بس جابتلي بنتي لائحة الشركات الداعمة لإسرائيل، خوتت! طلعوا ع شوي عايشين معنا بالبيت بلا ما نحس”، باستنكار عارم توجز ضحى جعفر، ابنة مدينة صور الجنوبية، الحالة التي انتابتها يوم قرّرت وعائلتها مقاطعة المنتجات الداعمة للكيان الصهيوني الغاصب.

وتعود ضحى لكتاب “انهيار اسرائيل من الداخل” للدكتور عبد الوهاب المسيري، وتشارك المفكرة: “استوقفتني جملة عن تصور إسرائيل لمستقبل المنطقة، وكيف تبنّوا التوسّع الاقتصادي عوض التوسّع الجغرافي.. ” وبأسفٍ تنقل ضحى للمفكّرة حرفية النصّ: “المركز هو إسرائيل وهي التي تمسك بكل الخيوط، أما بقية المنطقة فهي مساحات وأسواق. وإسقاط عُقد التاريخ هنا يعني إسقاط الهوية التاريخية والثقافية بحيث يحوّل العرب إلى كائنات اقتصادية”. وتستنكر جعفر :”عملّي هيدا الكتاب إحباط، وفهمت ليش هني صاروا هلقد قوايا ونحن آخر من يعلم، ما اشتغلنا حتى ع اكتفاء ذاتي، منستورد كل شي ومنغذيهم بشكل يومي” وتضيف جعفر بحزم:”قدام الإجرام اللي عم يصير.. أضعف الإيمان إني قاطع”. 

وهكذا، في خضم الإبادة الجماعية الإسرائيلية غير المسبوقة في غزة وفلسطين، وعلى وقع صرخات الأطفال وأنين غزة المنكوبة ورائحة الموت والدمار، انفجر السَخط العالمي مندداً بالوحشية، داعياً لمقاطعة الكيان الاسرائيلي وداعميه، وفرض العقوبات ووقف الاستثمارات وقطع العلاقات التجارية والاقتصادية وحتى الأكاديمية والثقافية على اختلاف أنواعها.

منذ 7 أكتوبر 2023، شهد العالم فورة غضب غير مسبوقة، في دعوى لأوسع مقاطعة، كسرت حدود الدول العربية لتصل إلى أصقاع العالم أجمع، موحدة أطفاله وشيبه وشبابه. كما مسلسل الإجرام، كُتب للمقاطعة فصلٌ جديد، فاختلفت المشهدية إن لجهة تصعيد المقاطعة، وتوسّع رقعة حملاتها المحلية والعالمية، وإن لجهة أدواتها و”لوائح العار” التي لاحقت أشهر الشركات والماركات العالمية، مؤثرة بشكل لا يقبل الشك على أسواقها وخدماتها.

وها هذه الحركة بعد سنوات من الضغط، تؤتي ثمارها، إذ غصّت وسائل التواصل الإجتماعي بالصور والفيديوهات، التي توثّق على سبيل المثال لا الحصر، صالات فروع عديدة لسلسلة مطاعم ماكدونالدز وقهوة ستاربكس مهجورة إلا من موظفيها.. ستاربكس التي أعلنت عن تكبّدها خسارة حوالي 11 مليار دولار، إذ سجّل سهمها تراجعا بلغ 8.96% في غضون 19 يوماً، وفق تقرير لمجلة «نيوزويك» الأميركية. وذلك بسبب موجة غضب استهدفتها نظرا لمقاضاة الشركة، الحركة النقابية لموظفيها جراء تضامنها مع فلسطين. وبالمقابل، سُرّبت معطيات عن تراجع مبيعات ماكدونالدز في مصر بنسبة 70% على الأقل، كما نقل أحد موردي ستاربكس وماكدونالد في مصر، لـ رويترز،  أن طلب عملائه قد تباطأ بنحو 50%. 

كما أعلنت حملة مقاطعة اسرائيل بي دي أس BDS، عبر موقعها الرسمي عما أنجزته وحملات المقاطعة، بالضغط المستمرّ على شركة بوما الرياضية، التي عزمت عدم تجديد عقدها مع اتحاد كرة القدم الإسرائيلي…

كما رحّبت حملة المقاطعة بقرار رئيس وزراء ماليزيا أنور إبراهيم فرض الحظر على السفن المملوكة للعدو الإسرائيلي، ومنعت شركة الشحن الإسرائيلية “زيم” من الرسو في موانئها. وبدورها منصّة “ أنغامي” تتعاون مع حملة مقاطعة داعمي إسرائيل في لبنان، في حجب المحتوى الإسرائيلي وأكّدت دعمها لقضية فلسطين.

“هل قتلت اليوم فلسطينيًا؟”، كاد يكون الشعار الأشد وطأة على قلوب سامعيه وضميرهم، لتوعية ملايين المستهلكين على خطورة إسهامهم في دعم إسرائيل، ولو بصورة غير مباشرة، عن طريق شراء خدمات ومنتجات الشركات الإسرائيلية أو المتورّطة بدعم الكيان والتعاون معه وتمويل رصاصات القتل وقذائف العدوان وصواريخه.

وأمام موجة المقاطعة و زخمها، تباينت المواقف بين من يعارضها ويستهجن مدى تأثيرها وفعاليتها بوجه الوحشية، وبين من يتمسّك بها وسيلة للمقاومة المدنية باعتبارها “السلاح الوحيد المرخّص، في كل آن ومكان”، وبين من كسر صمته خوفاً من أن يغدو شريكا في الحرب، دون سابق دراية أو تصميم:”لنقاتل؟ ما رح نروح نقاتل.. أقلّه ما نلطخ أيدينا بدم الأبرياء”.

بعد جرائم إسرائيل منذ 7 تشرين الأول 2023 لغاية الساعة، استفاق الرأي العام المتفاعل مع دعوات المقاطعة، على رحلة البحث عن البدائل، ومعها أثيرت مجموعة من التساؤلات حول حملات المقاطعة اللبنانية المحلية والعالمية، أهداف ومعايير وأدوات كل منها، ومدى التضامن والتنسيق فيما بينها.

استنكر البعض تعدد لوائح المقاطعة الصادرة من هنا وهناك، والمتباينة أحيانا، وتناقل البعض الآخر برامج وتطبيقات مساعدة في تبيان سجل الماركات العالمية المطلوب مقاطعتها والمعايير التي تحكمها تاريخيا بالتورّط مع الكيان وجرائم إبادته، نذكر أبرزها على سبيل المثال تطبيق “قضيتي” .

وطرحت النقاشات العامة نجاحات المقاطعة التي نشهدها ومدى جدية ردعها للعدو. كما أثير التساؤل حول أثرها على الاقتصاد اللبناني ومدى فعاليتها كسلاح لاعنفي، في تغيير مجريات الحرب وضرب اقتصاد الكيان الإسرائيلي.

المقاطعة: “أقوى من أعتى أسلحة الدمار”

ليست المرّة الأولى التي يشهد فيها العالم حملات مقاطعة بوجه اسرائيل، ولكن ما يميزها عن سابقاتها وفق الكاتب والباحث في التنمية، أسامة دياب، هو مدى عالميتها، إذ عبرت الحدود من جنوب أفريقية إلى أوروبا وأميركا اللاتينية، وحتى في الولايات المتحدة نفسها..

ونظراً لشمولية المقاطعة، يرى دياب في مظاهرها “عصيانا مدنيا، أقله في البلاد العربية، ضد كل منتجات العولمة وثقافتها ونوستالجيا لحقبة ما قبل العولمة.. المجبولة بفخر العودة للسلع الوطنية. الأمر الذي يقابله غربيا موجة تضامن مع فلسطين، في صفوف z generation، وهي المعروفة بالأجيال الأصغر التي تسجّل تحولا واضحا، خاصة في الموقف الأميركي والأوروبي، لنصرة فلسطين، مقارنة بالأجيال السابقة.

وإزاء التقاطع الملحوظ في ما بين القضية، والوعي الاستهلاكي المعاصر الساعي للاستهلاك المستدام والبيئي والرافض لتطور العولمة الصارخ.. يوصّف دياب المشهدية للمفكّرة:” وكأننا أمام حالة سخط عامة وثورة عالمية بوجه الطريقة التي يدار بها العالم اقتصادياً وسياسياً..”

وأمام هذا الواقع، يؤكد مازن أبو حمدان للمفكرة القانونية، وهو الخبير التقني في مجال بناء السلام وثقافة اللاعنف، على أهميّة وجدية التمسّك بالمقاطعة كسلاح لاعنفي، معتبراً أن الانتصار سيكون “حليف من يملك عناصر القوة لا الأسلحة”.

ويثني أبو حمدان على نجاحات المقاطعة، فيعود بالذاكرة إلى ما سجّله التاريخ، من مقاطعة التجار الصينيين للبضائع الأميركية، وحملة مارثن لوثر كينغ ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، مروراً بمقاطعة المناضل سيزار شافيز لأجل حقوق العمال والمزارعين، ومؤخرا حملات المقاطعة تحت شعار الألماس الدموي، والتي نجحت بتحريك الضمير الإنساني ووقف الاقتتال على الالماس…

ومقابل وحشية العدوان الإسرائيلي اليوم، يستشهد أبو حمدان بقول غاندي الشهير:”اللاعنف هو أعظم قوة في يد البشرية، وهي أقوى من أعتى أسلحة الدمار الذي اخترعها العقل البشري.”

ويستذكر أبو حمدان خلاصة ما كتبه الراحل د. وليد صليبي، مؤسس جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان، في مؤلفه “نعم للمقاومة، لا للعنف”، حول أثر انتفاضة الحجارة أواخر الثمانينات، وكيف حصد مشهد الأطفال وهم يواجهون الدبابات الإسرائيلية بالحجارة، تضامنا عالمياً وضغوطات سياسية كبيرة على اسرائيل، حتى في قلب الكيان حيث تضامن أكثر من 100 ألف شخص من اليهود مع القضية الفلسطينية وتظاهروا تحت شعار “فليسقط المحتل”، وكيف انخفضت نسبة التطوع بالجيش الإسرائيلي 40%.

أين لبنان من حملات المقاطعة العالمية؟

قد يفوت البعض التمييز بين حملة المقاطعة الرسمية الوحيدة في هذه البلاد والمعروفة بـ”حملة مقاطعة داعمي إسرائيل في لبنان“، وبين “حركة مقاطعة إسرائيل وسحبِ الاستثمارات منها وفرضِ العقوبات عليها، المعروفة بحملة بي. دي. أس العالمية، BDS.

في هذا السياق، أوضحت رجاء جعفر، عضو حملة مقاطعة داعمي “إسرائيل” للمفكّرة، أن الحملة ولدت عقب مجازر جنين، عام 2002، لتشكّل أول مقاطعة شعبية عربية منظمة، تعتمد دليلاً واضح الأسس ويوثّق المعلومات الكفيلة بفضحِ تواطؤ الشركات الداعمة للكيان الغاصب.

وتتوقف جعفر عند اسم الحملة، تحديدا “مقاطعة داعمي اسرائيل” لتقول أن اختيار الاسم انطلق من التسليم بأن لبنان المعادي للكيان بمنأى عن شركاته، ولكن تبيّن فيما بعد أن بعض الشركات الإسرائيلية تدخل بطرق ملتوية إلى الأسواق اللبنانية.

أما هدف الحملة، وفق جعفر، فيتمثل بإسهام الجمهور اللبناني والعربي من دعم فلسطين بشكل فاعل، وعزل الكيان وتقليص حجم دعمه الماديّ والمعنويّ، فإن مقاطعة شركات معينة يثبت دعمها لإسرائيل، تهدف للضغط عليها لوقف تواطئها مع نظام الإبادة الغاشم.. “فالكيان لا يعيش فقط بالسلاح، ولا بالدعم الماديّ المباشر من دول العالم، بل يعيش بفضل الاستثمارات والتجارة العالميّة والدعاية وكلِّ ما من شأنه أن يجعله بلدًا حضاريا مقصودا للهجرة والاستثمار، و”قبلةً” للفنّ والثقافة، وأخيرا تهدف الحملة لدعم الإنتاج المحلّيّ والمنتجات العالميّة والعربيّة غير الداعمة للكيان”.

في حين أن حركة المقاطعة العالمية “بي. دي. أس BDS “، هي “حركة فلسطينية المنشأ عالمية الامتداد”، أبصرت النور عام 2005 إثر نداءات منظمات المجتمع الأهلي الفلسطيني، وتهدف، وفق موقعها الرسمي، “لمقاومة الاحتلال والاستعمار-الاستيطاني والأبارتهايد الإسرائيلي، من أجل تحقيق الحرية والعدالة والمساواة في فلسطين وصولاً إلى حق تقرير المصير لكل الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات”.
وباتت حركة (BDS)، والتي تضمّ عربا وأجانب ويهودا ضد الحركة الصهيونية، من أبرز الحملات فعالية والأكثر تنظيماً حول العالم، ما جعلها تنجح وحملات المقاطعة في عزل الكيان الاسرائيلي عالميا ثقافيا وفنياً وأكاديميا، وأمام الضربات الممنهجة لاقتصاد الكيان الإسرائيلي، بات الأخير يصنّفها ضمن “الأخطار الاستراتيجية المحدقة”.

المصدر: حساب BDS على منصة X

“قاطعوا ما استطعتم إلى ذلك سبيلا”

“صعب قاطع، ربينا و اريال ARIEL بالبيت، تعودنا عليه”، “ما بقدر عيش بلا بيبسي، ما بينزلوا الأكلات!”، “شو وقفت عليّ؟ لبنان كلو اذا تضامن ع صغرو ما بهزّها لإسرائيل..”، هذه باقة من عبارات حصدتها المفكّرة في جولاتها الميدانية. حيث ارتفعت بالتزامن مع نداءات المقاطعة أصوات رافضة الالتزام، إما بسبب هيمنة الشركات الداعمة على يوميات الناس وبيوتهم، ما يشعرهم بصعوبة التقييّد وتغيير نمط الحياة، أو بسبب عدم الاقتناع بمدى تأثير المقاطعة على اقتصاد إسرائيل ومجريات الأحداث الإجرامية.. وهناك من أنهكه تباين اللوائح أمام سيل النداءات بفعل اختلاف معايير التصنيف وترتيب أولويات الضغط بين حملةٍ وأخرى، ” مش معروف! شو بدنا نقاطع لنقاطع؟”  بهذه الكلمات عبّر من فضل الانسحاب على البحث وتبديد الشكوك.

وهنا حذّرت جعفر من حملات المقاطعة العشوائية والعفوية التي تفتقر إلى الدليل الواضح والأبحاث العلمية الدقيقة، واعتبرت أن النداءات يجب أن تقترن بنشر ثقافة المقاطعة، أهدافها والمعايير التي توجب المقاطعة. وتلفت جعفر إلى أن: “ليس كل ما هو أميركي الصنع مقاطعا، وليس كل ما هو لبناني غير مقاطع!… المقاطعة لا تتوجّه لدين، أو لجنسية، باستثناء الكيان طبعا، بل للشركات التي تدعمه وفق المعايير المصنفة التالية، تشرح جعفر مسندة بعض الأمثلة:

” 1- بناءُ مصانع ومراكز بحثٍ وتطوير في أراضٍ “طُهّرت من الفلسطينيين”. مثلًا وقّعتْ كوكاكولا سنة 2002 اتفاقًا مع حكومة العدوّ لافتتاح مصنعٍ جديدٍ في مستعمرة كريات غاتْ، المقامة على قريتين فلسطينيّتين مهجّرتين.

2- شراءُ شركاتٍ إسرائيليّة أو أسهمٍ فيها، ومن الأمثلة: جنرال إلكتريك وجونسون آند جونسون ونستله.

3- توقيع عقود مع شركاتٍ إسرائيليّة. كأن يكون هناك علاقات مالية وتجارية.. “مثل كارفور اللي صار عندو بالكيان أكثر من 50 فرع بأقل من سنة، كل عمليات تلميع الصورة وانو المنطقة العربية تابعة لمجموعة ماجد الفطيم.. وإعلانه دعم غزة وجمع التبرعات لها، ما ممكن تنظف أيادي كارفور الملطخة بالدماء، ولا تلغي العلاقة الداعمة للكيان”.

4- تقديم دعمٍ ماليٍّ مباشر إلى جمعيّات “خيريّة” وصهيونيّة. كأن ترعى شركة ماكدونالدز جمعيات خيرية اسرائيلية، وتقديمها بشكل مباشر ومنتظم وجبات لما يسمى محاربي إسرائيل.

5- الإسهام، ولو عن غير قصد، في الحرب المباشرة على شعبنا وأمّتنا، أو جرف البيوت متل ما فعلت شركة كاتربيلر Caterpillar.

 6- رعايةُ نشاطاتٍ أو معاهد فنيّة ورياضيّة وثقافيّة وتربويّة، مثل بوما Puma ، برعايتها لمنتخب كرة القدم الاسرائيلي..(أوقفته حالياً تحت الضغط)

7- التعبير علنًا عن دعم الجيش والحكومة: مثلًا نشرتْ مايكروسوفت Microsoft ، بعيْد مجزرةِ جنين، إعلاناتٍ في منطقة تلّ أبيب تعبّر فيها عن امتنانها من أعماق قلبها لجيش الدفاع الإسرائيليّ. وشركة HP، إذ قدّمت حواسيب للجيش الاسرائيلي، كما وتمدّه ببرامج بيانات..

8- الترويج للصهيونيّة.”

وتعقّب جعفر على موضوع إعلان زارا Zara للألبسة، إذ تبعاً للمعايير لا تعتبر من الشركات الأبرز المطلوب مقاطعتها، رغم أن جمهورا كبيرا، حتى من زبائنه قد قاطعها من منطلق مبدئي وأخلاقي وإنساني لأداء الشركة الأخير عندما أطلقت حملة دعائية، سلّعت به القضية الفلسطينية وأكفان الشهداء ومشهديّة الدمار.

وبتالي تلفت جعفر إلى أن مقاطعة شركات نستله Nestle و كوكاكولا Coca Cola وبيبسي Pepsi ماكدونالدز Macdonalds هي الأولوية، كونها “الأسوأ” وفق المعايير لدعمها المادي المباشر والحقيقي للكيان واقتصاده. وتشدد جعفر على الشعار “قاطعوا ما استطعتم إلى ذلك سبيلا وقاطعوا الأسوأ قبل السيء.”

أما بالنسبة لاختلاف المعايير بين حملة وأخرى، تثني جعفر على معايير حملة بي دي أس BDS، لكونها طرحًا متقدّمًا بالنسبة إلى السياق الدوليّ: “إنها ممتازة للجمهور الغربي”، إلا أنها تبقى غير كافية، ولا تتماشى تمامًا مع معايير مقاطعة اللبنانيين والعرب، الأكثر تشدداً، خاصة لكون لبنان لا يعترف بـ “اسرائيل”.

وتحسم جعفر للمفكّرة: “هذا الإختلاف لا يعني الخلاف، فإن التنسيق حثيث مع الحملة العالمية، ويشهد العالم للكثير من النجاحات والإنجازات التي حصدتْها حملات المقاطعة مجتمعة، بنتيجة عمليات ومبادرات التشبيك”. وتضيف: “إن تعذّر التنسيق، غالباً ما يتم تبنّي المواقف، وبالحدّ الأدنى يتمّ الاتفاق على توحيد الجهود والضغط والتغريد في آن واحد، لخلق أوسع وأشمل مقاطعة عالمية بوجه شركات العدو الإسرائيلي وداعميه.”

وفي السياق عينه، تنوّه جعفر بأن حملة لبنان، بالتضامن مع حملات مقاطعة عربية[1]، وجمعيات وتنسيقيات معادية للتطبيع مع العدو الإسرائيلي، أطلقت بتاريخ 24 تشرين الثاني 2023، يوم الذكرى الثانية لغياب مؤسس الحملة سماح ادريس، مبادرة عرفت بـ إعلان بيروت عن صياغة مشروع موحّدٍ لمواجهةِ المشروعِ الصَّهيونيّ والتّطبيعِ، مع تجديد الدعوة لانضمامِ أيّةِ جهةٍ عربيّةٍ أو عالميّةٍ تتمسك بفلسطين من النّهر إلى البحر وبالمقاطعة كمقاومة مدنية.

الإعلان الذي نشرته شركة زارا، والذي تمّ حذفه لاحقاً.

رغم التحديات.. “لبنان يقاطع”

جالتْ المفكّرة في عدة مراكز تجارية في قلب العاصمة وجبل لبنان، والتمستْ تبايناً حاداً في مدى الالتزام بالمقاطعة، لتتسع بشموليتها في بعض المناطق وتندثر أثارها في البعض الآخر.. فالحركة المشلولة مثلا في ستاربكس وماكدونالدز – صور، تنشط بصورة طبيعية في منطقة بيروت والساحل الشمالي.

وفي تعليق على المشهدية، توضح رجاء جعفر:” على أرض الواقع، ما كان حدا يحكي بالمقاطعة. كنا الوحيدين الفاعلين، ولكن ما بعد 7 أكتوبر في فورة تضامن غير مسبوقة، نتلقى كما هائلا من الاتصالات يومياً”.

وتوضح جعفر الاستمرار رغم التحديات: “عام 2015 للأسف شركة أبل Apple رفضت تحميل تطبيق أعددناه للمقاطعة، وكذلك بلاي ستور play store أدرَجه ليعود ويحذفه بعد أسبوعين تحت ذريعة منع خطاب الكراهية. لذلك اقتصرت أدواتنا على الموقع الإلكتروني، إلا أنه وقبل أحداث غزة باسبوع تعرض الموقع لـ 5 عمليات قرصنة متتالية، لذلك أطلقنا سريعاً موقعا جديد، وخلقنا حديثا مجموعة عبر واتسآب ضمّت حوالي 300 شخص في غضون أسبوع واحد، لتفعيل التواصل مع الجمهور المقاطع. 

وفي إطار التحدّيات عينها، تشير جعفر إلى ضرورة تفعيل قانون مقاطعة إسرائيل الصادر سنة 1955 بموجب قرار صادر عن جامعة الدول العربية والذي تبناه لبنان، مطالبة بتطبيقه وتفعيل مكتب المقاطعة التابع لوزارة الإقتصاد”، الذي وصّفته جعفر باختصار:”هيدا المكتب اذا نحنا مش موجودين ما بيشتغل”. وتلفت جعفر إلى انقسام المجتمع اللبناني، والأحزاب المتقاعسة عن لعب دورها ومسؤولياتها في نشر ثقافة المقاطعة واستقطاب الجماهير، كأحد أبرز التحديات التي تعيق لبنان من تكوين حالة شعبية جماعية.

وسط هذه الأجواء، تنوّه جعفر بولادة مبادرات ومجموعات شبابية عديدة في خطوة ملحوظة، وإن عفوية. وتؤكد التشبيك معها وامدادها بالدليل والأبحاث والمنشورات الكفيلة بتصويب المقاطعة وفق المعايير، بعيدا عن العشوائية.

وفي المقلب الآخر، تواصلت المفكّرة مع نورا الخطيب، من مطلقي مبادرة “لبنان يقاطع”، والتي أوضحت “إن الفكرة انطلقت بعد مشاهد الإبادة التي هزّت كياننا، تداعينا عبر فيديو قصير، ومجموعة صغيرة على واتسآب، لتسجيل موقف انساني..  تحرّكنا و صرنا نجمع بعض وقصدنا موقع ماكدونالدز وبرغر كينج في بدارو وعين المريسة وفرن الشباك وبعض السوبر ماركت وكارفور حازمية.. للفت انتباه الناس إلى ضرورة مقاطعة شركاء الإبادة، ودعم المنتج المحلي.”

وتأسف الخطيب للعنف الذي تعرّضوا له، أمام برغر كينغ من قبل بعض الشبان الذين حضروا الى المكان على دراجاتهم النارية، والذين أقدموا على تمزيق صور الأطفال والدمار في غزة، “علما أنو كانت وقفتنا صامتة وتركنا الصور تحكي” وفق ما نقلته الخطيب.

المقاطعة الأكاديمية وطلاب لبنان

“كطلاب، في شركات متعددة الجنسيات كتير مهمة، ما في إلها بديل، وما فينا نتخلى عنها، مثل أدوبي وسيسكو ومايكروسوفت وغوغل واتسآب وزوم… وهي شركات داعمة للاحتلال.. إذا مناقطعها، بينهار المستوى الأكاديمي، هذا أكبر دليل على أنو نظامنا رهينة.” بهذا التوصيف يوجز أنور خضر عضو الاتحاد الطلابي العام في لبنان للمفكرة صعوبة المقاطعة أكاديميا.” ويضيف:”السؤال المطروح اليوم بقلب الجامعات هو لماذا لا يوجد بديل؟”

ويشير خضر للمفكّرة الى أن الاتحاد، يذهب أبعد من المقاطعة الاستهلاكية، الى تكثيف النقاشات حول “الإمبريالية الأكاديمية”، وعن هيمنة الشركات العالمية، وخطورة مركزية الإنتاج العلمي المرتبط بالدول العظمى، ودور التعليم والإنتاج البحثي في دعم الاقتصاد المحلي والمعرفي وإنتاج البدائل.

ويتساءل خضر: “أين المراكز البحثية الرسمية بالدولة؟ وين دورها؟ إذا كل الطلاب والخبرات الأكاديمية مش قادرين يخلقوا بديل؟ في مشكلة! وتعود جذورها الى الإمبريالية الأكاديمية، أو الاستعمار التعليمي.” ويؤكد تباعاَ أن: “عملية التحرر الأكاديمي هي معركة بحدّ ذاتها وتحتاج للكثير من الإمكانيات.. مقابل توسّع المراكز البحثية التي بدأت بالعلوم الإنسانية وتتوسع وصولا إلى التكنولوجيا.. لتضاعف توسّع الهيمنة الأميركية الإسرائيلية أكثر فأكثر..”

ويجهد الاتحاد اليوم داخليا في مقاطعة المفاهيم المروّجة لسردية الاحتلال، يشرح خضر:”منعنا إقامة ندوة بقلب الجامعة الأميركية، تحت عنوان “أخلاقيات الحرب”، وكأن ما يحصل في فلسطين يندرج في إطار الحرب، لا الإبادة.” أما عالمياً، فينخرط الاتحاد في رفع الخطاب نفسه بالتنسيق والتضامن مع اتحاد الطلبة العام في فلسطين ومختلف دول العالم.

ما هو أثر المقاطعة على الاقتصاد الوطني؟

إلى جانب الدعوات المحلّية والعالمية المؤيدة للمقاطعة والمنوّهة بفوائدها: “فاتورتي نزلت للنصف، لما توجّهت للمنتجات المحلية”، علت بعض الأصوات المعارضة، رافضة الالتزام بذريعة خطر إلحاق الضرر بالاقتصاد المحلّي وتهديده بالبطالة، باعتبار أن الشركات ممثلة العلامة التجارية، لبنانية بامتياز وأن المتضرر الخاسر هو صاحب العمل اللبناني وموظفيه، ما قد يشكل ضربة للاقتصاد الوطني لا الإسرائيلي.

وللبحث في مدى صوابية هذا الرأي، حاورت المفكّرة القانونية الباحث في التنمية، أسامة دياب الذي نفى صحتها. وعلى العكس تماماً، يؤكد دياب أن: “المقاطعة لا تعني الإضراب عن الاستهلاك أو الشراء، بل أنها تدفع الجمهور للبدائل، ما يوجّه الإنفاق لدعم الاقتصاد المحلي.”

ويشدد دياب على أن أغلب الشركات الخاضعة للمقاطعة هي شركات عالمية عملاقة، تتميّز عن تلك المحلية، بالاستثمارات الكبرى في تكنولوجيا توفير العمل، التي ترفع كفاءة الإنتاج على حساب اليد العاملة. لذلك، مقاطعة هذا النوع من الشركات كفيل بدعم فرص العمل المحلية خلافا لما يروّج له، وفق دياب.

وفي السياق نفسه يوضح دياب للمفكّرة، إلى أن التجارة ما عادت تقتصر على حاويات البضائع التي تفرغها السفن في المرافئ، بل هناك ما لا يقل أهمية عنها، وهي الأصول غير الملموسة، والتي يبلغ متوسّط حصتها 30.4% من إجمالي القيمة المنتجة عالمياً، وتشمل الواردات الخدماتية وما يعرف بأرباح حقوق الملكية الفكرية.

وعلى سبيل المثال، يوضح دياب للمفكّرة أن أرباح ماكدونالدز لا تقتصر على بيع الوجبات الغذائية، بل تتأتى من بيع حق استخدام العلامة التجارية (الثلث) ومن تأجير الفروع (الثلثين).. بمعنى أن صاحب الفرانشيز المحلي يدفع للشركة الأم مرتين بدل الإيجار وبدل استخدام العلامة التجارية (5% من الإيرادات في حالة ماكدونالدز لا الأرباح)، كل هذه الأموال بالطبع تخل بميزان المدفوعات، وتزيد من الضغط على العملة المحلية.

وبناء عليه، يحسم دياب للمفكرة تأثير المقاطعة الإيجابي على الاقتصاد المحلي، إن من خلال توفير فرص عمل إضافية، وإن من خلال تحويل السوق الاستهلاكية من الشركات الداعمة لإسرائيل إلى المحلية، ما يوفّر جزءا كبيرا من العملة الصعبة التي تحتاجها البلاد، نظراً لعدم التوازن التجاري واختلال ميزان المدفوعات.

ولدى السؤال عن الخاسرين الأساسيين، يوجز دياب: “هي الشركات العالمية الداعمة لإسرائيل، ووكلاؤها المحليون”. وسرعان ما يضيف: “يمكن للوكلاء المحليين، تدارك هذه الخسائر، إن كان لديهم رد فعل سريع، كأن يقوموا بتحويل البرند (العلامة) إلى برند محلي، كونهم يملكون الـ know how، واليد العاملة والمقرّات.. إلا أن مخاوفهم حيال مدى ثبات الناس واستمرارية المقاطعة، يبقى هاجسهم الأكبر”.

ويرى دياب أن الهاجس عينه يلاحق أصحاب الرساميل أو الشركات المحلية: “في مصر مثلا، شركة سبيروسباتس.. المشروب المصري الغازي الذي عرف بزمن العشرينات كان طي النسيان، ومع المقاطعة عاد ليكون موضع اهتمام .. في حين تخشى الشركة توسيع استثمارها، وأن تبني قرارها بالاقتراض على موجة ترند تخشى أن تكون عابرة، ومؤقتة.”


[1]  الجهات العربية التي شاركت بإعلان بيروت:

1-الجمعية البحرينية لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني.

2_ الحملة التونسية لمقاطعة ومناهضة التطبيع مع الكيان الصهيوني.

3_تجمّع اتحرك لدعم المقاومة ومجابهة التطبيع. (الاردن)

4 – الحملة الشعبية المصرية لمقاطعة إسرائيل. (Bds)

5_ الحملة الشعبية المصرية لدعم المقاومة.

6 -الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومجابهة التطبيع.

7- حملة مقاطعة داعمي “إسرائيل” في لبنان.

8_ الحملة الوطنية الأردنية لإسقاط اتفاقية الغاز مع الكيان الصهيوني. (. الاردن )

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، حراكات اجتماعية ، اقتصاد وصناعة وزراعة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية