حرب الزّيتون


2024-01-15    |   

حرب الزّيتون
قطاف الزيتون (تصوير تمارا فحص)

تزنّر النيران زيتون الجنوب، فيما أحرقت قذائف الفوسفور الإسرائيلية 40 ألفًا من أشجاره المعمّرة حتى الآن، وهو سلاح حارق وثقت منظمة العفو الدولية استخدام إسرائيل له في جنوب لبنان واضعة ذلك في إطار جريمة حرب. وفضلًا عن الحرائق والقصف بالفوسفور، يستهدف الاحتلال الإسرائيليّ المناطق الزراعيّة بشكل رئيسيّ، ليقع موسم الزيتون هذا العام أسير العدوان، بحيث ظلّت الكروم في القرى الحدودية ومعها عشرات البلدات الخلفية، ممنوعة على المزارعين الذين لم يتمكّنوا من قطاف الموسم. كذلك في الضفّة الغربيّة، تشنّ عصابات المستوطنين هجماتها على المزارعين بالرصاص، وسط استمرار اقتلاع أشجار الزيتون المعمّرة أو قطعها. هي حرب على الزيتون إذًا، على رمز السلام المتجذّر في الأرض منذ كانت وكان أهلها، حرب على الزيتون في كل مكان تطاله النيران الإسرائيلية.

وبدأ افتعال النيران بالقنابل الإسرائيلية في كروم الزيتون في القطاع الشرقيّ، لا سيّما في حلتا والهبارية وسهلي المجيدية والماري، فيما الضرر الأكبر كان في كفرشوبا. وفي القطاع الأوسط، أُحرقت كروم الزيتون في بليدا وعيترون ومركبا. كما التهمت النيران الآلاف من أشجارها على كامل الحدود في القطاع الغربي، من رميش إلى الناقورة، مرورًا براميا وعيتا الشعب وعلما الشعب واللبّونة، حيث الكتل الحرجيّة الكبيرة. ووصل القصف بالقنابل الحارقة إلى شيحين، والصالحاني المهجورة وأشجارها الرومانيّة المعمّرة. ويقول رئيس جمعية “الجنوبيون الخضر” هشام يونس إنّ وتيرة الاستهدافات تتزايد، ضاربةً التوازن البيئيّ في المنطقة وحارمةً الحيوانات من ملاذاتها الآمنة، لتقضي على الحياة فيها، بينما يترسّب الفوسفور في تربتها وتؤدي إبادة الأشجار إلى تهديد خزانات مياهها الجوفيّة.

زيتون وسط النيران وآخر على أمّه

وسط نيران القصف التي لا تنطفئ في كرم إلاّ وقد اشتعلت في آخر، تستعيد فاطمة خليل ذكرياتها في كرم الزيتون المحاذي للسياج الشائك في راميا. هناك تُسقط عاداتها في هزّ الأشجار الساهية عن السياج الحدودي لتورف ناحية فلسطين، فتتسلّق الشجرة وتقطفها حبّة حبّة، خوفًا من سقوطها بالهزّ في الجهة المحتلّة وضياعها. هي تكتيكات يمارسها المزارعون للتعبير عن حرصهم على كلّ حبّة زيتون تجود بها أرضهم.

بدورها، المزارعة سميرة عيسى كانت تتحضّر لموسم القطاف في راميا يوم الإثنين 9 تشرين الأول 2023، حينما سمعت أصوات قصف قادمة من الغرب. وصل خبر تعرّض الضهيرة لقنابل الفوسفو، فأضافت إلى زوّادتها رأس بصل للاحتماء من الغاز السامّ في حال حملته الريح إلى كرم زيتونها. فرطت سميرة بعض الأشجار، واتفقت مع جاراتها على مراقبة الوضع غدًا. في اليوم التالي، كانت كروم راميا في قلب النار، وظلّ زيتون سميرة وفاطمة وجاراتهما على أمّه.

ومع تتابع الأيام، امتدّت الغارات إلى عمق الجنوب لتشمل قرى القليلة والشعيتية وزبقين وياطر. باتت مئات الكيلومترات المربّعة من الجنوب والنبطية في دائرة النار.

موسم الزيتون: جزء من ثقافة الأرض وناسها

يُعدّ موسم القطاف، أو “فرط الزيتون” وفق التسمية الجنوبيّة، مناسبة سنويّة تجمع العائلات لمساعدة بعضها بعضًا. ينضم إلى أهل القرى أبناؤهم في العاصمة. يعود هذا التقليد إلى قرون متعاقبة، ولا تزال الحياة تسير على وقعه. وإن كانوا في الماضي يحرصون على إقامة أعراسهم قبل المواسم، لكسب الصهر والكنّة كيدٍ عاملة، فهو كان وما زال فرصة لتأمين مصادر دخلهم، حيث يباع الزيتون وزيته لتوفير سبل العيش. وعادةً ما تُخصّص العائدات للاعتناء بالأرض وتجهيزها لموسم آتٍ، من حرث وتزبيل (تسميد)، ولتغطية الزواج والولادة، والتعليم، وحتى لدعم سفر الأبناء. وبهذا يظلّ موسم القطاف وجناه جزءًا أساسيًّا من حياة الجنوبيّين واقتصادهم ومعيشتهم، ليكون لهم شتلة (تبغ) وشجرة (زيتون) للصمود.

وفيما يستعين أصحاب الكروم الكبيرة بعمال لمساعدتهم، يتبادل أغلب المزارعين الخدمات مُتعاونين على قطف الكرم وراء أخيه. تساعد الأسر غير المالكة للأراضي تلك صاحبة الكروم الأكبر، مقابل حصة من الزيتون أو من زيته. مع بدء الموسم، الذي تعلنه “الشتوة” الأولى في تشرين الأول، ينتشرون، نساء ورجالًا، أطفالًا وكهولًا، بين الزيتون الفتيّ منه والمعمّر، تُوضع البسط تحت الأشجار لجمع ما يتساقط من هزّها، ليقطف لاحقًا ما بقي عليها بعد تسلقها. في آخر الموسم، تستضيف الكروم الآتين بهدف “البعورة”، وهو قطف ما أغفله الأهالي، فيجْنُون غلّة كبيرة مجانًا.

الأشجار على السياج الحدودي تقطف حبة حبة فلا تسقط حبوب الزيتون بالهزّ في الجهة الأخرى

الزيتون: دورة اجتماعية واقتصادية متكاملة

وبقتل الموسم، تُجهز نار العدوان على دورة اجتماعية وثقافية واقتصادية متكاملة. عادة، وبعد جني الزيتون، تجتمع المزارعات على تمليحه ورصّه، ويخصّص قسم للتخليل، وآخر للكبس بالزيت، فيما يحوّل قسم ثالث للعصر واستخراج زيت الزيتون، سيّد المائدة ورافعة الأطباق المحليّة. ومع ضرب موسم الزيتون، أغلقت المعاصر أبوابها في القرى الحدودية، فيما تستمر المعاصر الخلفيّة بإمكانيّاتها التشغيليّة الدنيا، لندرة المزارعين بعد أن كانوا يتهافتون عليها بمحاصيلهم. وهو ما يشرحه محمد كوراني صاحب معصرة ياطر لإنتاج زيت الزيتون، كاشفًا عن تراجع إنتاج الزيت لديه بـ85% هذا العام. وبالمثل، توقّفت حجارة معصرة المختار في كفرا عن الدوران فوق ثمار الزيتون باكرًا هذه السنة، حيث غابت محاصيل الحنية ومجدل زون والطيرة وحانين وعيتا الجبل وغيرها.

والمعاصر هنا تقليديّة، تعصر زيتونها “على البارد”، حيث يُغسّل الزيتون بعد تنقيته من الأوراق ويمرّر إلى أوعية ضخمة لتُهرس حباته بحجارة غرانيت هائلة الحجم، ثم يسكب المزيج على سلال قشّ تُرتّب فوق بعضها في مكابس لاستخراج الزيت، الذي يصفّى لاحقًا. ويفضل الجنوبيّون الطريقة التقليديّة، ولا يثقون بتسليم خيراتهم لآلات حديثة “لأن زيت الزيتون حسّاس”، تشرح سميرة “فنحن وبعد عصره، نغطّيه وندفّئُه ونعتني به برموش عيوننا ليحافظ على جودته”.

الزيتونة هي نفسها شمال الحدود وجنوبها

تكتمل فصول الحرب على أشجار الزيتون في فلسطين. ففي شرق الأراضي المحتلة، وتحديدًا في بلدة الساوية جنوب نابلس في الضفة، قَتل مستوطن إسرائيلي يوم السبت 29 تشرين الأول 2023 المزارع الفلسطيني بلال صالح (40 عامًا) برصاصة في الصدر بينما كان يقطف ثمار الزيتون، فيما تتواصل هجمات المستوطنين ضد الفلسطينيين المتوجّهين للقطاف. ويحمي جيش الاحتلال اعتداءات المستوطنين ويصدر قرارات حظر القطاف على الفلسطينيين. وتتنوع اعتداءات الاحتلال في الضفة على أشجار الزيتون قلعًا وحرقًا وتلويثًا وتسميمًا وإبادة، ليقضي على أكثر من مليوني شجرة منذ نكبة عام 1948، لتتحوّل الأراضي إلى أراضٍ بور، ويطبّق عليها قانونه (قانون الأرض البور أو غير المعمرة لعشر سنوات) للاستيلاء عليها. واليوم معظم الأراضي الزراعية في الضفة هي تحت سيطرة المستوطنين، لا الفلسطينيين الذين باتوا يعيشون في معازل، تسلب أرضهم شجرة بعد شجرة ضمن سياسات التطهير العرقي.

وبينما تشكّل أشجار الزيتون شريان الحياة للاقتصاد المحلّي، وتوفّر الدّعم لعدد لا يحصى من الأسر، يرى الجنوبيون في حرق كلّ شجرة زيتون اعتداء مباشرًا، ويصبح قلع كروم فلسطين وسيلة للقضاء على المنافسة على هذا المورد الثمين. ويستغلّ المحتلّون الأرض لتحقيق مكاسبهم الاقتصادية بما يكرّس دورة من التبعيّة والاستغلال الاقتصادي.

يصلّي الجنوبيون اليوم كي لا تصل النيران إلى أشجار الزيتون الرومانيّة، المقدّر عمرها بآلاف السنين، والمتميّزة بجذوعها العتيقة غزيرة الثنايا. وتنتشر هذه الأشجار في غير موقع، ومنها قرية الصالحاني المهجورة منذ أن قتلت القوات الإسرائيلية الغازية عام 1982 آخر أهلها، عائلة من آل عيسى، وحوّلتها إلى موقع عسكريّ للتدريب والرماية، ومرابض للدبابات، فتضرّرت الكثير من منازلها القديمة وزيتونها المعمّر. لكن قوّة الحياة في جذوع هذه الأشجار ساعدتها على الصمود. تحكي قصة الصالحاني أهمية أشجار الزيتون التي يمكن أن تبقي ذكر قرية حيًّا حتى لو أُبيد أهلها.

قبل 75 عامًا من اليوم، كانت كروم الزيتون واحدة، وكانت الأسر اللبنانية تملك أراضي في الجهة الأخرى، وكانت مواسم القطاف تجمع أبناء الجليل مع أبناء الجنوب. اليوم، يُعدّ استهداف الزيتون حملة محسوبة لقطع الروابط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تربط السكّان بأراضي أجدادهم وتعزز تضامنهم. هي ليست مجرّد أعمال عشوائية لتدمير البيئة، بل تحرّكات استراتيجيّة لمحو عنصر حيوي في الهوية. ويضرب هذا المحو المتعمّد جوهر هوية الأرض وسكانها، ليؤكد أنّ تراث أهل الأرض الثقافيّ لا قيمة له في نظر المحتلّين.

“الصمود مع الزيتون” هو ردّ أصحاب الأرض

مقابل هذه الرمزية الثقافية والتاريخية التي تحملها شجرة، فإنّ الاحتلال يعمل على إبادتها اليوم في عرض متعمّد للهيمنة، ورسالة مفادها أنّ المحتلّين يُعيدون تشكيل المشهد وحياة الناس متى شاؤوا. وفي مواجهة هذا التدمير، يبرز نضال الفلسطينيين للدفاع عن زيتونهم ولو بصدور مفتوحة يُفرِّغ فيها المستوطنون رصاصاتهم، كما تبرز إرادة التحدّي بعيون الجنوبيين، تترجمها أم علي سويدان بكلماتها من ياطر: “سنزرع مكان هذه الأشجار المعمّرة منذ آلاف السنين، وستكبر بدورها لآلاف سنين آتية، سنزرعها لنا ولأولادنا وأحفادنا، فهل يملك الاحتلال ما يكفيه من السنوات ليحاربنا كلّ هذا العمر؟”

سنزرع مكان هذه الأشجار المعمرة شجرا يكبر بدوره لآلاف السنين 

نشر هذا المقال في العدد 71 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان

لقراءة العدد بصيغة PDF

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الحياة ، مجلة لبنان ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية