حراك غير متوقع في ملف النفايات: طيور “الكوستا برافا” تباغت الدولة اللبنانية


2017-01-17    |   

حراك غير متوقع في ملف النفايات: طيور “الكوستا برافا” تباغت الدولة اللبنانية

بتاريخ 16/1/2016، أصدر قاضي الأمور المستعجلة في بعبدا، القاضي حسن حمدان، قراراً قضى بإعادة فتح مطمر الكوستا برافا وذلك على نحو مؤقت لغاية الساعة الثانية عشر من ظهر نهار الثلاثاء 24/1/2016. وتأتي هذه الخطوة بعد قرارٍ سابق صدر عن القاضي في الحادي عشر من الشهر عينه قضى بإقفاله مؤقتاً بانتظار أجوبة وزارتي الصحة والزراعة والمديرية العامة للطيران المدني. وقد صدر هذان القراران في سياق الدعوى المقامة من قبل عدد من المحامين والناشطين في الحراك المدني ضد الدولة اللبنانية وشركة الجهاد للتجارة والمقاولات واتحاد بلديات الضاحية الجنوبية، لإقفال المطمر، لمخالفته الأنظمة البيئية العالمية ولكونه يشكل خطراً على سلامة الطيران المدني وعلى البيئة البحرية وسلامة المواطنين. بالمقابل، سمح القاضي القيام بسائر الأعمال الجارية في المطمر، لكن تحت إشراف مندوبين من  وزارة البيئة، بغرض تخفيف وجود الطيور في محيط مطار بيروت وداخله. وقد اتخذ القاضي قراره بالرجوع عن قراره الأول على نحو مؤقت بناء على الطلب المقدم من “اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية” والذي أشار فيه “إلى تكدس النفايات في الشوارع بعد فشل السلطات المعنية في إيجاد البديل عن المطمر المطلوب إقفاله الذي منع نقل النفايات إليه مؤقتاً”.

وفيما لم تمتثل أيّ من “وزارات الصحة، الزراعة، البيئة، والمديرية العامة للطيران المدني” بإيداع تقارير حول المخاطر المفترضة التي يحدثها المطمر المذكور، لاسيما لجهة تجاوره ومطار الشهيد رفيق الحريري الدولي الذي ليس في لبنان سواه”، اعتبرت المحكمة أنها حاولت في قرارها المؤقت أن توازن “بين الحماية العامة والمصلحة العامة، نظراً للظروف المحيطة في الملف على المستويين الواقعي والقانوني، وإفساحاً في المجال أمام السلطات المعنية على قاعدة التعاون بينها وبين السلطة القضائية، على أن يتم إقفال المطمر بصورة نهائية بمجرد إنقضاء المدة المعطاة وذلك بصورة كلية بجميع أعماله إلى حين الفصل النهائي في الدعوى”.

وكان القاضي حمدان اتخذ قراره الأول على ضوء معلومات عن إقفال المدرج الغربي للمطار بسبب حادثة تعرضت لها إحدى طائرات “الميديل ايست” حيث نجحت في تلافي مجموعة من الطيور صادفتها لحظة ملامستها للمدرج قبل عدة أيام . وعلى الرغم من إنكار المكتب الإعلامي للشركة المذكورة في حديث له مع جريدة الأخبار للأمر، إلا أن حادثة أخرى وقعت في أيلول 2016 حين تسببت طيور كانت مختبئة في أحد محركات طائرة أردنية في تكسّر مراوح المحرك قبيل إقلاعها من مطار بيروت الدولي. يومها نفى المسؤول الإعلامي في مطار بيروت الدولي “درويش عمار”في تصريحات صحيفة”أن يكون السبب في الحادثة تخزين النفايات في موقع قريب من المطار. وكانت العديد من الجمعيات المدنية والحملات البيئية نفذت سابقا الإعتصامات التي حذرت خلالها من المخاطر البيئية التي ستنتج عن مطمر الكوستا برافا ومن ضمنها تكاثر الطيور. لكن يومها لم تجد التحركات المدنية لدى الدولة اللبنانية أي آذانٍ صاغية.

تحركات المجتمع المدني

بعد إندلاع أزمة النفايات في صيف العام 2015، التي أسهمت في ولادة الحراك المدني، أقرت حكومة تمام سلام خطة للنفايات في آذار من العام 2016، والتي على إثرها تم إعتماد مكب الكوستا برافا كواحد من ثلاثة مطامر لتنقل إليها نفايات بيروت وجبل لبنان.

وعلى ضوء ذلك نشرت “الحركة البيئية اللبنانية”  صوراً لآثار وفسيفساء عند مطمر “الكوستا برافا”، لافتةً “الى وجود هذه الآثار بالقرب من شاطىء الشويفات حيث قررت الحكومة تحويله الى مطمر ومكب لـ 1200 طن من النفايات يومياً، دون إجراء دراسات وفي مخالفة صريحة للقوانين والإتفاقيات الدولية”.

وبتاريخ 26 آب 2016 حذرت نقابة الطياريين اللبنانيين في بيان وجهته إلى وزارة الأشغال العامة والنقل والمديرية العامة للطيران المدني من مخاطر المكب على الملاحة الجوية كونه لا يبعد سوى كيلومتر واحد عن المطار ونبّهت من أنه “سيسبب إنتشار الحيوانات البرية والجوية لا سيما الطيور التي تشكل خطراً على حركة الطيران وقد تسبب إصطدام الحيوانات بمحركات الطائرات”. كما شدد البيان على ما “إتفق عليه لبنان مع المنظمة الدولية للطيران المدني ICAO والذي يلزم لبنان بتأمين مناخ آمن للملاحة ووضع حد للمخاطر الناجمة عن تواجد الحيوانات البرية”. كما طلب البيان من وزارة الأشغال والمديرية العامة للطيران المدني ومصلحة سلامة الطيران  “إتخاذ الإجرءات اللازمة “لوضع حد لهذه الخطط التي تهدد سلامة المسافرين والمواطنين اللبنانية”.

رافق ذلك معارضة شديدة من أهالي منطقة الشويفات والبلديات المجاورة الذين قاموا بسلسلة تحركات على الأرض ولقاءات من ضمنها لقاء مع وزير المهجرين طلال أرسلان في 3 تشرين الثاني 2015 أكد خلاله المجتمعون على رفض مطمر الكوستا برافا رفضاً قاطعاً.

حلول الدولة غير ناجزة

كل ذلك، لكن لم يبدلوا تبديلا، شرّع مطمر كوستا برافا أبوابه أمام نفايات المدن فتزايدت الطيور فيه بشكل متوقع لتنفجر أزمة جديدة في وجه الحكومة الجديدة. والحلّ الذي ارتأت الدولة اعتماده فقد تمثّل بتركيب أجهزة صوتية لطرد الطيور موكلة شركة جهاد العرب هذه المهمة أيضاً. أما وزير البيئة طارق الخطيب فقد رأى أن المشكلة تكمن ليس في مكب كوستا برافا إنما في نهر الغدير، مقترحا إطالة مصب نهر الغدير إلى عمق البحر بما يتيح بإبعاد الطيور. وهذا الإقتراح يعني إرسال كل النفايات والمياه الآسنة الموجودة في النهر إلى عمق البحر والقضاء على ما تبقى من ثروة سمكية فيه.

بدوره أكد مجلس الإنماء والإعمار أن المشكلة تكمن في نهر الغدير مفنداً ببيان صادر عنه بتاريخ 12/1/2016 أيضاً، عوامل جذب الطيور الى المنطقة مقترحاً سلسلة حلولٍ منها ما بدا بنظر اللبنانيين سوريالياً بعض الشيء كـ”استخدام أشخاص بدوام كامل، في المطار، يكونون مدربين ومجهزين بما يلزم لطرد الطيور خصوصا عند إقلاع وهبوط الطائرات”.

إقتراح مجلس الإنماء والإعمار الذي أثار سخرية البعض عبر وسائل “التواصل الإجتماعية”، تترجم على أرض الواقع مجزرة حقيقة بحق الطيور بدأ تنفيذها من صباح نهار السبت 14/1/2016 برعاية رئيس مجلس ادارة شركة “الميدل ايست” محمد الحوت الذي صرح عبر التلفزيون أنه هو الذي أتى “بالصيادين وعلينا الاختيار بين طير النورس وطير الـ”MEA” مؤكداً أن “العملية ستستمر كحد أقصى حتى نهاية الشهر”. وقد حظيت خطوته تلك بمباركة وزير البيئة الذي صرح قائلاً:” قدّموا البديل ونحن جاهزون للتنفيذ”.

وفي حديث مع عضو “هيئة متابعة قضايا مدينة الشوفيات” محمد الزيات حول ما يجري في المنطقة، لفت الى أن وضع الأجهزة بدأ منذ نحو أربعة أشهر، مشيراً إلى أن “الطيور تشكل خطرا كبيرا على المنطقة، سيما إن دخل الطائر الى فراشات الطائرة أثناء إقلاعها الأمر الذي سيؤدي الى  سقوطها إما في البحر أو على البنايات المبينة في منطقة خلدة أو دوحة عرمون لأن حركة الطيران الآن باتت من هذا الاتجاه”. واعتبر أن “استخدام أجهزة طرد الطيور ليست الحل الأمثل على المدى البعيد، فالطائر يتعود عليها أيضاً و في المجمل إن مطارات العالم تستخدمها لطرد الطيور التي تمر في طريقها من المنطقة وليس تلك التي باتت تتخاوى مع المكان وتجد في مكب النفايات مستقراً دائماً لها”.

أما عن تصريح وزير البيئة فقد أكد الزيات أن” المشكلة الاساسية تكمن في المطمر والأعمال التي تجري على حائط المطار”، مُشيراً إلى أنه “عندما يكون الطقس صافياً يتوجه الطائر إلى البحر، ولكن عندما تمطر نجد الطيور قد تجمعت عند مدرج المطار”. أضاف: “أن المطمر يبعد نحو 40 متر وحسب عن المطار. ناهيك عن أنه يتم طمر النفايات ايضاً عند حائط الباركينغ التابع للمطار. وقد راجعنا أحد الاشخاص في بلديات الشويفات بالموضوع  فجاءنا الرد أنه يدخل ضمن العقد الموقع مع مجلس الإنماء والإعمار مخطط لإقامة حدائق في ذلك المكان. وكلنا نعرف أنه يمنع أن يكون حول المطار ومحيطه أشجار لأنها جاذب للطيور”.

تابع:”الآن نحن نواجه مشكلتين: الطيور وغاز الميتان الناتج عن النفايات التي يقومون بطمرها دون فرز أو معالجة. هذا الغاز إذا ما تغلغل الى جوف الأرض الصخرية والتي تحوي مغاور وينابيع سيؤثر حتماً على سلامة الملاحة الجوية في حال حصلت تفجيرات للغاز. إن ما يحصل يشكل خطراً على حياة الناس ومجابهته تشكّل مسؤولية وطنية. وربما علينا أن نشكر الطيور لأنها قامت بما عجزنا كمجتمع مدني عن القيام به”.

سير الدعوى

إذاً، عندما عجزت التحركات الميدانية عن إقناع الدولة بالعثور على خطة بديلة عن مطمر “الكوستا برافا” ما كان من مجموعة من الناشطين والمحامين إلاّ أن لجؤوا إلى القضاء عله ينصفهم. وفي حديث مع المحامي هاني الأحمدية، شرح لنا مجريات الدعوى وقال:”إن التحرك ضد المطمر بدأ منذ آذار 2016. وعند زيارة الأمين العام للأمم المتحدة بان كيمون إلى لبنان، نفذ إعتصام أمام مبنى الإسكوا وأرسل المعتصمون له كتاباً طالبوه فيه بالتدخل لحل الأزمة. وأضاف الأحمدية:” أوضحنا في أن وجود المطمر في هذا الموقع يخالف معاهدة برشلونة وطلبنا مؤازرة من هيئة الأمم المتحدة لتبليغ الحكومة اللبنانية، أنه يتم انتهاك القانون الدولي. كذلك طلبنا إبلاغ المنظمة المدنية الدولية ICAO أنه يتم افتتاح مطمر بمحاذاة المطار في حين أن القوانين الدولية تفرض أن يكون المطمر بعيداً عن أي مرفأ جوي أو مطار مسافة لا تقل عن ستة أميال أي تسعة كلم.ما يعني بالنظرية العامة بالنسبة لمطار بيروت أنه بالإمكان الطعن بشرعية وجود مطمر برج حمود لأنه يشكل خطراً على مطار بيروت فكيف بمكب الكوستا برافا؟ وقد رفعنا الدعوى منذ ثلاثة أشهر”.

ولفت إلى أن “اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية طعن بإدعائنا واعتبر أنه ليس لدينا صفة وطلب رفض الدعوى شكلاً. كذلك فعلت شركة “جهاد العرب” التي قدمت اعتراضاً على أساس أنها تملك عقداً مع الدولة وبالتالي لا يحق للقضاء العدلي أن يتدخل بالعقود التي تعقدها الدولة وأنها  تنفذ مضمون العقد والمناقصة التي رست عليها وبالتالي لا يحق للقضاء أن يوقفها”.

أضاف:”طلب القاضي منّا كمجتمع مدني ومن الدولة اللبنانية ممثلة بثلاث وزارات أن نقوم بدراسة حول التأثير البيئي والصحي للمطمر. فأرسل كتاباً لوزارة الزراعة لتقدم دراسة عن تأثير المطمر على الثروة السمكية في البحر، وكتاباً لوزارة الصحة لمعرفة تأثيره على الناس المقيمين في المنطقة المجاورة، وكتاباً لوزارة البيئية من أجل تقييم الأثر البيئي الإجمالي بالمنطقة وأعطى مهلة للرد على هذه الدراسات. كما أرسل كتاباً للمديرية العامة للطيران المدني لتقدم دراسة عن تأثير المطمر على حركة الملاحة وإزدياد أعداد الطيور على سلامة الطيران. ونحن قمنا بإبلاغهم في الشهر 12 وكان لديهم مهلة 10 أيام ومن بعدها جاءت فترة الأعياد وانتهت المهلة لكنهم لم يلتزموا بالمهل. وحدها وزارة البيئة أرسلت دراسة عن الموضوع وصلت في 10 الشهر أما باقي الوزرات فلم ترسل شيئا وكذلك مديرية الطيران المدني. وقد اطلع القاضي على دراسة وزارة البيئة وعلى ضوئه اتخذ القرار الذي صدر”. مشيراً إلى المفارقة بأن هذه الوزرات عادت وأرسلت الدراسات المطلوبة منها بعد صدور قرار القاضي. موضحاً أنه بعد اطلاع القاضي على هذه الدراسات سيكون أمام خيارين: إما الإبقاء على موقفه أو العودة عنه.

واعتبر الأحمدية أن القاضي حمدان يتمتع بالجرأة والشهامة التي مكنته من أن يأخذ قراراً في قضية المطمر في وقت حكومة طويلة عريضة كانت عاجزة عن توقيفه رغم كونه يشكل خطراً على السلامة العامة. وختم قائلاً:” نحن مطمئنون للقاضي في بعبدا في أي اجراء سيأخذه. ونحن بطبيعة الحال قمنا بما كان من واجب على الدولة القيام به فهذا المطمر يشكل خطراً ويجب إيقافه”.

أما في ما خص المجزرة اللاحقة بالطيور المائية فأكد تقديم المحامين نفسهم بإخبار إلى النائب العام التمييزي ضد مجهولين طالبوا فيه “إحالته أمام الضابطة العدلية للتحقيق مع كل من يظهره التحقيق متورطاً بهذه الأفعال الجرمية التي  تشكل جرائم جزائية بمفهوم “قانون الصيد اللبناني”، والاتفاقية الدولية لحماية الطيور المائية” التي وقعتها الحكومة اللبنانية عام 2002، وكشف هويتهم وتوقيفهم وإحالتهم أمام القضاء المختص لإنزال أقسى العقوبات بحقهم ومنعهم من الصيد وسحب رخصهم وتدريكهم الرسوم والنفقات كافة”. 

ويذكر أن قاضي العجلة في المتن رالف كركبي كان أصدر منذ حوالي الشهر والنصف قراراً بوقف العمل في جبل النفايات القديم في برج حمود ولكن تراجع عن قراره في وقت لاحق.

قرار القاضي القديم بإقفال مطمر الكوستا برافا.pdf
الاخبار في مجزرة الطيور.pdf
قرار القاضي الجديد بفتح المطمر مؤقتا.

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، حراكات اجتماعية



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية