حراك الجنوب في ذكرى انطلاق 17 تشرين: انتفاضة الدّفاع بدل الهجوم


2020-10-23    |   

حراك الجنوب في ذكرى انطلاق 17 تشرين: انتفاضة الدّفاع بدل الهجوم
ذكرى 17 تشرين في النبطية

أعادت الذكرى السنوية الأولى لانطلاقة انتفاضة 17 تشرين النبض مجدداً، إلى ساحات النبطية وكفررمان وصور، فخرج المتظاهرون إلى الشوارع، مستعيدين هتافاتهم وشعاراتهم، معلنين إصرارهم على مواصلة طريقهم، وإن ندُر سالكوه.

يوم 17 تشرين، كان أشبه “بالليلة الكبيرة”. فمن رأى شوارع النبطية وكفررمان وصور وساحاتها، ومن سمع كيف اندفعت الحناجر تهدر في الشوارع، ظنّ أنّ الثورة انطلقت الآن. فالزخم، رغم الانقطاع وكلّ ما حصل من أحداث، ما زال على حاله، وربما صار أكثر اندفاعاً، ليس لأنّ أسباب اندلاع الثورة ما زالت قائمة فحسب بل لأنّها تراكمت، وساءت ظروف الناس، إضافة إلى أنّ من شاركوا في بداية الانتفاضة أثبتوا أنهم ما زالوا أوفياء لقناعاتهم وثابتين على مواقفهم من السّلطة والنظام وأحزابهما.

بدأت فعاليات الاحتفالية، ليلة 17 تشرين 2020، حيث شهدت خيم النبطية ودوار كفررمان وساحة العلم في صور، تجمّعات واجتماعات وزحمة ناس، كانت قد غابت عنها، تدريجياً، في الأشهر الفائتة، سواء بسبب تكرار الاعتداءات من قبل محسوبين على الثنائي الشيعي، أو بفعل تداعيات الأزمة الاقتصادية، تلتها الإجراءات الخاصّة بكورونا.

ففي صور، أحيا “الثوّار” الذكرى بمسيرة ليلية، جابت عدداً من الشوارع، على وقع الهتاف الأكثر استفزازاً “كلّن يعني كلّن”، وانطلقت من ساحة العلم وانتهت فيها، كاستعادة لرمزية اكتسبتها الساحة على مدى أشهر الثورة.

في حين تزامنت ذكرى انطلاقة الانتفاضة في النبطية وكفررمان،  مع مناسبة استثنائية، جمعت أطياف الحراك تحت سقفها وبثّت الروح الثورية مجدداً في الأرجاء، وتمثلت بالاحتفال الذي أقامه الحزب الشيوعي اللبناني في الذكرى 38 لاستشهاد سهيل حمّورة، منفّذ عملية “ساحة عاشوارء” ضد جنود الاحتلال في 16 تشرين الأول عام 1983. وشكّل تزامن المناسبتين مساحة لتلاقي “الثوّار” وللتذكير بمطالب الثورة السياسية والاقتصادية والوطنية وأسبابها وأهدافها والآمال المرجوة منها.

 

النفس ما زال موجوداً

بعيداً عن الأجواء الاحتفالية والنوستالجيا التي خيّمت على السنويّة الأولى لـ”الثورة”، في المناطق المحتفلة، أضاءت فعاليات إحياء الذكرى، في هذه المناطق الجنوبية الثلاثة، على جملة من الحقائق، عدا أنّها أكّدت المؤكّد. فعلى صعيد الحقائق، أثبتت العودة إلى الساحة، أنّ نفس الناس لا يزال موجوداً وأنّ الناس الذين نزلوا على قلّتهم لم تنتهِ الثورة داخلهم ولديهم النيّة في استكمال ما بدأوه مع رومنسية أقلّ من السابق. وقد أقرّوا بأنّ الطريق ما زال شائكاً وأنّه أكثر وعورة من قبل، وأنّ الأطراف المشاركين في السّلطة في مواجهتهم يزدادون شراسة وجهوزية على الانقضاض، وأنّ محاولات التغيير في ظروف سياسية واقتصادية وأمنية مشابهة وضاغطة، ليست نزهة، بل عملية مواجهة مستمرّة، قد تطول كثيراً، وأنّ عليهم وربما على الأجيال التي ستأتي من بعدهم، أن يزيحوا جبالاً وليس مجرّد عوائق، كي يتمكّنوا من تغيير قناعات ومفاهيم وأيديولوجيات مهيمنة.

بهذه الروحية أحيا ثوار الجنوب ذكرى “17 تشرين”، وانطلقوا من المناسبة، لإعادة قراءة الإنجازات والإخفاقات، التي حفلت بها هذه السنة الاستثنائية. ففي الأولى (الإنجازات)، ما زال الثوّار على قناعة أن خروجهم من بيت الطاعة الطائفية هو إنجازهم التاريخي الأكبر، كذلك تمرّدهم على الثنائية السياسية التي تحكم الجنوب، وتحتكر تمثيله منذ ما بعد الحرب الأهلية، يضاف إلى ذلك، قدرتهم خلال أشهر قليلة، على خلخلة  نمطيّة سيادة  اللون الواحد، التي يوصف بها الجنوب، منذ عقود. أثبتوا أنه ليس هناك أكثرية طاغية بشكل نهائي في الجنوب، بل أكثرية متمكّنة مادّياً تملك عناصر قوّة وإمكانيات وقدرة على توظيف مشاركتها في السلطة لتعزيز مكانتها في مقابل فئة مهمّشة وبدون إمكانات.

ماذا أنجز حراك الجنوب؟

أهم ما ميّز حراك الجنوب، أنّ غالبية “الثوّار” هم إما من الفقراء الكادحين بحسب المفهوم الطبقي الاجتماعي، وإمّا من المهمّشين سياسياً، نتيجة مخالفتهم السائد، لكن تبرز من بينهم نخب اجتماعية وعلمية وثقافية وسياسية، شكّلوا باتحادهم وانفتاحهم حركة تسعى للتأسيس لقوى تغيير حقيقية.

فعلى سبيل التفصيل، تميّز حراك كفررمان، منذ بداياته، بخطاب سياسي واضح الملامح، وذلك نتيجة تمرّس أهل البلدة في العمل السياسي التنظيمي، في إطار “الحزب الشيوعي اللبناني”، وانخراطهم باكراً في العمل المقاوم المًنّظم، ضمن “جبهة المقاومة الوطنية”. وكانت خيمة الدوّار، المحطة الثورية الوحيدة في “17 تشرين” التي رفعت عند أبوابها لائحة بمطالبها التغييرية والإصلاحية، ممّا حوّلها إلى مساحة مفتوحة للتثاقف، يقصدها “الثوّار” من كلّ المناطق.

أما في مدينتي النبطية وصور، فقد انطلق الحراك ضعيفاً في بداياته، لكنّ الاعتداءات الدمويّة التي تعرّض لها الناشطون، وهدفت للقضاء عليه، أمدّته بالكثير من الصلابة والعناد. فعلى مدى أشهر الثورة، واجه ثوّار المدينتين الذين كانوا في بداية تجريبهم السياسي وتصدّيهم ككتلة حديثة العهد للشأن العام، مناصرين وحزبيين متمرّسين في إدارة السّلطة والدّين والمّال، قابضين على كل مفاصل مجتمعهما، عن عمق خبرة ودراية وعقل أمني. ولكنّهم بدل أن ينكفئوا، كانت المفاجأة أنّهم أخرجوا غريمهم من مناصري الثنائي عن صبره، وعن أي إمكانية للتغاضي عمّا يحصل في عقر دارهما، فأوقعوهما في فخ الاستعانة بعفويّة الأهالي تارة، أو بغضب الجمهور تارة أخرى، أو بنظرية اقتصادية لـ “جمعية تجّار” من هنا، ومصلحة تنظيمية بلدية من هناك، وأفقدوهما هيبة راكموها على مدى عقود من الأحادية.

 

وماذا عن الإخفاقات؟

يسجّل على “الثورة” في مناطق الجنوب الثلاث أنّها لم تكن جاهزة لعملية الانتقال، كما لم ينتج عنها أيّ طيف سياسي، يملك مشروع تغيير واضح المعالم، أو يطرح أفكاراً بديلة لقيادة المرحلة، عدا عن أنّ “الثوّار” لم يتمكّنوا من الخروج من كونهم مجموعة من الناس الغاضبين المستائين والمعترضين على ظروفهم المعيشية. وافتقر الحراك عموماً إلى قيادة تجمع أشتاته، وتنظّمه وتوحّد أهدافه، والكلام هنا، لا يشمل بعض الوجوه التي تصدّت للقيادة من راكبي الأمواج الثورية والتقلّبات السياسية، إنما عن ضرورة انبثاق كتلة بشرية تحاكي كلّ الأطياف، وتنقل همومها وتعبّر عن آمالها.

ظلّ “ثوّار” الجنوب على مدى أشهر الثورة، مفتونين بتمكّنهم من الاعتراض علناً وجماعياًّ، بعدما كانوا يعترضون فرادى وسرّاً، ومأخوذين بالمشاعر الوطنية وحب العلم والنشيد والتغزّل بالدولة، لكنهم لم يقدروا، أو ربّما لم يلتفتوا إلى أنّه يجب عليهم ترجمة هذه المظاهر إلى خطوات عملية، علماً أنّ إبرازهم لهذه المظاهر، لم يحمهم من اتهامات العمالة والتخوين، مما أوقعهم في فخ التبرير، وانقلبوا إلى موقع الدّفاع بينما الثورات عادة تكون في موقع الهجوم.

انشر المقال

متوفر خلال:

أطراف معنية ، البلد ، الحق في الحياة ، انتفاضة 17 تشرين ، تحقيقات ، حراكات اجتماعية ، حركات اجتماعية ، حريات ، سياسات عامة ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *