جهود حقوقيّة لتعزيز حقوق العمالة المصرية في الأردن


2024-01-20    |   

جهود حقوقيّة لتعزيز حقوق العمالة المصرية في الأردن
المصدر: مركز المعلومات والبحوث – مؤسسة الملك الحسين

أصدرت 4 منظمات حقوقية في الأردن، وهي بيت العمال ومركز تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الانسان  ومركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية ومركز المعلومات والبحوث – مؤسسة الملك الحسين، ورقة سياسات لتعزيز حقوق العمالة المصرية في الأردن. وتعتمد هذه الورقة على الدراسة التي قام بها مركز المعلومات والبحوث حول هذا الموضوع والدراسات والخبرات العملية والتراكمية للمنظمات الثلاث الأخرى. كما تعتبر هذه الورقة امتدادا للإفادة المشتركة المقدّمة من قبل مركز تمكين للمساعدة القانونية ومركز المعلومات والبحوث إلى مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة من خلال آلية الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان (UPR). ويعود السبب في تركيز ورقة السياسات على العمالة المصرية لوجود إطار قانوني خاصّ يحكم هذه العمالة نتج عن تطبيقه العديد من التحديات التي تنتقص من حقوقهم، بل يمكن أن تعزز فكرة العمل القسري نظرا للصلاحيات الممنوحة لصاحب العمل الأردني. ومن الناحية العملية، كانت هذه الفئة من العمالة المهاجرة الأبعد إلى اهتمام المنظمات الحقوقية مقارنة بغيرها من الجنسيات من العمالة المهاجرة كونها تتحدث العربية وتملك حرية التنقل بخلاف العمالة المنزلية من آسيا وأفريقيا وتلك التي تعمل في المناطق الصناعية المؤهلة.

وربطت الورقة بين ترتيب الأردن المنخفض في المؤشرات الدولية المعنية بأشكال العبودية الحديثة والإتجار بالبشر والتشريعات والممارسات في مواجهة العمالة المصرية، كمحاولة لجلب انتباه الحكومة مع الإشارة إلى أن الأخذ بالتوصيات المقترحة من شأنه رفع ترتيب الأردن مما يعزز منظومة حقوق الإنسان الوطنية.

فعلى سبيل المثال، احتلّت الأردن المركز 23 من أصل 160 في مؤشر العبودية العالمي (The Global Slavery Index)[1]، من ناحية انتشار أشكال العبودية الحديثة بما يعادل 10 لكل ألف شخص [2]. فيما صنف تقرير الخارجية الأمريكية حول الإتجار بالبشر للعام 2022[3]، الأردن في المستوى الثاني مما يعني أن الحكومة الأردنية لا تفي بشكل كامل بالمعايير الدنيا للقضاء على الإتجار بالبشر، ولكنها تبذل جهودًا كبيرة لتحقيق ذلك.

وقد تمّ إعداد هذه الورقة بعد التشاور مع العمالة المصرية في الأردن للتعرف على أبرز التحديات التي يعتبرونها ذات أولوية بالنسبة لهم لوضع التوصيات المناسبة لغايات الحدّ من آثارها أو إلغائها.

وفيما يلي أبرز التحديات التي تواجه العمالة المصرية بحسب ما تم رصده في ورقة السياسات.

أولا: براءة الذمة

نتيجةً لارتباط العامل المصري بتصريح عمل لدى صاحب العمل الأردني لمدة سنة واحدة، فإن انتقاله إلى صاحب عمل آخر يحتاج إلى براءة ذمة من صاحب العمل الأول عند انتهاء مدة التصريح [4]. لا توجد وسيلة قانونية أو آلية إدارية لحماية العامل المصري من تعسّف صاحب العمل إذا رفض منحه براءة الذمة لغايات الانتقال إلى صاحب عمل آخر[5] بالرغم من عدم وجود أية موانع قانونية أو عملية أخرى. بل في العديد من الحالات يقوم أصحاب العمل باستغلال العمال المصريين من خلال رفض منحهم إخلاء الطرف إلا مقابل مبلغ مالي. كما تجدر الإشارة إلى أنّ صيغة نموذج إخلاء الطرف الذي يقدمه صاحب العمل تعني أن العامل يخلي مسؤولية صاحب العمل وأنه لن يطالب بأيّ حق له حالياً ومستقبلاً، مما يصب في مصلحة صاحب العمل[6].

ثانيا: التمتّع بالإجازات

حصول العامل المصري على إجازة لغايات زيارة مصر يحتاج إلى موافقة صاحب العمل، ولا توجد كذلك اية تدابير إدارية أو تشريعية تحمي العامل من تعسف صاحب العمل من رفض منح الاجازة والإذن للسفر.

يؤثر اشتراط موافقة صاحب العمل على تمتع العامل المصري بإجازة خارج المملكة بشكل سلبي على مبدأ وحدة الأسرة وقدرته على التواصل الجسدي مع أفراد عائلته، وخصوصاً أطفاله. كما يصعب على العامل استقدام عائلته للأردن حتى لغايات قضاء إجازات قصيرة لأن التعليمات الناظمة لا تسمح بذلك إلا في حال توافر شروط صعبة مثل الحصول على دخل مرتفع واشتراك في الضمان الاجتماعي. كما أن الإدارة العامة تملك سلطات تقديرية بهذا الخصوص؛ إذ يمكن رفض الطلب حتى لو توفرت الشروط من دون بيان الأسباب.

من خلال البحث الذي أجراه المركز المعلومات والبحوث شكلت موافقة صاحب العمل أحد أهم التحديات التي تحول دون حصول العامل على إجازته. إذ يواجه العديد من العمال في كثير من الأحيان مزاجية صاحب العمل في الموافقة أو رفض منحه الإجازة. وهذا ما أشار إليه أحد العاملين في قطاع الخدمات الذين تمّت مقابلته لأغراض البحث بأن الشركة التي يعمل لديها كثيراً ما تقوم بالتحكم في منحه الإجازة إذ رفضت أكثر من مرة الموافقة عليها حيث توفيت والدته وشقيقه ولم يتمكن من وداعهما.

ويتفاقم هذا التحدي أمام العامل المصري إذا كان يعمل بعقد تجاري[7]، أي يعمل لدى صاحب عمل آخر غير المذكور اسمه في العقد مما يجعله بحاجة إلى وسطاء على معرفة بالكفيل (صاحب العمل) وهذا يعني المزيد من التكاليف المالية التي يستوجب على العامل دفعها للكفيل والسمسار حتى يتمكن من الذهاب إلى مصر.

ثالثا: تجارة العقود

يسمح التنظيم الحالي لبعض الأشخاص الإتجار بالعقود، بمعنى أن يقوم صاحب العمل الأردني بالتعاون مع بعض السماسرة بإصدار تصاريح لعمال مصريين مقابل مبالغ مالية، وعند قدومهم إلى الأردن يعمل هؤلاء العمال بشكل يومي لدى أصحاب عمل مختلفين بطريقة مخالفة للتشريعات، مما يجعل حصول العامل المصري على حقوقه التي كفلها القانون صعباً، إضافة إلى إمكانية تعرضه للتسفير بموجب أحكام قانون العمل. 

وعلى الرغم من كون السماسرة يشكلون دوراً أساسياً في عملية التوظيف، إلا أنّ معظم العمّال الذين تمّت مقابلتهم لأغراض البحث رأوا أن تأثيرهم سلبي بالدرجة الأولى، حيث يقومون باستغلال حاجة الأشخاص للعمل ويجبرون على دفع مبالغ إضافية تتجاوز الضعف من خلال ما يسمى بتجارة العقود[8]. وبسبب هذا الاستغلال، سيكون من الصعب حصول العامل على براءة الذمة للعمل عند رب عمل آخر أو حتى الحصول على موافقة لقضاء إجازته في مصر. كما من المحتمل أن لا يقوم صاحب العمل الصوري بتجديد تصريح العمل أو دفع مستحقّات الضمان الاجتماعي أو قد يُجبر العمال على دفع مبالغ مالية إضافية تصل إلى ضعف رسوم تصريح العمل حتى يقوم صاحب العمل الذي قام باستقدامهم بتجديد تصريح العمل لسنة إضافية.

رابعا: قدوم العمالة المصرية إلى الأردن

وقّعت وزارتا العمل الأردنية والقوى العاملة المصرية مذكرة تفاهم في العام 2007 تركزت حول تنظيم انتقال العمال المصريين للعمل في الأردن، حيث تم الاتفاق على إنشاء قاعدة بيانات محوسبة بين الجانبين، وإصدار عقود العمل، واستيفاء مبلغ تأمين مسترجع بعد استكمال إصدار تصريح العمل. وكذلك نصت المادة الرابعة من هذه المذكرة على اعتماد آلية استقدام العمال المصريين وانتقالهم إلى الأردن من خلال منفذ حدودي واحد وهو معبر نويبع[9] – العقبة[10] البحري فقط من خلال شركة نقل واحدة، هي الجسر العربي للملاحة.

صدر قرار عن وزير العمل عام 2007 بحصر انتقال العمال المصريين إلى الأردن لأول مرة فقط من خلال معبر نويبع، إلا أنّه لا يشمل من يكونون في إجازة أو الحاصلين على تصريح عمل أي أن هؤلاء بإمكانهم القدوم من خلال أي وسيلة نقل تناسبهم. بقي هذا القرار حبيس الأدراج ولم يتم تنفيذه. ومع دخول جائحة كورونا وبدء الإجراءات الاحترازية لمكافحة الوباء، صدر قرار رسمي بإيقاف العمل على خط نويبع – العقبة لحوالي عام وحصر انتقال العمال المصريين عن طريق شركات الطيران المختلفة. في نهاية عام 2021، صدر قرار بحصر انتقال العمالة المصرية عن طريق نويبع ومنعهم من القدوم عبر شركات الطيران. مؤخراً في العام الحالي 2023، صدر كتاب رسمي يؤكد على حصر نقل العمالة المصرية من خلال شركة الجسر العربي للملاحة عبر معبر نويبع – العقبة شاملاً معه كافة أشكال العمالة (استقدام لأول مرة – إجازة – حامل لتصريح عمل) مخالفاً نصّ مذكرة التفاهم الأصلية التي سبقت الإشارة إليها والتي حصرت قدوم العمالة المصرية من خلال معبر نويبع – العقبة بالنسبة للقادمين للمرة الأولى فقط. وهنا تجدر الإشارة إلى أن القرار استثنى أصحاب المهن والوظائف العليا مثل الأطباء والمهندسين والذين يأتون إلى الأردن كسياحة، وبالتالي تعزيز التمييز بين المصريين على أساس المكانة الاجتماعية والمهنة.

يثير القرار بشكله الحالي العديد من التحدّيات بالنسبة للعمالة المصرية. إذ أن العديد من العمّال المصريين يأتون من مدن مصرية مختلفة، بعضهم يبعد عن معبر نويبع – العقبة آلاف الكيلو مترات وبالتالي سيجبرون على قطع مسافات طويلة لغايات الوصول إلى معبر نويبع. وكذلك الحال أيضاً عندما يصل العمال إلى العقبة في الأردن، إذ يواجهون نفس الصعوبة حيث يعمل العديد من العمال المصريين في مدن بعيدة، إضافة إلى الأعباء المالية التي يتكبّدونها جراء السفر لمسافات طويلة.

توصيّات

التوصيات التي جاءتْ بها ورقة السياسات تعتمد بشكل أساسي على الحدّ من صلاحيات رب العمل الأردني على قدرة العامل المصري الحصول على حقوقه والقيود التي يمكن فرضها عليه فيما يتعلق بحرية التعاقد وقبول العمل. ويمكن تلخيص هذه التوصيات على النحو التالي:

·         إعادة النظر بالسياسات الناظمة لعمل العمال المهاجرين، ومن بينهم المصريين، بحيث يتم توفير حماية فعالة ضد أشكال إساءة استخدام السلطة التي يمارسها صاحب العمل،

·         تعزيز قدرات وصلاحيات مفتشي العمل للنظر في الشكاوى المقدمة من العمالة المصرية والقدرة عن كشفها،

·         المطالبة بإعادة العمل بقرار تحديد مدة زمنية محددة لصاحب العمل لإصدار إخلاء طرف تقدر ب 45 يوم للعامل الذي يرغب بتغيير مكان عمله حيث يُعتبر بعدها العامل حراً في التنقل لصاحب عمل آخر أو العودة النهائية لمصر بقرار من وزارة العمل دون الحاجة إلى إصدار إخلاء الطرف من قبل صاحب العمل بعد انتهاء المدة الزمنية المحددة،

·         التوسع باستخدام تصاريح العمل الحرة [11] وتخفيض رسومها، ويقصد بهذا النوع من التصاريح تلك التي يحصل فيها العامل على تصريح عمل من دون الارتباط برب عمل، بالتالي إزالة السيطرة التي يملكها رب العمل في الوقت الحالي، والقضاء على دور الوساطة والسمسرة في العقود.

·         إعادة تفعيل الاتفاقية الموقعة بين الجانبين الأردني والمصري المتعلقة باستقدام عائلة العامل المصري في الأردن سواءً بما يتصل بالدعوات للزيارة لفترة محددة أو للإقامة كما كان معمولا به سابقاً. ولضمان التزام العائلات بالمدة المحددة للزيارة من الممكن إعادة تفعيل ما كان يعمل به سابقاً مثل أن يقوم ربّ الأسرة المقيم في الأردن بوضع كفالة مالية في البنك يقوم باستردادها بعد التأكد من مغادرة العائلة للأردن وعودتها لمصر وكذلك يمكن ربطه بتجديد تصريح العمل في حال عدم عودة العائلة إلى مصر.

·         تطوير إطار عمل منصف وشامل يعزز المساواة في المعاملة وعدم التمييز بين المهاجرين ويحمي حقوق جميع العمال بغض النظر عن فئة الوظيفة/العمل الذي ينتمون إليه.

·         إلغاء التعليمات التمييزية مثل حصر انتقال العمال المصريين من خلال معبر نويبع- العقبة والسماح لهم باختيار الطريقة الأنسب للقدوم.

·         نشر الوعي بين العمالة المصرية من خلال وزارة العمل وبالتعاون مع المنظمات المهتمة حول حقوقهم للحد من تعرضهم للاستغلال والنظر في إمكانية دعم إنشاء شبكات اجتماعية فيما بينهم.

هذا وقد انعكست التوصيات السابقة على ملخص الإفادات المقدمة من أصحاب المصلحة لآلية الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان والمعدّ من قبل مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان اعتمادا على الإفادة المشتركة المقدمة من مركز تمكين للمساعدة القانونية ومركز المعلومات والبحوث وغيرها من الإفادات ذات العلاقة. فقد تمّت الإشارة إلى المخاوف بشأن عدم قدرة العمال المهاجرين على تغيير وظائفهم من دون موافقة صاحب العمل مما يعرضهم لخطر الغرامات والترحيل والتوقيف الإداري. 


[1] Walk Free Foundation. (2023). Global Slavery Index 2023. Walk Free Foundation. Retrieved from https://www.walkfree.org/global-slavery-index/

[2]  بحسب هذا التصنيف، كلما قل الرقم زادت احتمالية انتشار اشكال العبودية الحديثة في الدولة المعنية. هذا وقد تم تصنيف كوريا الشمالية وأريتريا فيي المركزين الأول والثاني، في حين حصلت سويسرا والنرويج على المركزين 160 و159.

[3] U.S. Department of State. (2022). Trafficking in Persons Report: Jordan. Retrieved from https://www.state.gov/reports/2022-trafficking-in-persons-report/jordan

[4]  البند (أولاً/ أ) من قرار وزير العمل رقم (40/2022) تاريخ 22/6/2022

[5]  لا تحكم المحكمة بمنح إخلاء الطرف في القضايا التي يرفعها العمال بحق أصحاب العمل، ولا تلزم صاحب العمل بفعل ذلك، بينما تلزمه بإعطاء العامل شهادة خبرة، والسبب في ذلك يعود إلى عدم استناد المطالبة  بإخلاء الطرف إلى أيّ نصّ قانوني يسعف القاضي. انظر براءة الذمة وإخلاء الطرف: إجراءات بلا سند قانوني تهضم حقوق عمال مصريين، عمان نت، 8 أيلول 2020.

[6] للمزيد حول هذا الموضوع انظر تمكين للمساعدة القانونية، براءة الذمة واخلاء الطرف وثيقة تسلب المصرين حقوقهم، 2023.

[7]  لا يوجد في التشريعات ما يسمى بالعقد التجاري، وانما هو مصطلح تستخدمه العمالة المصرية للعقود التي يتدخل فيها وسطاء ويندرج ضمن ما يعرف باسم تجارة العقود.

[8]  فعلى سبيل المثال اذا كانت الرسوم الاعتيادية تصل إلى 500 دولار امريكي، يضطر العامل المصري دفع ما يقارب 700 دولار امريكي للوسطاء والسماسرة.

[9] نويبع هي مدينة مصرية تتبع محافظة جنوب سيناء. تطل المدينة على خليج العقبة، وتقع على مساحة 5097 كم على بعد 85 كم شمال مدينة دهب.

[10] العقبة هي المحافظة الساحلية الوحيدة في الأردن، وتقع في أقصى جنوب الأردن على ساحل البحر الأحمر.

[11] الحصول على تصريح عمل حر متاح الان في الأردن، إلا ان رسومه قد تصل إلى 3000 دولار امريكي، في حين رسوم تصاريح العمل العادية التي تصدر اعتمادا على طلب من رب عمل اردني تصل إلى 500 دولار امريكي.

انشر المقال

متوفر من خلال:

عمل ونقابات ، مقالات ، حقوق العمال والنقابات ، مصر ، الأردن



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية