جلسة 31 تشرين الأول: مسألة النصاب والأكثرية


2016-10-26    |   

جلسة 31 تشرين الأول: مسألة النصاب والأكثرية

تطرح مسألة انتخاب الرئيس الجديد للجمهورية في الجلسة المرتقبة بتاريخ 31 تشرين الأول مشكلة دستورية جديدة لم يشهدها لبنان من قبل. فقد كان الخلاف الدائم حول تفسير المادة 49 من الدستور والتي تنص في فقرتها الثانية على التالي: " ينتخب رئيس الجمهورية بالاقتراع السري بغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الأولى، ويكتفى بالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي" قد حسم بإعتبار تعبير غالبية الثلثين ينطبق على مجموع الأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب قانونا (أي اليوم 86 من أصل 128) وليس فقط على النواب الذين حضروا الجلسة.

ولما كان هذا التفسير يقول أن رئيس الجمهورية يحتاج في الدورة الأولى كي ينتخب إلى غالبية الثلثين من مجلس النواب، فقد استتبع ذلك تبني تفسير مكمل يقول بضرورة تحديد نصاب انعقاد جلسة الانتخاب بغالبية الثلثين أيضا إذ لا يعقل أن يحتاج رئيس الجمهورية لأصوات ثلثي مجموع أعضاء مجلس النواب في حين تعقد جلسة الانتخاب بحضور أقل من ثلثي عدد النواب.

لكن الإشكالية الجديدة التي يتم طرحها لأول مرة في لبنان تتعلق بدورة الانتخاب الثانية. فكل السوابق في تاريخ الانتخابات الرئاسية جرت في جلسة واحدة إذ انتخب بعض الرؤساء في الدورة الأولى (ميشال سليمان، اميل لحود، فؤاد شهاب…) بينما انتخب البعض الآخر في دورات الاقتراع التالية (سليمان فرنجية، الياس سركيس، بشير الجميل، الياس الهراوي…) لذلك انسحب نصاب الحضور في الدورة الأولى على الدورات اللاحقة. وبالفعل انتخب بعض رؤساء الجمهورية بالغالبية المطلقة خلال الدورة الثانية بينما ظل أكثر من ثلثي النواب حاضرين في الجلسة ما جعل مسألة نصاب الحضور تطرح فقط عند افتتاح الدورة الأولى في الجلسة. وبالفعل استقرّت العادة الدستورية على اعتبار أن جلسة انتخاب رئيس الجمهورية لا تنعقد إلا بحضور ثلثي مجموع النواب الذين يتألف منهم المجلس قانونا.

لكن الوضع في الحالة الراهنة بات أكثر تعقيدا. فدورة الإنتخاب الأولى عقدت فعليا في 23 نيسان 2014 وهي لم تسفر عن نتيجة حاسمة طالما أن أيا من المرشحين لم ينل غالبية الثلثين (أي 86 صوتا) لكن المجلس لم يتمكن من الإنتقال إلى الدورة الثانية بسبب انسحاب عدد من النواب ما جعل الجلسة تفقد نصاب الثلثين. وهنا تبرز الاشكالية: هل الجلسة التي سيعقدها مجلس النواب لانتخاب رئيس الجمهورية في 31 من الشهر الجاري تعتبر بعد مرور أكثر من عامين على الجلسة الأولى جلسة جديدة أو جلسة مكملة للدورة الأولى؟ ففي حال كانت جلسة جديدة يتوجب انتخاب الرئيس في دورة أولى جديدة بغالبية الثلثين بينما في حال اعتبرت دورة ثانية مكملة للجلسة القديمة يجب الاكتفاء بالغالبية المطلقة لحصول الإنتخاب (أي 65 صوتا).

إن حل هذه الاشكالية يستلزم تفكيكها إلى مجموعة من المسائل هي التالية: أولا: هل نصاب الحضور مرتبط بنصاب الانتخاب؟  ثانيا: هل جلسة 31 تشرين الأول تعتبر دورة ثانية؟ وأخيرا كيف يجب احتساب الأغلبية مع وجود نائب قدم استقالته من المجلس (روبير فاضل)؟

أولا: نصاب الحضور في الدورة الثانية
لم تكن هذه المسألة تثير اشكالية كون كل دورات الاقتراع كانت تعقد في جلسة واحدة بحضور ثلثي النواب. لكن جلسة 23 نيسان 2014 انفضت بسبب انسحاب عدد من النواب ما أخل بنصاب الثلثين. وبالفعل من خلال مراجعة محضر الجلسة المذكورة يتبين لنا أنه من أصل 124 نائبا حضروا الجلسة وشاركوا في الدورة الأولى، انسحب 46 نائبا، فظل في قاعة المجلس 78 نائبا أي أقل من غالبية الثلثين المطلوبة. لذلك أعلن رئيس المجلس أن "النصاب المطلوب لانتخاب فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية هو الثلثين أي ثلثي أعضاء المجلس أي 86".

أن هذا التفسير يتعارض مع رأي هيئة تحديث القوانين لدى مجلس النيابي التي اعتبرت في 27/11/2006 أن "النصاب الملحوظ في الفقرة الثانية من المادة 49 من الدستور هو نصاب متحرك مرتبط بالأكثرية المطلوبة للإنتخاب أي نصابا مشددا بأكثرية الثلثين على الأقل في دورة الإقتراع الأولى لتأمين أكبر قدر ممكن من التوافق على شخصية رئيس الجمهورية ونصاب الأكثرية المطلقة في دورات الاقتراع اللاحقة…". وقد خالف بعض أعضاء اللجنة هذا الرأي وأصروا أن النصاب يجب أن يستمر في جلسة الانتخاب بحضور ثلثي أعضاء المجلس النيابي في كل دورات الاقتراع.

وقد وافق البروفسير Jean Claude Colliard في استشارة له بتاريخ 11 تشرين الأول 2007 لجنة تحديث القوانين فخلص إلى أن نصاب الدورة الثانية هو الغالبية المطلقة:

“Les quorums nécessaires: comme on l’a montré, la présence de deux tiers des députés au premier tour, de la majorité d’entre eux pour les suivants ».

والظاهر أن مجلس النواب اعتمد التفسير الثاني أي ضرورة تأمين نصاب دائم من ثلثي مجموع الأعضاء إذ اعتبر أن جلسة 23 نيسان فقدت النصاب مع انسحاب عدد من النواب رغم بقاء 78 نائب في القاعة أي أكثر من الغالبية المطلقة. ولم يثر كلام رئيس المجلس حول النصاب أي اعتراض من قبل النواب المتبقين في الجلسة ما يؤشر أن نصاب الدورة الثانية وكل الدورات اللاحقة هو الثلثان علما أن هذا التفسير غير ملزم من الناحية القانونية الصرفة.

 ثانيا: هل جلسة 31 تشرين الأول تعتبر دورة ثانية؟
تشكل الجلسة المزمع عقدها في 31 من الشهر الجاري سابقة في تاريخ لبنان الدستوري إذ يتوجب لأول مرة إنتخاب رئيس للجمهورية في جلسة ثانية منفصلة عن الجلسة الأولى التي عقدت قبل أكثر من سنتين. وإذا كانت بعض الدول التي تتبع النظام البرلماني عرفت انتخاب رؤساء للجمهورية في جلسات منفصلة لكن ذلك حدث في ظل وجود غالبية واحدة في كل دورات الإقتراع. فالمادة الثانية من القانون الدستوري الفرنسي تاريخ 25 شباط 1875 نصت على انتخاب رئيس الجمهورية بالغالبية المطلقة دون التفريق بين الدورات:

“Le Président de la République est élu à la majorité absolue des suffrages par le Sénat et par la Chambre des députés réunis en Assemblée nationale».

وكذلك الأمر بالنسبة للجمهورية الرابعة بحيث كان يتوجب لانتخاب رئيس للجمهورية الحصول على الغالبية المطلقة من الأصوات بحيث يتم تكرار عملية الاقتراع في دورات متعددة حتى يحصل شخص ما على الغالبية المطلقة من الأصوات.

ولما كانت التجربة الفرنسية في ظل الجمهوريتين الثالثة والرابعة قليلة الفائدة بسبب عدم الاختلاف غالبية الانتخاب في الدورات، كان من المفيد الإطلاع على التجربة الإيطالية التي ينص دستورها في المادة 83 على انتخاب رئيس الجمهورية بغالبية الثلثين في أول ثلاث دورات من الاقتراع بينما يتم الاكتفاء بالغالبية المطلقة في الدورات التالية"

«L’élection du Président de la République a lieu au scrutin secret à la majorité des deux tiers de l’assemblée. Après le troisième tour de scrutin, la majorité absolue est suffisante».

وبالفعل في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، عقد البرلمان الإيطالي جلستين في 29 و30 كانون الثاني 2015 لم تسفر عن فوز أي شخص بغالبية الثلثين في دورات الإقتراع الثلاثة الأولى، ما دفع المجلس للإنعقاد في جلسة ثالثة في 31 كانون الثاني وانتخب "سيرجيو متريلا" في الدورة الرابعة وبالغالبية المطلقة فقط.

إن هذا المثال يؤكد لنا أن دورات الإقتراع تتعاقب بغض النظر عن تاريخ الجلسة. فجلسة الإنتخاب هي الحيز الزمني الذي تجري خلاله عملية الإقتراع شرط أن تنعقد الجلسة ضمن الشروط الدستورية كحضور العدد المطلوب من النواب لتأمين النصاب وانعقادها ضمن المهل التي ينص عليها الدستور. فدورة الإقتراع لا يمكن لها أن تنطلق إلا إذا استكملت الجلسة جميع أركانها الدستورية. وبمجرد حدوث ذلك، تكتسب الدورة مفاعيلها القانونية التي لا يمكن أن يتم الغاء نتائجها بحجة عقد جلسة جديدة بسبب رفع الجلسة السابقة، وبغض النظر أيضا عن الفاصل الزمني الذي انقضى بين الجلسة الأولى والجلسة الثانية.

جراء ما تقدم، يتبين لنا أن جلسة 31 تشرين تعتبر دورة ثانية مكملة للدورة الأولى وكل تأويل مخالف يعتبر تعطيلا للمادة 49 من الدستور إذ يسمح بإخضاع الإنتخابات للأهواء السياسية لهذه الجهة أو تلك بحيث يتم تجميد مجلس النواب في دورة أولى أبدية تتكرر دائما في حال لم يتمكن المجلس من انتخاب الرئيس في جلسة واحدة.

ثالثا: كيفية احتساب الأغلبية
اتخذت اللجان المشتركة في 10 نيسان 1980 قرارا اعتبرت بموجبه أن عبارة الغالبية المطلقة "تعني الغالبية محسوبة على أساس عدد النواب الأحياء، حاضرين أو متغيبين، دون المتوفين" ويضيف القرار أن الغالبية لا تشمل أيضا "المستقيلين أو المفصولين". وقد استند هذا القرار على استشارة للعلامة الفرنسي جورج فيديل خاصة أن ظروف الحرب ووفاة عدد متزايد من النواب دون إمكانية إجراء انتخابات جديدة حتم مثل هكذا تدبير بغية تسهيل عمل مجلس النواب. وفي 29 أيار 1980 وافق مجلس النواب على قرار اللجان المشتركة المذكور.

ولا شك أن الظروف الاستثنائية التي كانت سائدة خلال الحرب تجعل هذا التفسير مقبولا إلى حد ما. لكن ذلك لا يمكن أن ينسحب على الظروف العادية لا سيما إذا ما كان عدم الدعوة لإجراء انتخابات فرعية نتيجة لتقاعس السلطة السياسية أو خدمة لمصالحها هذا علاوة عن تشكيل ذلك مخالفة دستورية للمادة 41 من الدستور التي تفرض إجراء الإنتخابات خلال شهرين من تاريخ خلو المقعد.

في مطلق الأحوال، لا يمكن القبول باعتبار الغالبية تحسب فقط إنطلاقا من عدد النواب الأحياء وذلك كون المشترع الدستوري قد رفض هذا الإحتمال عندما عدل المادة 57 من الدستور سنة 1927. فالمادة 57 في صيغتها الأولى كانت تنص على التالي: "لرئيس الجمهورية الحق أن يطلب اعادة النظر في القانون مرة واحدة في خلال المهلة المعينة لنشره ولا يجوز أن يرفض طلبه· وعندما يستعمل الرئيس حقه هذا يصبح في حل من نشر القانون إلى أن يوافق عليه المجلسان (أي مجلسي الشيوخ والنواب)  بعد مناقشة أخرى في شأنه واقراره بالغالبية المطلقة من مجموع الأعضاء العاملين في كل من المجلسين"· والنص الفرنسي الأصلي أكثر وضوحا إذ يضيف:

“…les sièges vacant par décès ou démission ne sont pas comptés ».

فالنص الفرنسي القديم يشرح ما المقصود بالنواب "العاملين" ويعتبر صراحة أن الأعضاء المستقيلين أو المتوفين لا يدخلون في احتساب الأكثرية المطلقة. لكن المجلس النيابي عدل هذه المادة من الدستور واستبدلها بأحكام جديدة بحيث بات على رئيس الجمهورية إصدار القانون بعد مناقشة ثانية وقيام مجلس النواب "باقراره  بالغالبية المطلقة من مجموع الأعضاء الذين يؤلفون المجلس قانوناً". أي أن المجلس النيابي بوصفه صاحب الاختصاص التأسيسي حذف متعمدا النص القديم الذي يعتبر أن الأموات والمستقيلين لا يعتد بهم في احتساب الغالبية واستعاض عن ذلك باحتساب الغالبية انطلاقا من عدد أعضاء مجلس النواب القانوني أي ذلك المحدد في قانون الانتخاب. هذا وقد ذهب الفقيه Eugene Pierre المذهب نفسه وقال:

« Le quorum est calculé d’une façon invariable d’après le nombre des députés dont la chambre se compose en vertu de la loi électorale. Il n’y a pas lieu de le réduire proportionnellement au nombres des vacances qui peuvent se produire ».

وهكذا يصبح من البين لنا أن احتساب الغالبية يجب أن يتم انطلاقاً من عدد النواب المحدد في قانون الانتخابات المعمول به حاليا أي 128 ما يجعل الغالبية المطلقة[1] 65 وليس 64 في حال استثنينا مقعد النائب روبير فاضل المستقيل.

خلاصة البحث:

  • نصاب جلسة 31 تشرين الأول هو غالبية الثلثين من مجموع أعضاء مجلس النواب أي 86.
  • جلسة 31 تشرين الأول هي جلسة مكملة للدورة الأولى وينبغي فقط الحصول على الغالبية المطلقة للفوز.
  • الأكثرية تحسب إنطلاقا من مجموع أعضاء المجلس بغض النظر عن حصول شغور في مقعد واحد.

 

 


[1]  الغالبية المطلقة ليست النصف زائد واحد كما يشاع بل أول رقم صحيح بعد النصف.

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، دستور وانتخابات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية