جلسة سريعة معلّبة للمجلس النيابيّ: جريمة المرفأ لم تغيّر شيئا من أداء المجلس ورئيسه


2020-08-14    |   

جلسة سريعة معلّبة للمجلس النيابيّ: جريمة المرفأ لم تغيّر شيئا من أداء المجلس ورئيسه
رسم رائد شرف

في 13 آب 2020، وبعد أقلّ من عشرة أيّام على جريمة مرفأ بيروت التي ذهب ضحيّتها أكثر من 200 شخص، عقد المجلس النيابيّ اللبنانيّ جلسة لمناقشة إعلان حالة الطوارىء العسكريّة الذي أقرّته الحكومة قبل استقالتها في 10 آب 2020. وحصلت الجلسة في موعدها وكأنّ شيئا لم يحصل في البلد، وكأنّ الضحايا الذين ذهبوا نتيجة فساد الدولة ومؤسّساتها لم يحرّكوا ساكنا لدى المجلس ورئاسته التي اكتفت بطلب الوقوف دقيقة صمت.

بدا مشهد الدخول إلى الجلسة مختلفا عن الجلسات السابقة التي حصلت في المكان نفسه: قصر الأونيسكو. ومع أنّ القوى الأمنية وضعت أبوابا حديديّة على المداخل المؤديّة إلى قصر الأونيسكو، إلّا أنّ التفتيش في محيط القصر لم يكن مشدّدا كالسابق، واختفت من داخل القصر آلة “السكانر” وعمليّة تفتيش الحقائب التي كانت تحصل سابقا. وإضافة إلى ذلك، اختفت الآلة التي تعقّم النوّاب والإعلاميّين ضمن إجراءات الوقاية من فيروس الكورونا. بدت الجلسة محضّرة لتكون مريحة ومختصرة وسريعة، بحيث استغرقت ساعة فقط، تحوّلت فيها الجلسة من مناقشة قانون الطوارىء إلى جلسة تشريعيّة لتمرير اقتراح قانون أراده رئيس المجلس نبيه برّي.

اقتصرت التعليقات على جريمة ضخمة كجريمة المرفأ بتمنّي حماده لبرّي ب”العوض بسلامته” ، وبتعليق لبرّي وصفها فيه بالحدث الكارثيّ، وتعليق لنائبة كتلة المستقبل رولا الطبش انطلقت فيه من أنّ “بيروت عم تبكي” وأنّ بيروت تدّمرت خلال 15 ثانية. وتركّزت تعليقات نوّاب اللقاء الديمقراطيّ من وائل بو فاعور ومروان حماده (في ورقة استقالته) وبلال عبدالله على المطالبة بتحقيق دوليّ، بحيث أكّد وائل بو فاعور عدم الثقة بالقضاء الحاليّ، وعدم الثقة بالتحقيق المحلّي. وعبّرت كتلة المستقبل عبر المداخلة الوحيدة للنائبة رولا الطبش عن الأمر ذاته، داعية إلى اللجوء إلى تحقيق دوليّ. أمّا سيمون أبي رميا، نائب كتلة لبنان القويّ، فطالب بلجنة تحقيق برلمانيّة.

التعليق الوحيد لحزب الله في الجلسة الأولى بعد جريمة المرفأ، اقتصر على مداخلة للنائب علي فيّاض الذي لفت النظر إلى أنّ قانون الطوارىء العسكريّة يعني عدم قدرة المدارس على إعطاء إفادات للطلاب، مطالبا بالتصديق على اقتراح قانون قدّمه يرمي إلى استثناء الإفادات من قانون الطوارىء، متجاهلا ضحايا الجريمة وآثارها التي ما زالت في أوجّها.

أمّا في ما يخصّ استقالات النوّاب نديم وسامي الجميل، وبولا يعقوبيان، وميشال معوّض، والياس حنكش، ونعمة افرام، فاقتصر الأمر على تلاوة الاستقالات أمام المجلس حتّى تصبح نافذة، بحسب النظام الداخليّ. وعلّق النائب بو فاعور أنّ وصول أيّ نائب إلى الاستقالة يستدعي الوقوف قليلا عنده، في حين عبّرت رولا الطبش أنّ النوّاب مستقيلون بعاطفتهم، ولكنّها عادت وطالبت بطوارىء أمنيّة.

أمّا استقالة مروان حماده فأثارت نقاشا في الجلسة، من الواضح أنه كان تمّ الاتّفاق عليه مسبقا، كمعظم مجريات الجلسة، وتحديدا بين رئيس المجلس ونائبه إيلي الفرزلي. فما أن أنهى أحد أعضاء هيئة المجلس تلاوة استقالة مروان حماده، حتّى اعترض إيلي الفرزلي بالتالي: “خلال استماعي الدقيق لاستقالة مروان حماده، هل يعتبر الحديث عن المادة المتعلّقة بمحاكمة الوزراء والرؤساء بمثابة شرط وضعه في متنها، وبالتالي تعتبر لاغية؟”، فوافقه برّي، معتبرا أنّ المادة من النظام الداخلي تعتبر الاستقالة المشروطة غير نافذة، وطالب بحضور حماده للجلسة. عاد واعتبرها نافذة بعد تغيّب حماده عن الحضور.

من الواضح أيضا الاتّفاق المسبق على تحويل الجلسة إلى جلسة تشريعيّة ل”تمرير” بضعة اقتراحات قوانين. ففي مداخلة نائب كتلة التنمية والتحرير ياسين جابر، طلب هذا الأخير التصويت على اقتراح قانون معجّل مكرّر يرمي إلى تأجيل المهل وإعفاء أهالي الضحايا من رسوم الإرث وإعفاء المباني المتضرّرة من الرسوم البلديّة. فعلّق برّي بأنّ الجلسة غير مخصّصة للتشريع لكن لا مانع من تحويلها إلى تشريعيّة في حال قرّر المجلس ذلك، وبعد دقائق تحوّلت الجلسة إلى تشريعيّة. وتمّ التصديق على الاقتراح معدّلا خلال بضعة ثوانٍ. وكذلك، صدّق على اقتراح النائب علي فيّاض بعد ما قال له برّي: “وزّعه ومنجرّب نمرّقه”.

بالمقابل، لم تتطرّق الجلسة إلى موضوع الحريّات العامّة التي سيضيّق عليها قانون الطوارىء، إلا بمداخلة للنائب أسامة سعد. وإذ تحدث هذا الأخير عن مخاطر الطوارئ على الحريات العامة، عاجله برّي بالقول إنّ الجيش لم يقم بأي قمع خلال الأسبوع الماضي، أي منذ أعلنت الحكومة حالة الطوارىء العسكريّة. ولوّح بأنّ الجيش قادر على قمع الإعلام الذي وصفه بالفوضوي ومع ذلك لم يقمعه. وذكر أيضا أنّ الجيش سمح للتظاهرات، واعتبر أنّ مؤامرة كانت تحاك ضدّ المجلس النيابيّ حتّى يقدّم استقالته وتحاسبه الحكومة. وبدل أن يعلّق على الجريمة التي حصلت، حمل برّي ورقته الصغيرة من جيبه وقرأ عنها مطالبه بتحويل لبنان إلى دولة مدنيّة يكون “للطوائف حقّ في وجودها”، وبقانون انتخابيّ دون عوائق مناطقيّة، إضافة إلى قضاء مستقلّ، وتوحيد الضرائب التصاعديّة، والضمان الاجتماعيّ، والإسراع في تأليف حكومة يكون في بيانها الوزارة “الإصلاحات ومحاربة الفساد” وشدّد على الجملة الأخيرة. كانت هذه مطالب رئيس المجلس النيابيّ منذ  28 سنة، في حين أنّ المجلس لم يدع فعليّا لمناقشة والتصويت على قوانين توصل إلى استقلاليّة القضاء ومحاربة الفساد وقوانين انتخابيّة.

أنهى برّي جلسته التي أرادها سريعة في ظلّ تدخّل دوليّ كبير على المرفأ وفي الداخل، وفي ظلّ فراغ حكوميّ، وفي ظلّ غياب أيّ تحقيق فعليّ وتحمّل لأيّ مسؤوليّة، تماما مثلما وصف الفرزلي حكومة حسّان دياب سابقا بأنّها “بريئة من دمّ الشعب”.

انشر المقال

متوفر خلال:

أحزاب سياسية ، البرلمان ، المرصد البرلماني ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لبنان ، مجزرة المرفأ