جلسة ثانية في قضية القاضي المغربي عادل فتحي: الشجاعة من خلال مفهوم “الاضطراب النفسي”


2012-12-13    |   

جلسة ثانية في قضية القاضي المغربي عادل فتحي: الشجاعة من خلال مفهوم “الاضطراب النفسي”

بتاريخ 19-11-2012، وبعد امهاله شهراً لاعداد الدفاع[1]، مثل القاضي عادل فتحي أمام المجلس الأعلى للقضاءفيالمغرب بتهمة "إخلاله بموجب التحفظ" على خلفية المقالات التي نشرها بالعديد من الجرائد والمواقع الالكترونية، ولخروجهعن "مبدأ الحياد والوقار"، وفق التهم الموجهة اليه. وكان فتحي قد تقدم بشكايتين نيابة عن ابنيه القاصرين[2]في مواجهة كل من عباس الفاسي، الوزير الأول سابقا، وصلاح الدين مزوار، وزير المالية السابق، متهما اياهما بعدم التبليغ عن جناية فساد كانا على علم بها، ملتمسا فتح تحقيق في الموضوع. ثم عاد وأحال، بصفته قاضي ادعاء عام، الشكاية نفسها على الجهات المختصة لمباشرة اجراءات البحث، فأحيل على المجلس لانه باشر البحث في الشكاية نفسها التي سجلها بنفسه.
وتمثلت هيئة الدفاع عن فتحي في قضاة أربعة هم ياسين مخلي، رئيس نادي قضاة المغرب وحجيبة البخاري، نائبة رئيس المحكمة الابتدائية بمكناس فضلا عن أنس سعدون وعبد الله الكرجي. وقدم هؤلاء القضاة حججا عدة، أبرزها الآتية:

-لا دستورية التركيبة الحالية للمجلس الأعلى للقضاء: فقد ضمن دستور2011 للقاضي حق الطعن في القرارات الصادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية في حال "الشطط" في استعمال السلطة أمام أعلى هيئة قضائية ادارية بالمملكة، فيما أن هذه الهيئة (المجلس الأعلى للسلطة القضائية) لم يصر الى انشائها بعد. وتاليا، يقضي اعتماد التأويل الديمقراطي والحقوقي للدستور من المجلس تأخير البت في الملفات التأديبية[3]الى حين انشاء هذه الهيئة ضمانا لحق القضاة في ممارسة حقهم بالطعن، وللاستفادة من مزايا التشكيلة الجديدة للمجلس المذكور[4].

-الحق في التشكي مكفول لكل المواطنين وليس فيه خروج عن مبدأ الحيادمن جهة أخرى، أكد الدفاع انتفاء أي صورة من صور خروج القاضي فتحي عن الحياد والوقار طالما أن الحق في التشكي متاح لكل المواطنين ولا أحد فوق القانون مع العلم بأن قضاة النيابة العامة لا "يُجرحون" عملاً بمقتضيات المادة 274 من قانون المسطرة الجنائية. ولا بد من الاشارة الى أن التجريح هو طلب رد القاضي ومنعه من النظر في الدعوى لأسباب معينة أهمها وجود فائدة له فيها، والتجريح، أو الرد، يخص قضاة الحكم فقط دون قضاة النيابة العامة لأنها كما يٌقال "خصم شريف".
كما أن قيام القاضي فتحي بتسجيل الشكايتين وتوجيهها الى وكيلي الملك بالرباط وسلا، يعتبر من صميم اختصاص عمل النيابة العامة التي يجب على أعضائها ايلاء الاهتمام الشديد للملاحقات القضائية المتصلة بالجرائم التي يرتكبها موظفون عموميون، ولا سيما ما يتعلق منها بالفساد واساءة استعمال السلطة والانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان طبقا للمبادئ التوجيهية بشأن أعضاء النيابة العامة.
 
مساع لاظهار فتحي مضطربا نفسيا بغية تسفيه مواقفه "الشجاعة" في فضح الفساد
وقد أدلت مصادر من فريق الدفاع بأن المسؤولين المباشرين للقاضي فتحي قد نظموا تقارير تشير الى "كونه (فتحي) ينفعل، وكون سلوكه غير متوقع، وقد يعاني من اضطرابات نفسية". كما نقلت هذه المصادر بأنه ضُغط على القاضي فتحي من أجل الادلاء بشهادة طبية بهذا الخصوص. واذ أبرز للمفتشية العامة تقريرا من أحد أطباء بالرباط يثبت عكس ذلك، استدعى الوكيل العام للملك بالرباط، وبناء على طلب من وزير العدل، الطبيب المذكور، طالبا منه معلومات بشأن حالة القاضي فتحي بما يخل بالسر المهني.
وبذلك، تتحول الملاحقة على أساس المس بموجب التحفظ والحيادية الى ما يشبه محاكمة لاثبات الاضطراب النفسي. ويخشى من ذلك أن تهدف الملاحقة ليس الى التأكيد على موجب التحفظ في تجنب قضايا الفساد وحسب (وهو أمر مقيد طبعا لحرية القاضي)، انما أيضا الى اثبات بأن أي عمل مماثل هو من باب غير المعقول، فلا يقوم به الا من أصيب باضطراب نفسي (وهذا ما يشكل طبعا قمة أساليب القمع).
ويلحظ أن وزير العدل والحريات قرر في اثر ذلك إجراء بحث تكميلي في القضية، مما يجعلهامرشحة لمزيد من التطورات. (يتبع..)
 


[1]القاضي المغربي عادل فتحي في أولى جلسات التحقيق: الالتزام بيمين القاضي أولا، وتجاوز التقاليد القضائية بات أمرا ضروريا
https://legal-agenda.com/newsarticle.php?id=158&folder=legalnews&lang=ar
 
[2]تقديمه الشكايتين نيابة عن ابنيه القاصرين يشكل اجراءً رمزيا نيابة عن كل اطفال المملكة ضمانا لحق الاجيال القادمة في المال العام، معتبراً أن ابنيه قد تضررا من التصريحات المنشورة على صفحات الجرائد والتي يتبادل فيهما وزيرين اتهامات بالفساد.

 

[3]لذلك سبق لوزير العدل السابق محمد الطيب الناصري أن قرر عدم ادراج ملفات التأديب على المجلس الى حين تنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية من أجل ضمان حق القضاة في الطعن أمام أعلى هيئة ادارية . غير أن وزير العدل والحريات الحالي مصطفى الرميد تراجع عن هذا التوجه الحقوقي و أدرج العديد من الملفات التي بث فيها خلال دورته السابقة.
[4]وهو ما تؤكده أيضا المواثيق الدولية وفي مقدمتها المبادئ التوجيهية، بشأن أعضاء النيابة العامة التي اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة 8 لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المنعقد في هافانا من 27 أغسطس الى 7 أيلول سبتمر 1990 بخصوص الاجراءات التأديبية، والتي تنص على أنه يستند في معالجة المخالفات التي يرتكبها أعضاء النيابة العامة والتي تستحق اجراءات تأديبية، الى القانون أو النظم المستندة الى القانون. كما يتعين أن تعالج الشكاوى التي تقدم ضدهم وتدعي أنهم تجاوزوا بوضوح نطاق المعايير المهنية، معالجة سريعة ومنصفة وفي اطار اجراءات ملائمة، ويكون لهم الحق في الحصول على محاكمة عادلة، ويخضع القرار لمراجعة مستقلة.
 
انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، استقلال القضاء ، المغرب



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية